لم يدخل تميم البرغوثي إلى الشعر الفلسطيني من الباب الذي دخل منه شعراؤه الكبار؛ لم يكن امتدادا مباشرا لمحمود درويش، ولا نسخة جديدة من سميح القاسم، ولا استعادة لتوفيق زياد.
هو، في الوقت نفسه، ليس شاعرا فلسطينيا بالمعنى الجغرافي البسيط؛ فقد ولد في القاهرة، لأب فلسطيني هو الشاعر مريد البرغوثي وأم مصرية هي الروائية رضوى عاشور، ونشأ منذ طفولته في تقاطع فلسطين ومصر والمنفى والسياسة والأدب.
لكن هذه المنطقة المركبة تحديدا هي التي صنعت خصوصيته، فتميم لا يكتب فلسطين باعتبارها مكانا بعيدا يستعاد بالحنين، ولا باعتبارها شعارا سياسيا جاهزا.
إنه يحاول أن يجعلها حدثا لغويا حيا؛ مدينة تتكلم، وتاريخا يعود، وذاكرة تصطدم بالحاضر، وجمهورا يدخل القصيدة لا بوصفه مستمعا إليها، وإنما بوصفه شريكا في إنتاج معناها، ومن هنا تبدأ فرادته.
1. شاعر المقاومة بعد زمن الشعارات
كانت قصيدة المقاومة الفلسطينية في مراحلها الأولى تؤدي وظيفة تاريخية واضحة؛ تسمية العدو، تثبيت الهوية، تمجيد الأرض، واستعادة الجماعة لثقتها بنفسها.
أما تميم البرغوثي فقد ظهر في زمن مختلف، زمن تراجعت فيه قدرة الخطاب السياسي التقليدي على إقناع الجمهور، واتسعت فيه المسافة بين اللغة الرسمية والتجربة اليومية للناس.
لذلك لم يحاول أن يعيد إنتاج قصيدة المقاومة القديمة، لقد أعاد اختراع طريقة وصولها إلى المتلقي، وهذا فارق مهم.
فالمقاومة عنده ليست خطابا فوقيا يقول للجمهور ماذا ينبغي أن يشعر، وإنما تجربة لغوية تجعله يرى ويسمع ويتذكر ويستنتج.
لهذا يمكن أن تكون قصيدته سياسية من دون أن تتحول إلى بيان سياسي، وهذه واحدة من نقاط قوتها الأساسية.
2. “في القدس” من وصف المدينة إلى صناعة المدينة
أشهر مثال على ذلك قصيدة “في القدس”.
فالقدس في القصيدة ليست مجرد موضوع، إنها بنية كاملة.
الشاعر يدخل المدينة، يمشي في شوارعها، يراقب تفاصيلها، يلتقي بشخصياتها، ويستدعي طبقاتها التاريخية، ثم يجعل القارئ يسير معه في هذه الرحلة.
لهذا لاحظت دراسات أكاديمية أن القصيدة تقوم على بناء مشهدي كثيف، وأن الصورة الشعرية فيها تؤدي دورا أساسيا في تمرير معنى الصمود والتحدي؛ لكن المشهدية هنا ليست مجرد تقنية جمالية، إنها وسيلة سياسية.
الاحتلال يحاول السيطرة على المكان وإعادة تعريفه، والشاعر يفعل العكس؛ يعيد امتلاك المكان باللغة، القدس التي يمكن أن تغلق أبوابها أمام الفلسطيني تفتح أبوابها داخل القصيدة.
هنا تصبح القصيدة شكلا من أشكال استعادة السيادة الرمزية.
3. المكان عند تميم ليس خلفية
في الشعر التقليدي يمكن أن يكون المكان إطارا تقع فيه الأحداث، أما عند البرغوثي فالمكان نفسه يتحول إلى شخصية.
القدس تتحرك.. الشوارع تتذكر .. الحجارة تحمل تاريخا.
