من تحذير الملك حسين قبل حرب أكتوبر 1973 إلى إنذارات مصر والإمارات قبل 7 أكتوبر 2023.. تاريخ من التعاون الأمني يكشف الفجوة بين الأنظمة العربية وشعوبها
كلما واجهت دولة الاحتلال، على امتداد تاريخها، خطرا استراتيجيا من محيطها، ظهرت التحذيرات في كثير من الأحيان من داخل البيئة العربية نفسها؛ من قادة دول عربية تربطهم بها علاقات سرية أو رسمية، ومن أجهزة استخبارات عربية، بل ومن قنوات اتصال مرتبطة بأطراف كانت تظهر في العلن خصومتها للكيان.
هذه المفارقة عادت إلى الواجهة بقوة مع معركة طوفان الأقصى، بعدما تكشفت معلومات جديدة بشأن الأيام والأسابيع التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فمن القاهرة وأبوظبي، مرورا بعمان، وصلت إلى الكيان تحذيرات متقاطعة بشأن معلومات استخبارية تفيد بأن غزة تستعد لعمل عسكري واسع.
لكن المفارقة الأعمق لا تكمن فقط في وصول هذه التحذيرات إلى الكيان، وإنما في ما تكشفه هذه القنوات من فجوة بين الدولة العربية الرسمية التي تتعامل مع الكيان بمنطق الأمن والمصالح والتحالفات، وبين قطاعات واسعة من المجتمعات العربية التي ظلت، وفق استطلاعات الرأي، أكثر رفضا للتطبيع وأكثر ارتباطا بالقضية الفلسطينية.
واللافت في هذه الوقائع أن بعض التحذيرات لم يتحول إلى تقدير استراتيجي صحيح، وبعضها الآخر لم يغير مسار القرار السياسي أو الأمني لدى قيادة الكيان. وهنا تتحول قصة التحذيرات من مجرد حكاية عن إخفاق استخباري للكيان إلى نافذة أوسع على طبيعة النظام الإقليمي العربي نفسه.
فالمشكلة، في بعض الحالات، لم تكن غياب المعلومات، بل الطريقة التي جرى بها تفسيرها، وتقدير مصدرها، ووزنها داخل منظومة صنع القرار.
في هذا التقرير نستعرض أبرز التحذيرات العربية الموثقة، أو التي تناولتها مصادر متعددة، والتي وصلت إلى الكيان قبل حروب وأحداث ألحقت به خسائر استراتيجية، ونقارن بين ما جرى عام 1973 وما سبق معركة طوفان الأقصى عام 2023.
1973: الملك حسين يحذر الكيان من مصر وسوريا
ربما تكون حرب أكتوبر 1973 أقدم وأوضح سابقة يمكن مقارنتها بما جرى قبل طوفان الاقصى في 7 أكتوبر 2023.
قبل الحرب بنحو أحد عشر يوما في 25 سبتمبر/أيلول 1973، وصل العاهل الأردني الملك حسين سرا إلى الكيان، والتقى رئيسة الوزراء غولدا مائير في اجتماع شديد الحساسية.
وبحسب مصادر تاريخية صهيونية وأمريكية، حمل حسين تحذيرا بشأن احتمال قيام مصر وسوريا بشن هجوم على الكيان. وتشير المصادر إلى أن التحذير لم يكن مجرد انطباع سياسي، وإنما استند إلى معلومات حصل عليها الجانب الأردني من مصادر ذات صلة بالتحضيرات السورية والمصرية.
ولا تزال بعض تفاصيل ما قاله حسين في ذلك الاجتماع موضع نقاش تاريخي، إلا أن وقوع اللقاء نفسه، وارتباطه بتحذير من احتمال اندلاع الحرب، أصبحا جزءا ثابتا من أدبيات دراسة الإخفاق الاستخباري داخل الكيان عام 1973.
وفي السادس من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت القوات المصرية والسورية الهجوم.
وهنا تظهر المفارقة الأولى، وهي التي ستتكرر بصورة أكثر وضوحا بعد نصف قرن خلال معركة طوفان الاقصى، كانت هناك معلومة، لكن المشكلة كانت في تقدير صدقيتها، وفي حجم الخطر الذي تمثله.
