الموصل المدينة التي أنهكتها سنوات الحرب، لا تقتصر مظاهر التعافي فيها على إعادة بناء ما تهدم من البيوت والأسواق والمساجد، فثمة حراك آخر يجري بهدوء في عمق المجتمع، عنوانه إعادة بناء الإنسان واستعادة الروح الإيمانية والقيم التي تعرضت للاهتزاز تحت وطأة سنوات قاسية من العنف والنزوح والدمار.
فبعد أن عاشت المدينة مآسي متلاحقة تركت آثارا عميقة في حياة أبنائها، بدأت المساجد تستعيد شيئا فشيئا دورها في الحياة العامة، لتتحول من أماكن للعبادة فحسب إلى فضاءات للتعليم والتربية والتواصل المجتمعي، تستقبل الأطفال والشباب والنساء، وتفتح أبوابها أمام مبادرات تهدف إلى ترميم ما أصاب المجتمع من آثار الحرب.
وفي هذا السياق، شهد جامع الصائغ في منطقة البلديات بمدينة الموصل مناسبة إيمانية مميزة، تمثلت في تخريج 15 حافظة لكتاب الله تعالى، بعد إتمامهن حفظ القرآن الكريم كاملا ضمن دورة مكثفة استمرت 53 يوما، في إنجاز يعكس حجم الجهد والانضباط الذي بذلته المشاركات والقائمات على الدورة.
وجاء حفل التخريج بحضور كوكبة من علماء الموصل وأهل العلم والدعوة، في مشهد جمع بين القرآن والعلم والمسجد، وقدم صورة مشرقة عن عودة الأنشطة الإيمانية والتربوية إلى المدينة.
ولم تكن رحلة الحافظات مع القرآن مجرد أيام عابرة من الدراسة، بل كانت مسارا مكثفا يتطلب قدرا كبيرا من الصبر والمراجعة والالتزام، فالقرآن الكريم لا يحفظ بسهولة، وإنما يحتاج إلى بيئة محفزة، ومتابعة مستمرة، ومحفظات يمتلكن القدرة على التربية والتعليم، إلى جانب دعم الأسرة وتشجيعها.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها تأتي في مدينة عرفت تاريخيا بمكانتها العلمية وبمدارسها ومساجدها وحلقات القرآن والحديث، ثم تعرضت خلال السنوات الماضية لظروف استثنائية أثرت في بنيتها الاجتماعية والثقافية.
ومن هنا فإن عودة مثل هذه الأنشطة إلى مساجد الموصل لا يمكن النظر إليها باعتبارها نشاطا دينيا منفصلا عن الواقع الذي تعيشه المدينة، بل يمكن قراءتها بوصفها جزءا من حالة أوسع من التعافي المجتمعي.
فالمجتمعات التي خرجت من الحروب لا تحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، وإنما تحتاج أيضا إلى إعادة بناء الإنسان، وترميم العلاقات الاجتماعية، واستعادة الثقة، وتعزيز القيم، وخلق بيئات آمنة تستطيع الأجيال الجديدة أن تنمو فيها بعيدا عن آثار الخوف والعنف والانقسام.
وفي هذا الإطار، تبرز المساجد باعتبارها واحدة من المؤسسات القادرة على أداء دور مهم في عملية التعافي، خصوصا عندما تتحول إلى فضاءات مفتوحة للتعليم والتربية والأنشطة المجتمعية، وتستعيد وظيفتها التاريخية في احتضان الناس وربطهم بالعلم والقيم.
ولعل تجربة جيل القيم التي شهدتها الموصل خلال الفترة الماضية تقدم نموذجا آخر لهذا الاتجاه؛ حيث تحولت المساجد إلى مساحات للتربية والتعليم والأنشطة الموجهة للأطفال والناشئة، في محاولة لبناء جيل جديد يمتلك مناعة أخلاقية وإيمانية تساعده على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.
وتأتي حلقات حفظ القرآن الكريم في السياق نفسه، فهي لا تمنح المشاركات معرفة دينية فحسب، بل تدربهن بصورة عملية على الانضباط والصبر وتنظيم الوقت والاستمرار في العمل حتى الوصول إلى الهدف.
