خريطة إثيوبيا تظهر مناطق تيغراي وأمهرة وعفر وأوروميا مع تصاعد القتال وتحالف جماعات مسلحة ضد حكومة آبي أحمد

 إثيوبيا تدخل مرحلة الحرب المفتوحة: تحالف المتمردين يفتح جبهات متعددة حول حكومة آبي أحمد

لم تعد التطورات التي تشهدها إثيوبيا مجرد جولة جديدة من الاشتباكات في إقليم تيغراي، بل بدأت تتحول إلى أزمة عسكرية متعددة الجبهات، بعد أن عادت القوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي إلى القتال ضد الحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع اتساع المواجهات إلى أمهرة وعفر، وظهور تحالف يضم سبع جماعات مسلحة وسياسية تعلن صراحة أن هدفها إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

انتقل المشهد في غضون أيام قليلة، من توتر عسكري محدود إلى سيطرة قوات تيغراي على مطارات رئيسية، واشتباكات على الحدود مع أمهرة وعفر، وضربات بطائرات مسيرة، وتعطيل للاتصالات، وتعليق الرحلات الجوية إلى مناطق جديدة، فيما بدأ المجتمع الدولي يتعامل مع التطورات باعتبارها احتمال عودة فعلية إلى حرب واسعة النطاق.

الأهم أن هذه الجولة تأتي بعد أربعة أعوام فقط من الحرب الإثيوبية الكبرى التي انتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022؛ أي أن الترتيب الذي أوقف الحرب السابقة يبدو الآن أمام أخطر اختبار منذ توقيعه.

ما الذي يحدث في إثيوبيا؟

لفهم الصورة، ينبغي أولا معرفة أن إثيوبيا ليست دولة متجانسة سياسيا أو إثنيا.

فالبلاد مقسمة إلى أقاليم تتمتع بدرجات واسعة من الحكم الذاتي ضمن نظام فيدرالي قائم إلى حد كبير على القوميات. ويشكل الأورومو والأمهرة والتيغراي والصوماليون وغيرهم مكونات رئيسية للمجتمع الإثيوبي، بينما تمثل أديس أبابا مركز السلطة الفيدرالية.

ومنذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، دخلت البلاد مرحلة إعادة تشكيل عميقة لتوازنات السلطة، اصطدمت فيها الحكومة المركزية بقوى إقليمية مسلحة وسياسية ترى أن مشروع آبي يؤدي إلى زيادة المركزية على حساب نفوذ الأقاليم.

الحرب الأكثر دموية اندلعت في تيغراي عام 2020، عندما دخلت الحكومة الفيدرالية في مواجهة مفتوحة مع جبهة تحرير شعب تيغراي، قبل أن تتوسع الحرب وتدخل فيها قوات من أمهرة وإريتريا.

انتهت الحرب باتفاق بريتوريا في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، الذي رعاه الاتحاد الأفريقي ونص على وقف دائم للأعمال العدائية وترتيبات لنزع السلاح وإعادة دمج القوات ومعالجة القضايا السياسية والإنسانية.

لكن الاتفاق لم يحسم جميع الملفات التي صنعت الحرب، ولا سيما قضية الأراضي المتنازع عليها، ووضع القوات التيغرية، والعودة الكاملة للنازحين، وترتيبات السلطة والعلاقة بين الإقليم والحكومة المركزية.

لهذا بقي السلام هشا، حتى عادت المواجهة إلى الواجهة خلال عام 2026.

 تيغراي تعود إلى الحرب

تيغراي إقليم يقع في أقصى شمال إثيوبيا، على الحدود مع إريتريا والسودان. وهو الإقليم الذي كانت جبهة تحرير شعب تيغراي تهيمن عليه سياسيا وعسكريا قبل الحرب السابقة.

وفي مايو/أيار 2026 أعادت الجبهة تأكيد سيطرتها السياسية على إدارة الإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية مخالفة لترتيبات اتفاق بريتوريا.

وخلال الأشهر التالية تصاعدت عمليات الحشد العسكري، واستخدم الجيش الإثيوبي الطائرات المسيرة ضد مواقع تابعة للقوات التيغرية، فيما بدأت قوات تيغراي إعادة الانتشار وتعزيز مواقعها في جنوب الإقليم.

وبحلول سبتمبر أصبحت المواجهات أكثر كثافة، قبل أن تنفجر في 23 سبتمبر في عملية واسعة النطاق.