الأبواب لا تكون مجرد أبواب، وإنما حدودا بين حاضر ومستقبل، وبين ذاكرة يريد الاحتلال قطعها وذاكرة يصر الشاعر على إبقائها حية.
لهذا فإن المكان في شعره ليس جغرافيا صامتة، إنه ذاكرة تقاوم.
هذا ما يجعل قصيدة “في القدس” تتجاوز الوصف السياحي أو العاطفي للمدينة؛ فهي تبني صورة مركبة للقدس القديمة والحديثة، ولما أصابها من الاحتلال والتغيير. وقد خلصت دراسة نقدية متخصصة إلى أن البرغوثي بنى صورا متعددة للقدس وربط بينها ضمن لوحة كلية واحدة.
4. القصيدة تصبح حكاية
من أكثر ما يميز تجربة البرغوثي أن القارئ يجد نفسه أمام شاعر يحكي، وهذا أمر بالغ الأهمية.
فالشعر العربي الحديث ظل طويلا في مواجهة الثنائية بين الشعر والسرد، وكأن القصيدة كلما اقتربت من الحكاية فقدت شعريتها.
تميم يقلب المعادلة، فهو يستخدم الحدث والشخصية والمكان والزمن والحوار والاسترجاع، ثم يعيد تركيبها داخل الإيقاع الشعري.
وقد تناولت دراسة أكاديمية البنية السردية في شعره، ولاحظت حضور الشخصيات والأحداث والزمن والمكان والحوار، خصوصا في “في القدس” و”مقام عراق”.
هنا تكمن إحدى أهم فرادته؛ هو لا يضع الحكاية داخل القصيدة، بل يجعل الحكاية نفسها أداة لإنتاج الشعر، لذا تستطيع القصيدة أن تستوعب عددا كبيرا من التفاصيل من دون أن تفقد وحدتها.
5. التاريخ ليس ماضيا عند البرغوثي
هناك ملمح آخر أكثر عمقا، تميم لا يستدعي التاريخ ليزين القصيدة، إنه يستخدمه لكي يفسر الحاضر.
في “مقام عراق” مثلا تتحول الذاكرة التاريخية إلى وسيلة لفهم العراق والحرب والمنطقة، وقد وصفت جامعة جورجتاون العمل بأنه تجربة واسعة تمزج الأغنية والسرد والنثر وأشكالا أسلوبية متعددة، بينما تناولت دراسات أخرى توظيفه للتراث والرموز التاريخية.
هذا يجعل التراث عنده ليس متحفا؛ إنه أداة قراءة سياسية.
الشخصيات والأحداث القديمة تدخل القصيدة لكي تقول شيئا عن اللحظة الراهنة؛ هنا تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة.
فالاحتلال لا يريد السيطرة على الأرض وحدها؛ السيطرة على الرواية التاريخية جزء من الصراع، والشاعر يرد بإعادة تشغيل التاريخ داخل الحاضر.
6. الفصحى والعامية: لا يوجد جدار بين اللغتين
ربما تكون هذه النقطة من أكثر ما يميز مشروع تميم البرغوثي، فهو لا يتعامل مع الفصحى واللهجة باعتبارهما مستويين متعارضين.
كتب باللهجة الفلسطينية في “ميجانا”، وباللهجة المصرية في “المنظر” وأعمال أخرى، وكتب بالفصحى في “مقام عراق” و”في القدس”، تؤكد المصادر التعريفية به تعدد المستويات اللغوية في تجربته، وهذا ليس مجرد تنويع لغوي، إنه تصور مختلف للجمهور.
فاللغة عند تميم لا تختار لإثبات فصاحة الشاعر، وإنما لتحديد المسافة بين الشاعر والجمهور والتجربة، حين يحتاج إلى الفصحى يستدعي طاقتها التاريخية والإيقاعية.
وحين يحتاج إلى اللهجة يقترب من الذاكرة اليومية ومن الكلام الذي يمكن أن يخرج من فم الإنسان العادي.