فقد كان لدى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الكيان، إيلي زعيرا، ما عرف لاحقا بـ«المفهوم»؛ وهو تصور استخباري افترض أن مصر لن تخوض حربا شاملة قبل امتلاكها قدرات عسكرية معينة، وأن سوريا لن تبدأ حربا كبرى من دون مصر.
وبذلك لم تكن المشكلة في عدم وصول الإشارات فحسب، وإنما في أن النموذج الذهني الذي فسرت من خلاله تلك الإشارات كان أقوى من الإشارة نفسها.
وهذا التفصيل مهم للغاية عند قراءة إخفاق 7 أكتوبر.
نصف قرن بين إنذار حسين وإنذار عباس كامل
بعد خمسين عاما تقريبا، تكرر المشهد بصورة مختلفة، لم تعد الجهة التي يخشى منها هجوما عسكريا وتحالفا بين دولتين عربيتين، كما كان الحال عام 1973، وإنما تنظيما فلسطينيا مسلحا في قطاع غزة.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، بدأت تظهر، ولا تزال تظهر، روايات متعددة بشأن تحذيرات مصرية وصلت إلى الكيان قبل هجوم 7 أكتوبر.
ووفق تقرير نشر في سبتمبر 2026، نقلا عن مسؤولين صهاينة ومصريين وعرب وأمريكيين وأوروبيين، فإن رئيس المخابرات العامة المصرية آنذاك، عباس كامل، وصل إلى مطار بن غوريون في 26 سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل الهجوم بـ11 يوما، في زيارة ارتبطت بتحذير من تحرك كبير محتمل لحماس. كما أشارت الرواية إلى أن طائرة مرتبطة بالمخابرات المصرية بقيت في المطار نحو 67 دقيقة قبل عودتها إلى القاهرة.
مع ذلك، فإن فكرة التحذير المصري لم تظهر للمرة الأولى بعد سنوات؛ فقد تداولت وسائل إعلام أمريكية وعبرية في أعقاب هجوم 7 أكتوبر، روايات عن أن القاهرة حذرت الكيان من احتمال وقوع شيء كبير في غزة.
وبغض النظر عن الخلاف حول التفاصيل الدقيقة للزيارة وما قيل فيها، فإن السؤال الأهم يبقى قائما:
هل وصلت إلى أجهزة الكيان إشارات عربية بشأن احتمال وقوع تصعيد كبير في غزة، وهل جرى التعامل معها بالجدية التي تستحقها؟.
الإمارات: التحذير الذي حملته أبوظبي إلى نتنياهو
لكن التحذير الأكثر إثارة سياسيا هو المنسوب إلى الإمارات؛ فبحسب تقارير صهيونية حديثة، تلقت أبوظبي عبر قنوات فلسطينية معلومات عن تحرك كبير كانت حماس تعد له، وتبدأ القصة، وفق هذه الرواية، من يحيى السنوار نفسه.
فقد نقل سفيان أبو زايدة، وهو مسؤول فلسطيني سابق كانت تربطه قناة اتصال بالسنوار، رسائل تتحدث عن “زلزال” قادم إذا لم تتقدم التفاهمات المتعلقة بالأسرى والمعتقلين.
انتقلت المعلومات، وفق الرواية نفسها، إلى محمد دحلان، ثم إلى دائرة محمد بن زايد.
وبحسب التقارير، وصلت المعلومات إلى الشاباك في سبتمبر/أيلول 2023، وأشارت إلى احتمال تنفيذ حماس عملا عسكريا كبيرا.
ثم جاءت الخطوة الأكثر حساسية: اتصال من محمد بن زايد ببنيامين نتنياهو للتأكد من وصول التحذير.
وهنا تدخل الرواية منطقة الخلاف السياسي والإعلامي.
فقد أكد مصدر إماراتي، بحسب ما نقلته صحيفة تايمز أوف إسرائيل، وجود اتصال بين الرجلين، وبحسب تقرير آخر، فإن التحذير الإماراتي كان مرتبطا بمعلومات عن تحرك كبير تعد له حماس، وأن محمد بن زايد نقل هذه المعلومات شخصيًا إلى نتنياهو.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة؛ المعلومة، وفق هذه الروايات، لم تأت من دولة معادية للاحتلال، بل من دولة ترتبط بالكيان بعلاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية منذ اتفاقات أبراهام.