ظهر أول تحول نوعي هنا: قوات تيغراي سيطرت على مطارات ميكيلي وأكسوم وشير، وهي ثلاثة مطارات ذات أهمية عسكرية ومدنية كبيرة في شمال البلاد، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية إلى الإقليم. وقد أكد الاتحاد الأفريقي نفسه السيطرة على المطارات الثلاثة، واعتبرها تطورا يتعارض مع الالتزامات التي نص عليها اتفاق بريتوريا.

السيطرة على المطارات لا تعني أن تيغراي سيطرت على المجال الجوي أو أنها أصبحت تملك تفوقا جويا؛ لكن السيطرة الأرضية على المطارات تحرم الحكومة من بعض البنية التحتية المهمة وتفرض عليها إعادة تنظيم النقل والإمداد العسكري والمدني.

 هل بدأت الحرب من تيغراي أم من الحكومة؟

هذه إحدى النقاط التي يجب التعامل معها بحذر؛ الحكومة الإثيوبية تقول إن جبهة تيغراي هي التي بدأت الهجوم، بينما تقول قيادة تيغراي إن القوات الفيدرالية شنت عملية عسكرية واسعة عليها، وإن قواتها دخلت في ما تصفه ب«حرب دفاعية».

وبالتالي لا توجد، حتى الآن، رواية مستقلة تحسم بصورة نهائية المسؤولية عن إطلاق الجولة الحالية.

لكن ما أصبح مؤكدا هو أن القتال لم يعد حادثا محدودا؛ فقد سجلت منظمة ACLED، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة، اتساعا سريعا للجبهات منذ 23 سبتمبر، شمل تيغراي وأمهرة وعفر وغرب تيغراي. كما رصدت ضربات جوية ومسيرات واشتباكات على عدة محاور.

 المعركة تنتقل إلى أمهرة

أمهرة هي الإقليم الواقع جنوب وغرب تيغراي، وهي من أكبر وأهم أقاليم إثيوبيا.

كانت قوات فانو الأمهرية حليفا للقوات الحكومية خلال حرب تيغراي السابقة، لكنها تحولت بعد ذلك إلى أحد أخطر خصوم حكومة آبي أحمد.

تخوض فانو منذ 2023 تمردا مسلحا ضد الحكومة الفيدرالية، ما يعني أن الجيش الإثيوبي كان يواجه أصلا جبهة نشطة في أمهرة قبل عودة الحرب في تيغراي، الجديد الآن هو أن الجبهة الأمهرية لم تعد منفصلة عن الحرب في تيغراي.

فقد سجلت ACLED اشتباكات في مناطق عدة من أمهرة، بينها غازغيبيلا في واغ همرا، وغيدان ولستا ورايا كوبو في شمال ويلو، بمشاركة القوات الفيدرالية وقوى محلية من جهة، وفانو وقوات تيغرية من جهة أخرى.

وفي 25 سبتمبر ظهرت تقارير عن وصول مقاتلين مرتبطين بتيغراي إلى سيكوتا في منطقة واغ همرا، لكن هذا التطور الأخير لم يكن قد خضع للتحقق المستقل الكامل حتى إعداد هذا التقرير.

وهذه الجبهة شديدة الأهمية لأن أمهرة تقع على الممرات التي تربط تيغراي بوسط إثيوبيا، كما أن استمرار القتال فيها يفرض على الجيش الفيدرالي توزيع قواته بين جبهتين متقاربتين جغرافيا.

 عفر: محاولة فتح ممر شرقي للحرب

تقع عفر إلى الشرق من تيغراي، وتمتد باتجاه الحدود الإريترية وجيب عصب، كما ترتبط بطرق النقل التي تصل شمال إثيوبيا بوسطها وبجيبوتي.

انتقال القتال إلى عفر لا يمثل مجرد توسع جغرافي؛ إنه يفتح احتمال تحول الحرب إلى صراع على الممرات اللوجستية.

وقد سجلت مصادر ACLED استمرار الاشتباكات على الحدود بين تيغراي وعفر، مع تسجيل قتال جديد حول منطقة يالو في 25 سبتمبر.

جدير بالذكر ومن المهم هنا تصحيح إحدى النقاط الواردة في النص الأصلي: لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة كافية تسمح بتأكيد الأرقام المتداولة حول دخول 15 إلى 25 ألف مقاتل من تيغراي إلى عفر.