هنا يستعيد الشعر واحدة من وظائفه القديمة؛ أن يكون كلاما يمكن أن يحفظه الناس ويتداولونه.
7. القصيدة التي خرجت من الكتاب
هذه النقطة مهمة لفهم ظاهرة “تميم البرغوثي” فقصيدته “في القدس” لم تبق داخل الديوان، وفق جامعة جورجتاون، تحولت بعد انتشارها عام 2007 إلى ما يشبه القصيدة الشعبية في الشارع الفلسطيني والعربي؛ وحفظت مقاطع منها وتداولها الناس، وأقيمت حولها عروض في مدن عربية وأوروبية متعددة.
يجب أن نتوقف هنا لأننا لا نتحدث فقط عن نجاح قصيدة، نحن أمام استعادة لوظيفة اجتماعية للشعر، الشعر الذي يقرأ في قاعة ثقافية يظل شعرا.
لكن الشعر الذي يحفظه الناس، ويتناقلونه، ويستعيدونه في لحظة سياسية، ويتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية، يدخل منطقة أخرى.
لقد أصبحت القصيدة وسيلة للتواصل بين أفراد لا يجمعهم كتاب واحد، وهذه هي اللحظة التي تتجاوز فيها قصيدة المقاومة حدود الأدب.
8. الإيقاع بوصفه ذاكرة جماعية
لا يمكن تفسير هذا الانتشار بالموضوع وحده، فالقضية الفلسطينية ليست جديدة، والقدس ليست اكتشافا شعريا، الجديد هو الطريقة التي بني بها الإيقاع.
تميم يعرف أن القصيدة الموجهة إلى الجمهور تحتاج إلى أن تسمع لا أن تقرأ فقط، وهذا يفسر أهمية الأداء الصوتي في تجربته.
قصائده مصممة في كثير من الأحيان بحيث تحملها الذاكرة السمعية: التكرار، التدرج، المفارقة، الانتقال، والتصعيد، إنها قصيدة لها أذن.
وهذا مهم جدا في زمن تراجع فيه حضور الشعر المقروء في الحياة العامة، تميم أعاد للقصيدة شيئا من طبيعتها الشفوية.
9. السخرية بدل الخطابة
لكن تميم لا يعتمد دائما على النبرة البطولية، هنا يظهر عنصر آخر من فرادته: السخرية.
السخرية عنده ليست زينة لغوية، إنها وسيلة لتفكيك الخطاب السياسي، فبدل أن يقول للشاعر أو للسلطة أو للمحتل: “أنتم مخطئون”، يمكن أن يبني مفارقة تجعل القارئ يكتشف التناقض بنفسه.
وهذا النوع من الكتابة أكثر تعقيدا من الخطابة المباشرة، فالخطابة تقدم النتيجة، أما السخرية فتجعل المتلقي يصل إليها بنفسه.
لهذا أشارت دراسات حديثة إلى حضور الرمزية والسخرية والجدل والتاريخ في تجربته بوصفها أدوات لإنتاج خطاب الالتزام والمقاومة.
10. تميم البرغوثي ومحمود درويش: لا ينبغي أن تكون المقارنة منافسة
المقارنة بينهما مغرية، لكنها إذا تحولت إلى سؤال: “من الأفضل؟” أصبحت فقيرة نقديا.
درويش أعاد تشكيل الشعر الفلسطيني والعربي الحديث عبر تحويل الوطن إلى سؤال وجودي ولغوي وتاريخي، أما تميم فجاء من جيل مختلف، وفي زمن مختلف، وواجه مشكلة مختلفة: كيف يمكن للشعر أن يستعيد جمهوره؟
درويش جعل القصيدة فضاء للتأمل؛ تميم يجعلها في كثير من نصوصه فضاء للحركة.
درويش يذهب بالقارئ إلى أعماق المعنى؛ تميم كثيرا ما يبدأ من المشهد والحكاية ثم يدفع القارئ إلى المعنى.
إذا؛ ليس أحدهما نسخة من الآخر.
