بقلم: محمد صادق أمين
ماذا يحدث حين يرد الإنسان الأذى بأذى يشبهه؟ وهل تكفي العضة التي يتلقاها المرء كي تبرر العضة التي يوجهها إلى غيره؟
في هذه القصة القصيرة، تتحول واقعة غريبة في أحد شوارع المدينة إلى حكاية إنسانية عن الخوف المكبوت، والجراح التي لا تراها العيون، والأحكام التي نصدرها قبل أن نفهم ما وراء السلوك. رجل يعض كلبا بعدما عضه، فتتناقل الصحف والناس حكايته، لكن ما لا يظهر في المقطع المصور يكشف قصة أخرى أكثر عمقا: قصة إنسان أمضى سنوات يتلقى الأذى بصمت، حتى جاءت لحظة لم يعد فيها قادرا على إخفاء ألمه.
المشهد الأول: العضة
لم يكن في الحي شيء يستحق أن يتوقف الناس من أجله. الصباح يشبه كل صباح؛ حافلات مكتظة، وأبواب تفتح وتغلق، وبائع الخبز ينشر الأرغفة الساخنة، وعمال النظافة يدفعون عرباتهم بوجوه لم تستيقظ بعد.
كان رجل يعبر الشارع، حين خرج كلب من بين سيارتين متوقفتين.
لم يره إلا بعدما صار قريبا جدا.
اندفع الكلب نحوه، وأطبق أسنانه على ساقه.
صرخ الرجل.
توقفت خطوات قليلة.
التفتت رؤوس.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
انحنى الرجل، وأمسك الكلب من عنقه، وقبل أن يتمكن أحد من إيقافه، فتح فمه وعض الكلب في رقبته.
ساد الصمت.
كان صمتا قصيرا، لكنه كان كافيا لأن يرى كل واحد منهم نفسه داخل المشهد.
رجل يعض كلبا.
لم يضربه.
لم يركله.
لم يصرخ في وجهه.
بل عضه!
ترك الرجل الكلب، فهرب مذعورا وهو يعرج.
أما هو فبقي واقفا، يحدق في الدم الصغير على بنطاله.
قال أحدهم:
— هل جننت؟
رفع الرجل عينيه إليه.
كان وجهه هادئا على نحو غريب.
وقال:
— هو بدأ.
ثم مشى.
المشهد الثاني: الخبر
في المساء، كانت صورة الرجل قد سبقت حكايته.
وثق أحد المارة الواقعة بهاتفه الجوال، وانتشر المقطع كالنار في الهشيم.
لم يظهر من الواقعة سوى الثواني الأخيرة.
الرجل ينحني.
يمسك الكلب.
يعضه.
ثم يتركه.
انتشر المقطع بسرعة.
وفي الصباح التالي، كتبت أكبر صحف المدينة عنوانا عريضا:
«رجل يعض كلبا!»
ضحك الناس وتعجبوا.
قال بعضهم إن العالم لم يعد طبيعيا، وقال آخرون إن الرجل مجنون.
أما الرجل، فلم يقرأ شيئا.
جلس في المقهى نفسه الذي يجلس فيه كل صباح، ووضع فنجان القهوة أمامه، ومد يده إلى الصحيفة. قرأ العنوان، ثم قلب الصفحة.
كان فيها خبر عن رجل سرق أموال شركة، وخبر عن أب ضرب ابنه، وخبر عن موظف فصل عاملا لأنه طالب بحقه.
قرأها جميعا، ثم أعاد الصحيفة إلى مكانها.
قال النادل:
— أصبحت مشهورا.
ابتسم الرجل:
— لم أطلب ذلك.
# لماذا عضضت الكلب؟
رفع الرجل فنجانه وقال:
— لأنه عضني.
ضحك النادل.
— كان بإمكانك أن تضربه.
— أعرف.
— فلماذا عضضته؟
نظر الرجل إلى القهوة، وبعد لحظة قال:
— أردت أن يعرف.