الأهم من الرقم نفسه هو الاتجاه العملياتي: الحرب تتوسع من قلب تيغراي إلى الممرات المحيطة بها.

 جبهة جديدة غربا: نهر تيكيزي

التطور الذي يستحق اهتماما خاصا هو ظهور جبهة في غرب تيغراي قرب نهر تيكيزي.

هذه المنطقة شديدة الحساسية لأنها تقع بالقرب من الحدود السودانية، وتلامس مناطق كانت موضع نزاع خلال الحرب السابقة.

وفي 25 سبتمبر سجلت ACLED قتالا عنيفا بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي حول ماي غابا وتسيليمو، مع استمرار القتال بعد وصول تعزيزات.

وهذا يفتح مسارا جديدا للحرب باتجاه الغرب، بذلك لم تعد الجبهة التيغرية تتجه فقط نحو أمهرة وعفر، وإنما بدأت تظهر أيضا على الجانب الغربي باتجاه الحدود السودانية.

تزداد أهمية العلاقة بين الحرب الإثيوبية والحرب السودانية هنا..

 لاليبيلا تدخل دائرة الخطر

في 24 سبتمبر أوقفت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى لاليبيلا بعد اقتراب القتال من المنطق؛ ةولاليبيلا ليست مدينة عادية؛ فهي من أشهر المواقع التاريخية والدينية في إثيوبيا وتضم الكنائس الصخرية المدرجة على قائمة التراث العالمي.

تعليق الرحلات إليها يعني أن نطاق الاضطراب الأمني تجاوز مناطق القتال المباشر إلى مناطق كانت بعيدة نسبيا عن خطوط النار.

كما أن تعطيل المطارات والطرق يشير إلى أن الحرب بدأت تؤثر في البنية المدنية للحركة داخل شمال البلاد.

 الطائرات المسيرة تدخل بقوة

أحد أبرز سمات الجولة الحالية هو الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة؛ وتقول بيانات ACLED إن ضربات متعددة وقعت في تيغراي خلال الأيام الأخيرة، بينها 15 إلى 17 ضربة مسيرة في منطقة ألماتا يوم 22 سبتمبر، مع ورود تقارير عن إصابة مدارس ومستشفى ومواقع أخرى.

كما سجلت المنظمة ضربات أخرى في شمال غرب تيغراي يومي 23 و24 سبتمبر، ولا تزال حصيلة الضحايا المدنيين غير محسومة، لكن الأمم المتحدة أكدت أن المدنيين بدأوا بالفعل يدفعون ثمن التصعيد، وهذه نقطة مهمة عسكريا؛ فامتلاك الحكومة الفيدرالية قدرة جوية ومسيرات يمنحها ميزة لا تتوافر بالضرورة لجميع خصومها.

في المقابل، كلما اتسع مسرح العمليات، أصبح التفوق الجوي أقل قدرة على حل المشكلة السياسية والعسكرية، لأن السيطرة على الأرض والطرق والمدن تتطلب قوات برية.

 انقطاع الاتصالات يزيد ضبابية المعلومات

في 25 سبتمبر أفادت ACLED بأن خدمة Ethio Telecom انقطعت في معظم تيغراي، بينما بقيت شبكة Safaricom تعمل في بعض المناطق، هذا التطور له أثر مباشر على القدرة على التحقق من المعلومات، ففي الحروب الحديثة، لا يعني غياب الصور أو الأخبار أن القتال توقف، كما أن انتشار صور قديمة أو مقاطع غير مؤرخة يجعل التحقق من السيطرة على المدن أكثر صعوبة.

لذا يجب التعامل بحذر مع الادعاءات التي تتحدث عن سقوط مدن أو أسر أعداد ضخمة من الجنود… وتؤكد البيانات المتاحة وجود قتال واسع، لكنها لا تسمح حتى الآن بتثبيت جميع الأرقام التي تنشرها الأطراف المتحاربة.

 تحالف سباعي يغير طبيعة المعركة

في 21 سبتمبر أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد.

ويضم التحالف؛ جبهة تحرير شعب تيغراي TPLF، الحركة الوطنية الأمهرية فانو، 

جيش تحرير أورومو OLA، الجبهة الثورية الديمقراطية المتحدة لعفر، جبهة تحرير شعب بني شنقول، الحركة الديمقراطية لشعب قمز، جبهة تحرير أوغادين الوطنية ONLF.