والأهم أن تميم لم يحتج إلى قتل الأب الشعري كي يثبت نفسه؛ فقد كان عليه أن يعيش أيضا في ظل أبيه، مريد البرغوثي، الشاعر الفلسطيني الكبير، وفي ظل أمه رضوى عاشور، إحدى أبرز الأسماء الأدبية العربية الحديثة، مع ذلك بنى لنفسه صوتا يمكن تمييزه.
11. أين تكمن فرادته الحقيقية؟
يمكن اختزال مشروع تميم البرغوثي في أربع حركات متداخلة:
يشخصن التاريخ، ويؤرخن المكان، ويسرد الشعر، ويشعر السياسة.
التاريخ عنده يتحول إلى شخصيات وصور، والمكان يصبح ذاكرة، والقصيدة تتحول إلى حكاية، والسياسة تدخل الشعر من دون أن تبتلع شعريته.
هذه المعادلة هي التي تفسر قدرته على الوصول إلى جمهور واسع من دون التخلي تماما عن الأدوات الفنية.
12. لكن هل كل ما يفعله البرغوثي ناجح فنيا؟
هنا ينبغي أن تتوقف الدراسة النقدية عن المديح، فارتباط الشاعر بالقضية يمنح النص قوة أخلاقية وتاريخية، لكنه لا يضمن بالضرورة قوته الفنية.
أحيانا يمكن أن يصبح الحضور السياسي الطاغي عبئا على القصيدة، خصوصا عندما يقترب النص من الخطاب المباشر أو حين تصبح الفكرة أوضح من أن تحتاج إلى الشعر.
هذا هو الاختبار الحقيقي لتجربة تميم: هل يستطيع النص أن يبقى شعرا بعد أن ننزع منه القضية التي يتحدث عنها؟ في بعض نصوصه تكون الإجابة قوية؛ لأن البناء والإيقاع والصورة والسرد تستمر في إنتاج المعنى، وفي نصوص أخرى قد يقترب الشعر من الخطابة السياسية.
هذه ليست ملاحظة تنتقص من التزامه؛ بل هي بالضبط ما يجعل القراءة النقدية ممكنة، فالشاعر المقاوم لا ينبغي أن يعفى من النقد لأن قضيته عادلة على العكس، كلما كانت القضية كبيرة، ازدادت الحاجة إلى أن يكون الفن قادرا على حملها.
شاعر استعاد المسافة بين القصيدة والناس
فرادة تميم البرغوثي لا تكمن في أنه شاعر فلسطيني يكتب عن فلسطين، فهذا وحده لا يصنع شاعرا كبيرا.
فرادته أنه أخذ عناصر تبدو متباعدة: الفصحى والعامية، الشعر والسرد، التاريخ والحاضر، النخبة والجمهور، السياسة والسخرية، الذاكرة والمشهد، ثم وضعها داخل قصيدة واحدة.
من هنا جاء اختلافه، إنه لا يكتب المقاومة باعتبارها موضوعا خارجيا عن الشعر.
بل يحاول أن يجعل طريقة كتابة القصيدة نفسها فعل مقاومة.
-مقاومة النسيان.
-مقاومة اللغة الرسمية.
-مقاومة اختزال فلسطين في خبر سياسي.
-مقاومة تحويل القدس إلى اسم مجرد من أهلها وذاكرتها وشوارعها وتاريخها.
ربما كانت “في القدس” أكثر من قصيدة عن القدس، إنها محاولة لاستعادة المدينة من الصورة التي يصنعها عنها الآخرون، ووضعها مرة أخرى داخل الذاكرة العربية بصوت شخص يمشي في شوارعها، يرى تناقضاتها، يستدعي تاريخها، ثم يخرج منها حاملا المدينة في اللغة، هنا تكمن المسألة الأعمق في شعر تميم البرغوثي.
لم يعد السؤال كيف نكتب قصيدة مقاومة، بل كيف نجعل القصيدة نفسها مكانا يستطيع الناس أن يقاوموا داخله.
اقرا كذلك