أي أن أبوظبي، التي كانت تتحرك باتجاه تعميق علاقاتها مع الكيان الغاصب، كانت، في الوقت نفسه، تنقل إليه تحذيرات بشأن خطر قادم من غزة.
وإذا صحت الرواية بتفاصيلها الأساسية، فإن المفارقة لا تتعلق فقط بالتحذير نفسه، وإنما بالطريقة التي تعاملت بها منظومة صنع القرار في الكيان مع المعلومات التي وصلت إليها عبر دولة تربطها بها علاقات أمنية مباشرة.
الأردن: تحذير قديم يتكرر في صورة جديدة
كان الملك حسين، عام 1973، ينقل إلى الكيان مخاوفه من هجوم مصري-سوري محتمل.
أما في عام 2023، فلم يعد الأردن في موقع الوسيط السري بين الكيان ودول عربية تستعد للحرب، لكنه بقي في موقع الدولة الأكثر حساسية تجاه أي انفجار واسع في الصراع الفلسطينيمع الاحتلال.
وقد حذرت القيادة الأردنية مرارا من أن استمرار التوتر في القدس والضفة الغربية يمكن أن يقود إلى انفجار أوسع، وأن استمرار الاحتلال والاستيطان والعنف يحمل مخاطر لا تقتصر على الفلسطينيين، بل تمتد إلى استقرار الأردن والمنطقة.
وبعد 7 أكتوبر، أصبح هذا التخوف أكثر وضوحا، خصوصا مع تصاعد المخاوف الأردنية من أي محاولة لتهجير فلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية باتجاه الأردن.
لكن الفرق بين تحذير الملك حسين عام 1973 والتحذيرات الأردنية في السنوات الأخيرة مهم للغاية.
حسين كان يحذر من حرب محددة بين دول عربية والكيان؛ أما عبدالله الثاني فكان يحذر أساسًا من تداعيات انفجار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على الأردن والمنطقة.
حكومات تتعاون.. وشعوب ترفض
لكن هناك طبقة أخرى من القصة تبدو أكثر حساسية من مجرد تبادل المعلومات الأمنية.
كيف يمكن تفسير أن دولا عربية أقامت علاقات رسمية مع الكيان، أو تعاونت معه أمنيا، أو حافظت على قنوات اتصال مباشرة معه، بينما ظل قطاع واسع من شعوبها يرفض التطبيع؟..
الأرقام هنا مهمة…
ففي استطلاعات Arab Barometer التي أجريت خلال 2021-2022، كان تأييد التطبيع منخفضا جدا في عدد كبير من المجتمعات العربية. وفي مصر والأردن، وهما دولتان ترتبطان بمعاهدتي سلام مع الكيان منذ عقود، لم تتجاوز نسبة المؤيدين للتطبيع 5% في كل منهما ضمن ذلك المسح.
وفي مؤشر الرأي العربي لعام 2022، قال 84% من المشاركين إنهم يعارضون اعتراف بلدانهم بالكيان، مقابل 8% أيدوا الاعتراف. وفي الأردن بلغت نسبة رفض الاعتراف 94%.
ثم جاءت حرب غزة لتدفع المسافة بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي إلى مستوى جديد.
فوفق تحليل Arab Barometer المنشور في 2025، لم تتجاوز نسبة المؤيدين للتطبيع 13% في أي من البلدان السبعة التي شملها المسح الجديد بعد 7 أكتوبر. وفي المغرب، على سبيل المثال، تراجعت النسبة من 31% عام 2022 إلى 13% في المسح اللاحق.
وهنا يظهر تناقض سياسي حقيقي لا يحتاج إلى مبالغة؛ الحكومات يمكن أن تنظر إلى دولة الاحتلال من زاوية أمن الأنظمة، بينما ينظر جزء كبير من الجمهور العربي إلى المسألة من زاوية مختلفة تماما: الاحتلال، فلسطين، القدس، غزة، والاستيطان.
ومن هنا نشأ ما يمكن وصفه بـالانفصال بين الدولة والمجتمع في الموقف من الاحتلال.
فما تعتبره بعض الحكومات ضرورة أمنية أو مصلحة استراتيجية، قد يراه قطاع واسع من مواطنيها تنازلًا سياسيًا عن قضية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي.
