تعيين البروفيسورة مريم جمال هنجاني في منصب قيادي بمؤسسة أبحاث السرطان البريطانية يسلط الضوء على دور الكفاءات المسلمة في البحث العلمي والقطاع الصحي، ضمن صورة أوسع لمشاركة المسلمين في الحياة المهنية والاجتماعية في المملكة المتحدة.
تعيين البروفيسورة مريم جمال هنجاني في منصب كبير الأطباء السريريين بمؤسسة أبحاث السرطان البريطانية (Cancer Research UK) نموذجا لإسهامات الكفاءات المسلمة في المجالات العلمية والطبية في المملكة المتحدة، ويفتح الباب أمام قراءة أوسع لدور المسلمين في المجتمع البريطاني، من البحث العلمي والرعاية الصحية إلى التعليم والأعمال والمبادرات المجتمعية.
وكانت مؤسسة أبحاث السرطان البريطانية أعلنت في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تولي هنجاني المنصب، خلفا للبروفيسور تشارلز سوانتون، الذي شغله منذ عام 2017.
تعمل هنجاني أستاذة لعلم جينوم السرطان وانتشاره في معهد السرطان التابع لجامعة كلية لندن (UCL)، وتعرف بأبحاثها المتعلقة بكيفية تطور الأورام وانتشارها واكتسابها مقاومة للعلاج.
لا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على تولي باحثة منصبا علميا رفيعا، بل تمتد إلى ما يمثله البحث الطبي من خدمة عامة، إذ يمكن للمعرفة المتقدمة أن تسهم في تطوير وسائل التشخيص والعلاج وتحسين حياة المرضى، بصرف النظر عن خلفياتهم الدينية أو الثقافية.
المسلمون في بريطانيا.. حضور متزايد وتنوع في الأدوار
يشكل المسلمون جزءا من النسيج السكاني والثقافي في بريطانيا، وتتوزع مشاركتهم في قطاعات مهنية واجتماعية متعددة. وتوفر بيانات التعداد السكاني في إنجلترا وويلز صورة رقمية عن حجم هذا الوجود وتطوره.
وبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، بلغ عدد الذين عرفوا أنفسهم بأنهم مسلمون في إنجلترا وويلز نحو 3.9 ملايين شخص في تعداد عام 2021، بما يعادل 6.5% من السكان، مقارنة بنحو 2.7 مليون شخص، أو 4.9%، في تعداد عام 2011.
هذه الأرقام تخص إنجلترا وويلز، ولا تمثل إجمالي سكان المملكة المتحدة، التي تشمل أيضا اسكتلندا وأيرلندا الشمالية.
ويعكس هذا الحضور تنوعا في الأصول والخبرات والأجيال؛ فالمسلمون في بريطانيا ليسوا مجموعة متجانسة من حيث الخلفيات الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، بل يضم المجتمع أفرادا من أصول متعددة، ومواطنين بريطانيين، وأسرا استقرت في البلاد عبر أجيال، إلى جانب مهاجرين وطلاب وعاملين.
ومن ثم، فإن تناول دور المسلمين في المجتمع البريطاني يتطلب النظر إلى مساهماتهم الفردية والمؤسسية، مع إدراك التحديات التي تواجه بعض الفئات، وتجنب اختزال مجتمع متنوع في صورة واحدة أو تعميم تجربة شخص أو مجموعة على الجميع.
مريم جمال هنجاني.. البحث العلمي في خدمة المرضى
يمثل تعيين البروفيسورة مريم جمال هنجاني مثالا على التقاء الخبرة الطبية بالبحث العلمي المتقدم. فهي طبيبة متخصصة في الأورام الصدرية وباحثة في علم جينوم السرطان وانتشاره بجامعة كلية لندن.
وتركز أبحاثها على تتبع التغيرات التي تطرأ على الأورام السرطانية خلال تطور المرض، وكيفية انتشارها أو عودتها بعد العلاج، والآليات التي تمكنها من مقاومة العلاجات. وتساعد هذه المقاربة الباحثين على فهم السرطان بوصفه مرضا تتغير خصائصه بمرور الوقت، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام تدخلات علاجية أكثر دقة.
ومن أبرز المشاريع البحثية التي شاركت فيها دراسة TRACERx، المعنية بتطور سرطان الرئة، والتي تسعى إلى فهم الاختلافات داخل الورم الواحد والتغيرات التي تحدث فيه خلال مسار المرض.
كما قادت هنجاني دراسة PEACE، التي تسهم في توسيع المعرفة العلمية بآليات انتشار السرطان وتغلبه على العلاج.
وفي منصبها الجديد، ستساعد هنجاني في تحديد توجهات الأبحاث السريرية لمؤسسة أبحاث السرطان البريطانية، والعمل على تعزيز الصلة بين الاكتشافات العلمية واحتياجات المرضى، إلى جانب دعم المسارات المهنية للباحثين والأطباء العاملين في البحث السريري.
