أموال الخليج تسير سياسات إدارة ترامب؟ كوشنر نموذجا لتداخل النفوذ السياسي والمصالح الاستثمارية
مقدمة: حين تجتمع طاولة المفاوضات مع مصالح صناديق الاستثمار
أعاد التحقيق الذي فتحه الديمقراطيون في مجلس النواب الأمريكي بشأن جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره السابق، طرح سؤال جوهري حول حدود الفصل بين المصالح الخاصة وصناعة السياسة الخارجية الأمريكية.
هل يمكن لمسؤول يؤدي دورا دبلوماسيا باسم واشنطن أن يدير في الوقت نفسه شركة استثمار تتلقى مليارات الدولارات من حكومات أجنبية، وتستثمر في قطاعات وشركات تتأثر قرارات الإدارة الأمريكية بشأنها؟
أعلن روبرت غارسيا، أبرز الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فتح تحقيق جديد بشأن احتمال تضارب المصالح المرتبط بكوشنر.
جاء التحرك عقب تحقيق نشرته شبكة CNN في الأول من أكتوبر، كشف أن شركة “أفينيتي بارتنرز” (Affinity Partners)، التي أسسها كوشنر، أصبحت أكبر مساهم في مجموعة “فينيكس فاينانشال” التابعة للكيان الصهيوني، التي تمتلك بدورها حصصا في تسع شركات بالكيان على الأقل تعمل في مجال التوريدات العسكرية.
تكمن حساسية القضية في أن كوشنر لا يعمل مستثمرا خاصا فحسب؛ فهو يشارك أيضا في جهود إدارة ترامب الدبلوماسية، بما فيها المفاوضات المتعلقة بحرب غزة، في وقت تعتمد فيه شركته بصورة كبيرة على أموال صناديق سيادية خليجية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة السعودي.
ولا يعني هذا التداخل، في حد ذاته، أن صفقة استثمارية بعينها اشترت قرارا سياسيا أو أن كوشنر وجه استثمارات شركته لخدمة طرف على حساب آخر. لكنه يثير سؤالا مؤسسيا لا يقل أهمية عن إثبات المخالفة القانونية: كيف يمكن التحقق من استقلال القرار الدبلوماسي عندما تتشابك المصالح المالية لصاحبه مع مصالح أطراف التفاوض؟
وتستند هذه القراءة إلى ما نشرته مجلة “فورين بوليسي” في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وإلى التحقيقات والتقارير المتعلقة بشركة كوشنر وتمويلها الخليجي، مع التمييز بين الوقائع المنشورة والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة حاسمة.
أولا: من البيت الأبيض إلى “أفينيتي بارتنرز”.. كيف بدأت العلاقة المالية؟
في 21 يناير/كانون الثاني 2021، أي بعد يوم واحد من انتهاء الولاية الرئاسية الأولى لترامب، أسس كوشنر شركة “أفينيتي بارتنرز” للاستثمار الخاص.
جاء تأسيسها بعد مغادرته منصبه مستشارا بارزا في البيت الأبيض، حيث كان من المشاركين في إدارة ملفات الشرق الأوسط والعلاقات مع السعودية والإمارات وإسرائيل.
بعد أشهر، حصلت الشركة على استثمار بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يرأس مجلس إدارته ولي العهد محمد بن سلمان.
أثار القرار تساؤلات داخل الولايات المتحدة، خصوصا أن لجنة استثمار تابعة للصندوق أبدت تحفظات على جوانب من المشروع، قبل أن يمضي الاستثمار قدما وفق ما تناولته تقارير سابقة.
دعت منظمة “داون” (DAWN) في أبريل/نيسان 2022، وزارة العدل والكونغرس إلى التحقيق في الصفقة، ثم فتحت النائبة كارولين مالوني تحقيقا في يونيو/حزيران من العام نفسه بشأن احتمال استغلال كوشنر منصبه السابق للحصول على التمويل السعودي، وما إذا كانت مصالحه المالية قد أثرت في السياسة الأمريكية.
تابع السيناتور رون وايدن جوانب أخرى من القضية في عام 2024، شملت المدفوعات الأجنبية وقواعد الإفصاح واحتمال انطباق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب على بعض أنشطة الشركة.
وبحسب الأرقام التي أوردتها “فورين بوليسي”، كانت الأصول التي تديرها “أفينيتي” قد بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار في مارس/آذار 2024، وكان ما لا يقل عن 99% منها يأتي من مصادر أجنبية، ولا سيما السعودية والإمارات. ويجب التنبه إلى أن هذه النسبة تصف هيكل الأصول في ذلك التاريخ، ولا تمثل بالضرورة الوضع المالي الحالي للشركة.
هنا تظهر المفارقة الأساسية: الحكومتان اللتان حظيتا بعلاقات وثيقة مع كوشنر خلال عمله في إدارة ترامب الأولى أصبحتا أيضا من أبرز مصادر الأموال التي تعتمد عليها شركته الاستثمارية بعد مغادرته المنصب.
ولا يثبت هذا التسلسل الزمني وحده وجود صفقة غير مشروعة أو مقابل سياسي مباشر. لكنه يفرض أسئلة مشروعة عن معايير اختيار المستثمرين، وشروط التمويل، وطبيعة العلاقة بين النفوذ الذي راكمه كوشنر في المنصب العام والفرص الاستثمارية التي حصل عليها لاحقا.