طوفان الأقصى يكشف الفجوة
كان من الممكن أن تستمر هذه الازدواجية سنوات أخرى دون أن تظهر بهذه الحدة، لكن 7 أكتوبر كشفها دفعة واحدة.
فمن جهة، كانت دولة الكيان تعتمد على علاقاتها الأمنية مع مصر والأردن، وطورت علاقاتها مع الإمارات والبحرين، وكانت تسعى إلى نقل مسار التطبيع إلى مستوى جديد مع السعودية.
ومن جهة أخرى، كانت القضية الفلسطينية، رغم كل مسارات التطبيع، تحتفظ بموقع مركزي في الرأي العام العربي.
ثم جاءت معركة طوفان الأقصى لتعيد القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الإقليمي.
وتشير بيانات Arab Barometer إلى أن حرب غزة ارتبطت بتراجع إضافي في التأييد الشعبي للتطبيع في البلدان التي شملتها الدراسة، بما يؤكد أن العلاقات الرسمية بين الحكومات لم تنتج بالضرورة تحولًا مماثلًا في مواقف المجتمعات.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية؛ التطبيع بين الحكومات لم يكن كافيا لإنتاج تطبيع بين المجتمعات.
فالسنوات التي سبقت 7 أكتوبر شهدت انتقال العلاقات بين بعض الحكومات العربية والكيان من السرية إلى العلنية، ومن الاتصالات المحدودة إلى التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.
لكن ذلك المسار الرسمي لم ينجح في إزاحة القضية الفلسطينية من الوعي الشعبي العربي.
وجاءت الحرب لتكشف المسافة الفاصلة بين المسارين.
ليست قصة تحذيرات فقط
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية هذه الوقائع في عدد التحذيرات التي وصلت إلى الكيان، ولا في الجهة العربية التي أرسلت كل تحذير، بقدر ما تكمن في السؤال الأوسع:
ماذا تكشف هذه التحذيرات عن طبيعة النظام الإقليمي العربي؟
في عام 1973، وصلت إلى قيادة الكيان معلومات من ملك عربي بشأن تحرك عسكري مصري-سوري، لكن التقدير الاستخباري القائم آنذاك لم يمنح التحذير وزنه الكامل.
وقبل 7 أكتوبر 2023، ظهرت تقارير عن تحذيرات مصرية وإماراتية بشأن خطر قادم من غزة، المشترك بين الحالتين ليس تطابق التفاصيل، وإنما وجود إشارات وتحذيرات وصلت إلى الكيان من داخل البيئة العربية، ثم عجزت منظومة صنع القرار عن تحويلها إلى تقدير استراتيجي يمنع المفاجأة.
وهذا يقود إلى استنتاج أوسع؛ إن الإخفاق لم يكن دائما في نقص المعلومات، بل في طريقة التعامل معها؛ وفي الافتراضات المسبقة التي تحكم قراءة الخصم، وفي الثقة المفرطة بتقديرات سابقة، وفي الفجوة بين المعلومة الاستخبارية والقرار السياسي.
لكن القصة لا تتوقف عند الكيان.
فالتحذيرات نفسها تكشف وجها آخر للنظام العربي، حكومات تتعامل مع الاحتلال من منظور حسابات الدولة والأمن والتحالفات، بينما تبقى القضية الفلسطينية، لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية، قضية تتجاوز هذه الحسابات.
وهنا تصبح قصة التحذيرات العربية قبل الحروب والأزمات أكثر من مجرد فصل في تاريخ الإخفاقات الاستخبارية للكيان.
إنها، في جانب منها، مرآة للنظام الإقليمي العربي نفسه؛ نظام تتجاور داخله علاقات أمنية واتصالات سياسية وتفاهمات استراتيجية مع دولة الاحتلال، في الوقت الذي تظل فيه فلسطين حاضرة في الوعي الشعبي العربي بوصفها قضية لم تنجح عقود من الاتفاقات والتطبيع في إزاحتها.
لقد كشف طوفان الأقصى هذه الفجوة بأوضح صورة منذ عقود، حكومات تتحرك وفق حسابات الدولة، وشعوب تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية تتجاوز حسابات الحكومات.
وهذه الفجوة، أكثر من أي تحذير استخباري منفرد، قد تكون واحدة من أهم الحقائق التي ستحدد شكل المنطقة في السنوات المقبلة.