وتكمن القيمة المجتمعية لهذا العمل في أن نتائجه المحتملة لا تقتصر على فئة بعينها؛ فتطوير طرق تشخيص السرطان وعلاجه يمكن أن يعود بالنفع على المرضى وأسرهم وعلى النظام الصحي عموما.
القطاع الصحي.. مساهمة تتجاوز حدود الهوية
يعد الطب والرعاية الصحية من المجالات التي تتقاطع فيها الخبرات المهنية مع الاحتياجات اليومية للمجتمع. ويشارك مسلمون في بريطانيا، مثل غيرهم من أفراد المجتمع، في المهن الطبية والتمريضية والبحثية والصيدلانية، وفي مؤسسات التعليم والتدريب الصحي.
ويبرز مثال هنجاني أهمية الجمع بين الممارسة السريرية والبحث الأكاديمي؛ فالطبيب الباحث يستطيع الربط بين الأسئلة التي يواجهها المرضى في العيادات والموضوعات التي يدرسها العلماء في المختبرات ومراكز الأبحاث.
وتكمن أهمية الخلفية المسلمة لهنجاني في سياق هذا التقرير في إظهار تنوع الكفاءات المشاركة في الحياة البريطانية، فيما يبقى أساس إنجازها هو خبرتها العلمية والطبية.
التعليم والجامعات.. مسارات لصناعة المعرفة
تلعب الجامعات البريطانية دورا أساسيا في تطوير المعرفة وتدريب الأجيال الجديدة من الأطباء والمهندسين والعلماء والمعلمين، ويشارك أفراد من المجتمع المسلم في هذه البيئة بوصفهم طلابا وأكاديميين وباحثين ومتخصصين في قطاعات مختلفة.
وتوضح المسيرة الأكاديمية لهنجاني كيف يمكن للتعليم الجامعي والتدريب الطبي والتخصص البحثي أن تتكامل في بناء مسار علمي يمتد من الدراسة إلى قيادة المشاريع البحثية والمساهمة في توجيه أولويات المؤسسات العلمية.
ولا تقتصر قيمة التعليم على إعداد أصحاب التخصصات العلمية؛ فهو يوفر أيضا فرصا لتوسيع المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير المهارات، وتعزيز قدرة الأفراد على الإسهام في مجتمعاتهم.
لا تزال فرص التعليم والعمل والتقدم المهني تتأثر بعوامل متعددة، منها الوضع الاقتصادي والظروف الأسرية وإمكان الوصول إلى الموارد والتدريب. ولذلك، فإن الحديث عن نجاحات الكفاءات المسلمة ينبغي أن يترافق مع قراءة واقعية للتحديات التي تواجه شرائح مختلفة من المجتمع.
العمل المجتمعي والتطوع.. إسهامات على المستوى المحلي
إلى جانب الوظائف الرسمية والمناصب الأكاديمية، تتجلى المشاركة المجتمعية في أنشطة متنوعة، مثل مساعدة المحتاجين، ودعم الأسر، والعمل التطوعي، وجمع التبرعات، والمبادرات التعليمية، وتوفير الدعم خلال الأزمات.
وتشارك منظمات وجمعيات محلية، بينها مؤسسات ذات مرجعية إسلامية، في أنشطة خيرية واجتماعية تستهدف فئات مختلفة من السكان. وتختلف طبيعة هذه الأنشطة وأحجامها من مؤسسة إلى أخرى، كما تتباين أولوياتها وفقا لاحتياجات المناطق التي تعمل فيها.
وتكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تربط العمل الاجتماعي بالاحتياجات اليومية للسكان، وتتيح للأفراد المشاركة في معالجة مشكلات محلية، مثل الفقر والعزلة الاجتماعية وصعوبات الوصول إلى بعض الخدمات.
الاقتصاد والأعمال.. تنوع في الخبرات والمهن
يمثل العمل والإنتاج وريادة الأعمال جانبا آخر من مشاركة المسلمين في المجتمع البريطاني. ويعمل أفراد من هذه الفئة في مهن متنوعة، ويدير بعضهم شركات ومشروعات صغيرة، فيما يعمل آخرون في قطاعات الخدمات والتجارة والتكنولوجيا والمال والصناعة.
وتسهم الشركات والمشروعات، عندما تنجح وتوفر فرص عمل وخدمات أو منتجات، في النشاط الاقتصادي المحلي. غير أن حجم هذه المساهمة لا يمكن تقديره بدقة من خلال الانتماء الديني وحده، بل يحتاج إلى بيانات اقتصادية ومهنية تفصيلية.
وتكشف الإحصاءات الرسمية عن ضرورة النظر إلى المشاركة الاقتصادية والتحديات المرتبطة بها في آن واحد. فقد أظهر تحليل مكتب الإحصاءات الوطنية لبيانات تعداد 2021 أن نسبة المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و64 عاما وكانوا في العمل في إنجلترا وويلز بلغت 51.4%، مقارنة ب70.9% بين السكان عموما. وأشار المكتب إلى أن اختلاف التركيبة العمرية وارتفاع نسب الطلاب ومن يتولون رعاية المنزل والأسرة من العوامل التي تساعد في تفسير هذا الفارق.