ثانيا: ماذا تريد دول الخليج من الاستثمار في شركة كوشنر؟
لا يمكن اختزال استثمارات الصناديق السيادية الخليجية في شركات مرتبطة بشخصيات سياسية أمريكية في تفسير واحد. فهذه الصناديق تعمل أيضا وفق أهداف مالية تشمل تنويع الأصول، وتحقيق العوائد، والوصول إلى قطاعات وأسواق جديدة، وبناء علاقات مع المؤسسات المالية الدولية.
لكن الاستثمار في شركة يملكها شخص يحتفظ بعلاقات مباشرة مع دوائر صنع القرار الأمريكي يختلف سياسيا عن الاستثمار في شركة لا تربطها مثل هذه الصلات. فالقيمة المحتملة للعلاقة لا تقتصر على العائد المالي، بل قد تشمل الوصول إلى شبكات النفوذ، وفهم توجهات الإدارة، وتعزيز قنوات الاتصال مع شخصيات قريبة من الرئيس.
في حالة كوشنر، تتقاطع ثلاثة مستويات من المصالح.
المستوى الأول مالي، ويتمثل في إدارة الأموال وتوسيع أعمال “أفينيتي” وتحقيق العوائد للمستثمرين.
والمستوى الثاني سياسي، إذ يحتفظ كوشنر بعلاقة شخصية وثيقة بترامب، ويشارك في ملفات دبلوماسية ذات صلة مباشرة بدول تستثمر في شركته.
أما المستوى الثالث فهو استراتيجي، ويتعلق بالمكانة التي تحتلها السعودية والإمارات في حسابات واشنطن، سواء في ملفات الدفاع والطاقة والاستثمار أو في ترتيبات الشرق الأوسط.
من منظور الرياض وأبوظبي، قد تكون العلاقة الاستثمارية قناة إضافية لبناء روابط طويلة الأجل مع شخصية نافذة في واشنطن؛ لكن إثبات أن هذا هو الدافع الفعلي وراء استثمار محدد يتطلب وثائق أو تصريحات أو أدلة مباشرة، لا مجرد الاستدلال من حجم الأموال أو قرب المستثمر من السلطة.
ثالثا: من التمويل الخليجي إلى الصناعات العسكرية الصهيونية
تجاوزت القضية حدود العلاقة بين كوشنر والمستثمرين الخليجيين بعد الكشف عن استثمار “أفينيتي” في “فينيكس فاينانشال”.
وفق تحقيق CNN، أصبحت “أفينيتي” أكبر مساهم في المجموعة الصهيونية التي تمتلك حصصا في تسع شركات بالكيان على الأقل تعمل في مجال التوريدات العسكرية. وقد ظهر هذا الارتباط في الوقت الذي كان فيه كوشنر مشاركا في المفاوضات المرتبطة بالحرب في غزة.
وجود هذه الروابط يخلق تضاربا محتملا يستحق الفحص، لأن القرارات السياسية المتعلقة بغزة وإسرائيل والمساعدات العسكرية والعلاقات الإقليمية يمكن أن تؤثر في البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها الشركات المستثمر فيها.
وتزداد أهمية المسألة عندما تتصل هذه الاستثمارات بأطراف تتباين مواقفها السياسية المعلنة.
السعودية تنتقد الحرب في غزة وتعلن دعمها لحقوق الفلسطينيين، في حين يرتبط الاستثمار محل الجدل بمجموعة بالكيان لها مصالح في شركات توريد عسكري. السؤال الأكثر دقة هو:
ما الذي كان كوشنر يعرفه عن هذه الأصول؟ وما مدى تأثيره في قرارات الاستثمار؟ وهل اتخذت الإدارة الأمريكية قرارات تخص الصراع أو المساعدات أو ترتيبات ما بعد الحرب يمكن أن يكون لها أثر مالي مباشر ومتوقع على مصالحه؟.
رابعا: هل تتحول الأموال الخليجية إلى نفوذ داخل إدارة ترامب؟
بنية العلاقة تطرح آلية محتملة للتأثير لا تشترط وجود رشوة أو اتفاق مكتوب.
عندما تعتمد شركة استثمارية على أموال صناديق سيادية أجنبية، ويحتفظ مالكها في الوقت نفسه بإمكانية الوصول إلى الرئيس والمشاركة في المفاوضات الدبلوماسية، يصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت المصالح المالية تؤثر في ترتيب الأولويات، أو في اختيار الملفات التي يتولاها، أو في طريقة التعامل مع الأطراف المعنية.
وقد يعمل التأثير، إن وجد، عبر قنوات غير مباشرة: الحفاظ على علاقة وثيقة مع المستثمرين، وتجنب قرارات قد تضر بمصالحهم، أو إتاحة وصول سياسي لا يتوافر للمنافسين. لكن هذه تظل آليات محتملة يجب اختبارها بالأدلة، وليست نتائج مثبتة في حالة كوشنر.
وتنبع الخطورة المؤسسية من أن تضارب المصالح لا يتطلب دائما إثبات أن القرار اتخذ بالفعل لمصلحة الممول. ففي كثير من أنظمة النزاهة العامة، يكفي وجود مصلحة مالية مؤثرة في قرار رسمي لفرض الإفصاح أو التنحي أو المراجعة، وفق القواعد القانونية المعمول بها.
لذلك، فإن جوهر القضية لا يتعلق فقط بما إذا كانت أموال خليجية قد غيرت قرارا أمريكيا بعينه، بل أيضا بما إذا كانت الضوابط القائمة قادرة على كشف أي تأثير محتمل ومنعه قبل أن يتحول إلى مخالفة مثبتة.