وتكمن أهمية التحالف في أنه يجمع قوى منتشرة جغرافيا من أقصى الشمال إلى الغرب والجنوب، وبينها جماعات كانت حتى وقت قريب في حالة عداء مباشر.

فانو على سبيل المثال، قاتلت إلى جانب الحكومة ضد تيغراي خلال الحرب السابقة، بينما أصبح الطرفان الآن جزءا من تحالف واحد ضد حكومة آبي أحمد.

لكن ينبغي عدم المبالغة في معنى التحالف؛ حتى الآن هو تحالف سياسي  عسكري، وليس جيشا موحدا له قيادة عمليات مركزية ثبتت قدرتها على إدارة جميع الجبهات.

وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف المحتملة فيه.

 المشكلة التي قد تواجه التحالف: أعداء الأمس

القوى السبع تتفق على إسقاط حكومة آبي أحمد، لكنها لا تملك بالضرورة رؤية واحدة لما بعد سقوطها؛ هناك خلافات عميقة حول الأرض والسلطة والحدود والنظام الفيدرالي، وبعض هذه القوى كانت تقاتل بعضها بعضا.

لهذا يرى محللون في ACLED أن نجاح التحالف في إسقاط الحكومة ليس أمرا يمكن افتراضه، وأن الاختلافات السياسية والجغرافية قد تمنع العمل العسكري المنسق. كما تشير المنظمة إلى أن ما قد ينتج عن التحالف ليس بالضرورة انتصارا سريعا لأحد الطرفين، بل احتمال استمرار مستوى مرتفع من العنف في عدة مناطق.

وهذه ملاحظة جوهرية في قراءة المشهد؛ إضعاف حكومة آبي أحمد لا يعني تلقائيا قيام بديل مستقر، فإذا انهارت السلطة المركزية من دون اتفاق بين القوى المسلحة على شكل الدولة، فقد تبدأ مرحلة ثانية من الصراع بين الحلفاء أنفسهم.

 أوروميا: الورقة التي لم تتحول بعد إلى جبهة كبرى

من المهم هنا تصحيح الانطباع الذي قد يوحي بأن جميع أعضاء التحالف بدأوا في الوقت نفسه هجوما واسعا، حتى 25 سبتمبر، قالت ACLED إنها لم تر ارتفاعا متزامنا في مستوى العنف في أمهرة وأوروميا بالدرجة نفسها التي ظهرت في تيغراي والشمال.

هذا يعني أن وجود جيش تحرير أورومو في التحالف لا يعني أن قواته بدأت بالفعل عملية واسعة باتجاه أديس أبابا، لكن أهمية أوروميا تكمن في موقعها، فالإقليم يحيط بأجزاء واسعة من العاصمة، ويضم نسبة كبيرة من سكان إثيوبيا، وتوجد فيه طرق رئيسية تربط أديس أبابا بالمناطق الغربية والجنوبية.

إذا تحولت عضوية OLA في التحالف من التنسيق السياسي إلى عمليات متزامنة ضد الطرق والمنشآت الحكومية، فستتغير الحسابات العسكرية للحكومة جذريا، لكن هذا لا يزال سيناريو محتملا وليس تطورا مثبتا حتى 26 سبتمبر.

 بني شنقول وسد النهضة: أين تكمن المخاطرة الحقيقية؟

بني شنقول-قمز إقليم غربي في إثيوبيا، على الحدود مع السودان، وهو المكان الذي أقامت فيه إثيوبيا سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، والسد هو أكبر مشروع كهرومائي في إثيوبيا، وله أهمية استراتيجية في سياسة الطاقة الإثيوبية، بينما يمثل تشغيله وملف المياه المرتبط به قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى مصر والسودان.

لهذا فإن دخول جماعات مسلحة من بني شنقول ضمن التحالف الجديد يرفع مستوى الاهتمام الإقليمي، لكن يجب الفصل بين الخطر المحتمل والوقائع العسكرية الحالية.

لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة على أن قوات التحالف تخوض معركة للسيطرة على سد النهضة أو أنها تقترب منه عسكريا.

الخطر الاستراتيجي هو أن يؤدي اتساع الصراع في بني شنقول أو الحدود السودانية إلى خلق بيئة أمنية غير مستقرة حول واحدة من أهم منشآت المياه والطاقة في القارة.