لم يفهم النادل، ولا حاول أن يفهم.
المشهد الثالث: الطبيب
بعد ثلاثة أيام، وجد الرجل عنوان العيادة البيطرية التي نقل إليها الكلب.
دخل.
كان هناك طبيب شاب يرتدي معطفا أبيض ويحمل ملفا.
قال الرجل:
— أريد أن أرى الكلب.
نظر إليه الطبيب طويلا، ثم سأله:
— لماذا؟
— لأطمئن عليه.
ابتسم الطبيب ابتسامة ساخرة.
— أنت الذي عضضته؟
أومأ الرجل.
قال الطبيب:
— لا تقلق، لم يمت.
تنفس الرجل ببطء.
— هل يستطيع المشي؟
— نعم.
— هل سيبقى أثر؟
— في جسده؟ ربما.
صمت الرجل.
ثم سأل:
— هل كان شرسا؟
توقف الطبيب عن تقليب الأوراق.
— ماذا؟
— الكلب. هل كان شرسا؟
هز الطبيب رأسه.
— لا.
— إذن لماذا عضني؟
أغلق الطبيب الملف.
كان الرجل ينتظر جوابا.
قال الطبيب:
— وجدناه يرتجف عندما أحضرناه. يبدو أنه كان ضائعا منذ أيام.
ثم أضاف:
— بعض الكلاب تعض عندما تخاف.
ظل الرجل صامتا.
قال الطبيب:
— هل تريد رؤيته؟
أومأ الرجل.
قاده الطبيب إلى غرفة صغيرة. وجد الكلب مستلقيا في الزاوية، وحين رأى الرجل، تراجع إلى الخلف.
توقف الرجل عند الباب.
لم يقترب.
نظر إلى الكلب.
ونظر الكلب إليه.
وبينهما مسافة قصيرة.
قال الرجل:
— كنت خائفا؟
رفع الكلب رأسه، ولم يجب.
ابتسم الرجل بحزن، ثم خرج.
المشهد الرابع: الرجل الذي لا يؤذي أحدا
كان الرجل معروفا في الحي بأنه لا يؤذي أحدا.
لم يكن قد تشاجر مع أحد منذ سنوات.
كان يساعد العجوز التي تسكن في الطابق الثالث على حمل أكياسها، ويضع الخبز أمام باب جار فقير كل يوم جمعة دون أن يطرق الباب.
وإذا رأى طفلا يبكي، جلس بجانبه حتى تأتي أمه.
لذلك، لم يفهم الناس كيف استطاع أن يعض كلبا.
قال أحدهم:
— ربما كانت تلك لحظة جنون.
وقال آخر:
— كل إنسان يخفي شيئا.
لكن الرجل كان يعرف شيئا لم يعرفوه.
لم تكن تلك أول مرة يشعر فيها برغبة في العض.
كان قد أمضى سنوات طويلة وهو يتلقى العضات بأشكال مختلفة.
لم تكن عضات من أسنان أو من حيوان.
كانت كلمات.
خيانة.
إهانات.
أبواب أغلقت في وجهه.
أشخاص أحبهم، ثم اكتشف أنهم كانوا يحبون ما يستطيع أن يقدمه لهم، لا ما كانه هو.
كان في شبابه كثير الكلام.
ثم تعلم الصمت.
ثم تعلم التسامح.
ثم، في مرحلة ما، نسي كيف يغضب.
حتى جاءت أسنان الكلب.
عضة واحدة.
أخرجت معها سنوات كاملة من الكبت.
المشهد الخامس: السؤال
بعد أسبوع، عاد الرجل إلى العيادة.
وجد الكلب في الساحة.
وحين رآه، لم يهرب.
وقف بعيدا.
ثم قال للطبيب:
— هل يمكن أن أسألك شيئا؟
— تفضل.