وتؤكد هذه الأرقام أن الصورة الاجتماعية والاقتصادية أكثر تعقيدا من سرد قصص النجاح وحدها؛ فإلى جانب الكفاءات التي تصل إلى مواقع قيادية، توجد تحديات تتعلق بالعمل والسكن وتكافؤ الفرص، تستدعي سياسات فعالة وقراءة تستند إلى الأدلة.
التحديات الاجتماعية.. صورة لا تكتمل بالإنجازات وحدها
لا يمكن تقديم قراءة متوازنة لدور المسلمين في بريطانيا من دون الإشارة إلى التحديات التي تواجه بعض أفراد المجتمع، سواء في سوق العمل أو السكن أو الاندماج الاجتماعي أو التمييز.
ويشير تحليل مكتب الإحصاءات الوطنية لبيانات تعداد 2021 إلى أن المسلمين كانوا أكثر عرضة للسكن في منازل مكتظة مقارنة بالسكان عموما في إنجلترا وويلز، كما كانت نسبة ملكية المنازل بينهم أقل من المعدل العام.
توضح هذه المؤشرات أن الظروف الاقتصادية والسكنية جزء مهم من فهم واقع المجتمع المسلم، إلى جانب إنجازات أفراده.
ولا تعني هذه المؤشرات أن جميع المسلمين يواجهون الظروف ذاتها، كما أنها لا تفسر وحدها أسباب الفوارق؛ إذ تتداخل عوامل العمر والدخل وحجم الأسرة والمنطقة الجغرافية وغيرها في تشكيل النتائج الاجتماعية والاقتصادية.
من هنا، فإن تناول الإسهامات الإيجابية لا يتعارض مع الحديث عن التحديات. بل إن الجمع بين الجانبين يقدم صورة أكثر دقة، ويتيح فهما أفضل للظروف التي تساعد الكفاءات على النجاح، والعوائق التي قد تحد من فرص آخرين.
التنوع والتعاون.. قيمة مشتركة للمجتمع البريطاني
تتسم بريطانيا بتعدد ديني وثقافي واجتماعي، ويظهر هذا التنوع بوضوح في لندن، التي سجل تعداد 2021 فيها مستويات مرتفعة من التنوع الديني مقارنة بمناطق إنجليزية أخرى. وقد أفاد مكتب الإحصاءات الوطنية بأن 25.3% من سكان لندن عرفوا أنفسهم بانتماء ديني غير مسيحي في ذلك التعداد.
وفي مثل هذا السياق، يكتسب التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والصحية والخيرية والمجتمعية أهمية خاصة، لأنه يتيح تبادل الخبرات وتوجيه الموارد إلى القضايا المشتركة.
ويشكل البحث في السرطان مثالا واضحا على هذا الترابط؛ فالنتائج العلمية تتطور من خلال عمل فرق تضم باحثين وأطباء وممرضين ومؤسسات تمويل ومرضى يشاركون في الدراسات السريرية. ولا تتحقق الفائدة النهائية إلا عندما تتحول المعرفة إلى تحسينات ملموسة في الوقاية والتشخيص والعلاج.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تعيين هنجاني بوصفه إنجازا مهنيا موثقا، ومثالا على تنوع الكفاءات التي تسهم في تطوير المعرفة الطبية في بريطانيا، من دون اختزال دور المسلمين في هذا المثال أو الادعاء بأنه يمثل جميع تجاربهم.
خلاصة: من الإنجاز الفردي إلى المشاركة المجتمعية
يسلط تعيين البروفيسورة مريم جمال هنجاني في منصب كبير الأطباء السريريين بمؤسسة أبحاث السرطان البريطانية الضوء على حضور الكفاءات المسلمة في البحث العلمي والقطاع الصحي، ويقدم مدخلا إلى مناقشة أوسع لمشاركة المسلمين في التعليم والعمل والأعمال والمبادرات المجتمعية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن المسلمين يشكلون شريحة مهمة ومتنامية من سكان إنجلترا وويلز، بينما تكشف المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية عن تفاوت في الظروف والفرص داخل المجتمع. ولذلك، فإن الصورة الأكثر اكتمالا هي التي تجمع بين الإنجازات الموثقة والتحديات الواقعية، وتبتعد عن التعميم أو المبالغة.
وفي النهاية، لا تتحدد قيمة الإسهام المجتمعي بالهوية الدينية وحدها، بل بما يقدمه الأفراد والمؤسسات من معرفة وخبرة وخدمات ومبادرات تعود بالنفع على الناس. ويظل إنجاز هنجاني مثالا على الكيفية التي يمكن بها للبحث العلمي المتقدم أن يتجاوز حدود الخلفيات والهويات، ليخدم هدفا إنسانيا مشتركا يتمثل في تحسين حياة المرضى وتطوير الرعاية الصحية.