وهذا سيناريو مختلف تماما عن مجرد خسارة الحكومة لبلدة أو طريق.

 السودان يدخل المعادلة من البوابة الغربية

لا يمكن فهم التطورات الإثيوبية بمعزل عن الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023؛ فإثيوبيا والسودان يشتركان في حدود طويلة، بينما تقع منطقة النيل الأزرق السودانية إلى جوار بني شنقول الإثيوبية، ومع تحول النيل الأزرق إلى إحدى ساحات الصراع السوداني، يصبح أي تدهور أمني في بني شنقول ذا انعكاسات مباشرة على السودان.

وهنا تظهر واحدة من أخطر النتائج المحتملة:

بدلا من وجود حرب إثيوبية وحرب سودانية منفصلتين، يمكن أن يبدأ تشكل حزام صراع متصل من تيغراي إلى بني شنقول والنيل الأزرق، وهذا من شأنه أن يجعل الحدود الإثيوبية-السودانية واحدة من أكثر مناطق القرن الأفريقي حساسية.

 إريتريا: المتهم الخارجي الأكثر حضورا

العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا عنصر أساسي في تفسير الأزمة، إريتريا ساعدت القوات الإثيوبية في حرب تيغراي السابقة، لكنها أصبحت لاحقا في حالة توتر مع حكومة آبي أحمد، خصوصا بسبب الخلافات حول الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر وميناء عصب.

وتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم الجماعات المعارضة لها، بما فيها التحالف الجديد، وتنفي أسمرا هذه الاتهامات.

لذلك يجب التعامل مع مسألة الدعم الإريتري باعتبارها اتهاما حكوميا لم تثبته بصورة مستقلة المصادر المفتوحة المتاحة حتى الآن، لكن مجرد وجود هذا الاتهام في قلب الخطاب الحكومي يعني أن الحرب الإثيوبية قد تصبح مرتبطة بصورة مباشرة بالتوتر بين أديس أبابا وأسمرا.

 الإمارات تدخل المشهد سياسيا

في 25 سبتمبر أصدرت الإمارات بيانا أدانت فيه هجمات جبهة تحرير شعب تيغراي وحلفائها، وأكدت تضامنها مع الحكومة الإثيوبية ودعمها لوحدة إثيوبيا وسيادتها، كما دعت إلى وقف الأعمال العدائية والعودة إلى الحوار والالتزام باتفاق بريتوريا.

وهذا الموقف مهم لأن الإمارات تمتلك علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة مع إثيوبيا، ولأنها لاعب رئيسي في شبكة العلاقات الإقليمية الممتدة من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر.

وبالتالي فإن الدعم السياسي للحكومة الإثيوبية من أبوظبي يضعها في موقع مختلف عن بعض القوى التي قد تنظر إلى ضعف حكومة آبي باعتباره فرصة لإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

 واشنطن ترفع مستوى التحذير

في 26 سبتمبر أصدرت الولايات المتحدة تحذيرا أمنيا جديدا لمواطنيها، دعت فيه الموجودين في ثلاث مناطق إثيوبية إلى المغادرة إذا كان ذلك آمنا أو الاحتماء في أماكنهم إلى حين تحسن الوضع الأمني.

ويأتي ذلك بعد أيام من سيطرة قوات تيغراي على المطارات وتوسع القتال، ورغم أن التحذير لا يعني وجود قرار أميركي بالتدخل، فإنه مؤشر على أن واشنطن تتعامل مع الوضع باعتباره أزمة أمنية آخذة في الاتساع، وليس مجرد اضطراب محلي محدود.

 الأمم المتحدة تحذر من عودة الحرب الشاملة

في 25 سبتمبر عبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن «قلق بالغ» إزاء اتساع القتال وتأثيره على المدنيين؛ قالت الأمم المتحدة إن ضربات جوية نفذتها القوات الإثيوبية في 22 سبتمبر، بعضها باستخدام مسيرات، أصابت خمس مدارس في تيغراي وأوقعت قتلى وجرحى وفق التقارير التي تلقتها، كما أدى قصف بقذائف الهاون في كوبو بأمهرة في 23 سبتمبر إلى سقوط ضحايا مدنيين وفق التقارير المتاحة.