وتخريج 15 حافظة للقرآن الكريم يمثل، بهذا المعنى، أكثر من مجرد رقم في سجل دورة تعليمية؛ إنه ثمرة جهد شاركت فيه الحافظات وأسرهن والمحفظات والقائمون على الدورة، ونتاج بيئة اجتماعية احتضنت هذا النوع من المبادرات وشجعت على استمرارها.
كما أن حضور علماء الموصل في هذه المناسبة يضيف إليها بعدا رمزيا مهما، فالمدينة التي اشتهرت تاريخيا بعلمائها ومدارسها ومساجدها تستعيد من خلال هذه الأنشطة جانبا من شخصيتها العلمية، وتؤكد أن العلم والقرآن ليسا مجرد جزء من ماضيها، وإنما يمكن أن يكونا أيضا جزءا من مستقبلها.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه الموصل إلى مشاريع اقتصادية وعمرانية وخدمية كبيرة، فإن الاستثمار في الإنسان يبقى واحدا من أهم مسارات التعافي، لأن المدن لا تستعيد عافيتها الحقيقية بمجرد ترميم مبانيها، وإنما عندما يستعيد أبناؤها الشعور بالأمان والانتماء والأمل، ويجد الجيل الجديد مساحات للتعلم والعمل والتواصل وصناعة المستقبل.
ومن هنا تبدو أهمية هذه الأنشطة الإيمانية والتربوية، التي قد تبدو صغيرة إذا قورنت بحجم مشاريع إعادة الإعمار، لكنها تحمل قيمة كبيرة على مستوى بناء المجتمع.
فكل حلقة قرآن، وكل فتاة تحفظ كتاب الله، وكل طفل يتعلم في المسجد، وكل شاب يجد بيئة صالحة تحتضنه، وكل عالم يشارك في تعليم الناس، يمثل لبنة في عملية طويلة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي للمدينة.
إن الموصل اليوم لا تعيد بناء ما هدمته الحرب من الحجر فقط، وإنما تخوض معركة أكثر عمقا؛ معركة استعادة روح المدينة وبناء الإنسان الذي سيحمل مسؤولية مستقبلها.
ومن هذه الزاوية، فإن تخريج 15 حافظة للقرآن الكريم في جامع الصائغ يحمل رسالة تتجاوز حدود المناسبة نفسها: أن المجتمع الموصلي، رغم ما مر به من مآس، ما زال قادرا على إنتاج المبادرات التي تمنح أبناءه الأمل، وتعيد للمساجد حضورها، وللقيم مكانتها، وللحياة الإيمانية مساحتها.
فالحروب قد تهدم البيوت وتغير ملامح المدن، لكنها لا تستطيع وحدها أن تهزم إرادة المجتمعات في النهوض.
وإذا كانت مرحلة ما بعد الحرب قد بدأت بإعادة إعمار الحجر، فإن اكتمال التعافي يحتاج إلى إعادة إعمار الإنسان أيضا؛ عقلا وروحا وقيما وعلاقات.
وهنا تصبح المساجد أكثر من أماكن للعبادة، وتتحول إلى ورش هادئة لإعادة بناء الإنسان، وتصبح حلقات القرآن أكثر من دروس للحفظ، لتغدو مساحات لصناعة الصبر والانضباط والأمل.
وفي الموصل التي عانت طويلا من مآسي الحروب، تبدو هذه المشاهد الصغيرة علامات على حياة جديدة تتشكل بهدوء؛ حياة تستعيد فيها المدينة إيمانها، وتستعيد المساجد دورها، ويستعيد المجتمع ثقته بقدرته على النهوض.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله هذه المناسبة هو أن إعادة بناء الموصل لا تبدأ من الحجر وحده، وإنما تبدأ من الإنسان؛ فإذا صلح الإنسان واستعاد قيمه وروحه وثقته بالمستقبل، أصبح قادرا على إعادة بناء مدينته مهما كانت قسوة ما مر بها.