ودعا تورك جميع الأطراف إلى خفض التصعيد وضمان حماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية.. هذا يعني أن الأزمة بدأت بالفعل تتحول من قضية أمنية إثيوبية إلى قضية دولية ذات بعد إنساني.

 ماذا يعني كل ذلك للجيش الإثيوبي؟

المشكلة الأساسية أمام الجيش الفيدرالي ليست فقط حجم القوات المعارضة، وإنما تعدد مسارح العمليات، الجيش يواجه في الشمال قوات تيغراي، وفي أمهرة فانو، وعلى حدود عفر قوات معادية، بينما تبقى أوروميا وبني شنقول وأجزاء أخرى من البلاد مصادر ضغط محتملة.

وهذا يخلق معضلة كلاسيكية في الحروب متعددة الجبهات: إذا ركز الجيش قوته في الشمال، يمكن أن تستغل قوى أخرى الفراغ في أمهرة أو أوروميا، وإذا وزع قواته على جميع المناطق، فإنه يخاطر بفقدان القدرة على تحقيق تفوق حاسم في أي جبهة.

لكن الطرف الحكومي يمتلك في المقابل ميزات مهمة، أبرزها مؤسسة دولة مركزية، والقوات الجوية، والقدرات الثقيلة، والسيطرة على العاصمة، فضلا عن موارد الدولة وقدرتها على طلب الدعم الخارجي.

لهذا فإن الحديث عن انهيار سريع للدولة الإثيوبية لا يزال مبكرا..

 العامل الحاسم: هل تتحول الجبهات إلى حرب منسقة؟

هذه هي المسألة التي ستحدد المرحلة المقبلة؛ حتى الآن لدينا تحالف سياسي وعسكري يضم سبع قوى، لكن الأدلة على وجود قيادة عمليات مشتركة قادرة على تنسيق هجمات متزامنة في أنحاء إثيوبيا ما زالت محدودة.

إذا تمكن التحالف من تحويل هذا التنسيق إلى واقع، فسيصبح التهديد للحكومة أكبر بكثير، أما إذا بقيت كل جماعة تقاتل في نطاقها الجغرافي، فستتمكن الحكومة من التعامل مع الجبهات بصورة منفصلة نسبيا.

وهنا تظهر أهمية أوروميا تحديدا، ففتح جبهة واسعة قرب أديس أبابا سيجبر الحكومة على إعادة توزيع جزء كبير من قواتها بعيدا عن الشمال، لكن حتى 26 سبتمبر لا توجد مؤشرات كافية تسمح بالقول إن هذا التحول قد حدث بالفعل.

 السيناريوهات الأربعة المقبلة

 السيناريو الأول: احتواء الحرب داخل الشمال

في هذا السيناريو تنجح الحكومة في منع توسع العمليات إلى جبهات جديدة، وتستعيد بعض المبادرة العسكرية، بينما يبقى القتال مركزا في تيغراي وأمهرة وعفر.

قد يستمر القتال لفترة طويلة من دون سقوط الحكومة أو قدرة تيغراي على تحقيق اختراق استراتيجي.

وهذا يعني عمليا عودة إثيوبيا إلى حرب استنزاف جديدة، وإن كانت أقل اتساعا من حرب 2020-2022 في مرحلتها الأولى.

المؤشرات التي تدعم هذا السيناريو: ثبات خطوط الجبهة، عدم توسع OLA عسكريا، استمرار تفوق القوات الحكومية في استخدام المسيرات والطيران، وعدم انتقال القتال إلى محيط العاصمة.

 السيناريو الثاني: تشكل حرب متعددة الجبهات فعليا

هذا هو السيناريو الذي ينبغي مراقبته خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ويتحقق إذا انتقل التحالف من الإعلان السياسي إلى عمليات متزامنة.

أي أن تستمر تيغراي في الضغط شمالا، وتوسع فانو عملياتها في أمهرة، وتفتح OLA جبهة نشطة في أوروميا، بالتزامن مع استمرار الضغط في عفر وبني شنقول.

عندها تصبح مشكلة الحكومة ليست خسارة منطقة محددة، بل استنزاف قدرة الدولة على المناورة بالقوات.

 السيناريو الثالث: تسوية جزئية وتفكيك التحالف

قد تحاول الحكومة عزل أطراف التحالف عن بعضها، وهذا ممكن لأن مصالح القوى السبع ليست متطابقة، قد تتفاوض أديس أبابا مع طرف، وتقدم تنازلات لطرف آخر، وتستخدم القوة ضد طرف ثالث.

إذا نجحت هذه السياسة، فقد يتراجع التحالف قبل أن يتحول إلى قيادة عسكرية متماسكة، لكن نجاح هذا المسار يتطلب تنازلات سياسية حقيقية، وليس مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.

 السيناريو الرابع: تدويل الأزمة

إذا استمرت الحرب واتسعت جغرافيا، ستزداد فرص دخول القوى الخارجية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد يشمل ذلك: الدعم العسكري واللوجستي، المسيرات، المعلومات الاستخبارية، التمويل، الضغط الدبلوماسي، العقوبات، والوساطة الدولية.

هنا قد تتحول إثيوبيا إلى ساحة تنافس إقليمي تشبه، في بعض جوانبها، نماذج الصراع الممتد في السودان والقرن الأفريقي.

 المؤشر الأخطر: سد النهضة والنيل الأزرق

هناك ثلاثة خطوط ينبغي مراقبتها أكثر من غيرها:

الأول: بني شنقول وسد النهضة.

الثاني: الحدود الإثيوبية-السودانية والنيل الأزرق.

الثالث: الحدود الإثيوبية-الإريترية وممرات البحر الأحمر.

إذا بقي القتال بعيدا عن هذه المناطق، فسيظل الصراع في الأساس حربا على السلطة داخل إثيوبيا، أما إذا انتقلت العمليات إليها، فسيتغير مستوى الأزمة، فأي اضطراب كبير في محيط سد النهضة سيجذب اهتمام مصر والسودان بصورة فورية، وأي توسع نحو الحدود السودانية سيجعل الحرب الإثيوبية أكثر ارتباطا بالحرب السودانية، بينما يمكن لأي تصعيد مع إريتريا أن يفتح مسارا جديدا في البحر الأحمر.

هنا نخلص الى ان

إثيوبيا لا تقف، حتى 26 سبتمبر، أمام سيناريو محسوم لسقوط الحكومة، لكنها دخلت بالفعل مرحلة مختلفة جذريا عن الوضع الذي ساد خلال العامين الماضيين.

الجديد ليس مجرد عودة القتال بين تيغراي وأديس أبابا، الجديد هو التقاء عدة أزمات في لحظة واحدة:

*حرب تيغراي تعود.

*القتال يمتد إلى أمهرة وعفر.

*جبهة جديدة تظهر في غرب تيغراي قرب نهر تيكيزي.

*رحلات جوية تتوقف إلى مناطق جديدة.

*الاتصالات تنقطع في أجزاء واسعة من تيغراي.

*المسيرات تضرب مواقع متعددة.

*تحالف من سبع قوى يعلن هدف إسقاط حكومة آبي أحمد.

*الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يرفعون مستوى التحذير.

في المقابل، لا تزال هناك عوامل قوة كبيرة في يد الحكومة الإثيوبية، ولا يزال التحالف المعارض يعاني من مشكلة جوهرية: اختلاف القوى المكونة له، وتباعد جغرافياتها، وتعارض بعض مصالحها التاريخية، لهذا فإن المعركة المقبلة لن تحسمها السيطرة على مدينة واحدة.

المعيار الأهم سيكون: هل يستطيع خصوم آبي أحمد تحويل تعدد الجبهات إلى حرب منسقة، أم تستطيع الحكومة تفكيك هذا التزامن والتعامل مع كل جبهة بصورة منفصلة؟

أما إقليميا، فإن الخطر الأكبر يبدأ عندما تتجاوز الحرب حدود الصراع على السلطة وتقترب من بني شنقول وسد النهضة والنيل الأزرق والحدود الإريترية.

عندها لن تكون القضية مجرد عودة حرب تيغراي، بل قد نكون أمام أزمة جديدة في القرن الأفريقي تتقاطع فيها إثيوبيا والسودان وإريتريا ومصر والبحر الأحمر.

لهذا فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس لمعرفة من يسيطر على مدينة أو إقليم، وإنما لمعرفة ما إذا كانت إثيوبيا ستدخل حربا أهلية متعددة الجبهات، أم أن الضغوط العسكرية والدبلوماسية ستدفع الأطراف إلى العودة إلى طاولة التفاوض قبل أن يصبح احتواء الحرب أكثر صعوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top