— إذا عضني مرة أخرى، فهل يعني ذلك أنه شرير؟
فكر الطبيب مليا، ثم قال:
— لا.
— وإذا عضضته أنا مرة أخرى؟
نظر الطبيب إليه.
لم يجب.
قال الرجل:
— هل أصبح أنا شريرا؟
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة.
— لا أعرف.
— أليس هذا عملك؟
ضحك الطبيب.
— أنا طبيب بيطري. أعالج الجروح، ولست اختصاصيا نفسيا.
نظر الرجل إلى الكلب.
كان يلعق أثر الجرح.
قال الرجل:
— لم أكن أرغب في إيذائه.
— أعرف.
— كنت أريده أن يشعر بما شعرت به.
قال الطبيب:
— وهل شعر؟
سكت الرجل.
نظر إلى الكلب، ثم قال:
— لا أعرف.
قال الطبيب:
— ربما هذه هي المشكلة.
المشهد السادس: ما لم تقله الصحيفة
في صباح اليوم التالي، اتصل به صحفي قائلا:
— نريد أن نجري معك مقابلة.
سأل الرجل:
— لماذا؟
— الناس مهتمون بقصتك.
— أي قصة؟
— قصة الرجل الذي عض الكلب.
صمت الرجل قليلا، ثم قال:
— اكتبوا أن الكلب عضني أولا.
ضحك الصحفي.
— طبعا، سنذكر ذلك.
قال الرجل:
— لا، لا تذكروا أنني عضضته فقط.
— ماذا تريد أن نقول؟
فكر الرجل.
ثم قال:
— قولوا إنه كان خائفا.
سكت الصحفي لحظة.
— خائفا من ماذا؟
نظر الرجل إلى الشارع من نافذته.
كان الناس يركضون إلى أعمالهم.
قال:
— لا أعرف.
ثم أغلق الهاتف.
المشهد السابع: الكلب
بعد شهر، اختفى الكلب من العيادة.
قيل إنه وجد من يتبناه، لكن الرجل لم يعرف أين ذهب.
مر أمام العيادة مرات كثيرة.
وفي كل مرة، كان ينظر إلى المكان الذي اعتاد الكلب أن ينام فيه، ثم يمضي.
في أحد الأيام، وبينما كان يعبر شارعا بعيدا، سمع نباحا.
التفت.
كان الكلب.
عرفه من عينيه.
وقف الحيوان على الجانب الآخر من الشارع.
توقفت السيارات بينهما.
ظل الرجل ينظر إليه.
لم يتحرك الكلب.
ولم يتحرك الرجل.
ثم عبر الكلب الطريق ببطء.
اقترب.
شم يد الرجل.
تجمد الرجل. كان يستطيع أن يبتعد، لكنه لم يفعل.
رفع يده ومسح على رأسه.
لم يعضه الكلب.
قال الرجل بصوت خافت:
— وأنا أيضا كنت خائفا.
رفع الكلب عينيه إليه.
لم يعرف الرجل إن كان الكلب قد فهم.
ربما لم يفهم شيئا.
وربما كانت تلك الكلمات تخصه هو وحده.
المشهد الأخير: الرجل والكلب
في المساء، عاد الرجل إلى بيته.
وقف أمام المرآة.
رفع قميصه قليلا، ونظر إلى الأثر القديم على ساقه، ثم نظر إلى فمه.
ضحك.
لأول مرة منذ زمن طويل، ضحك من نفسه.
قال:
— كنت أظن أنني أردت أن أعلمه درسا.
ثم سكت.
وأطفأ الضوء.
في الخارج، كان الكلب يمر في الشارع.
لم يكن يعرف أن الصحف ستتذكره، ولا أن الناس سيختلفون حوله، ولا أن رجلا عضه ذات صباح لأنه أراد أن يجعله يفهم الألم.
كان يعرف شيئا واحدا فقط:
أنه كان خائفا.
وربما كان ذلك كل ما يحتاجه الإنسان أحيانا كي يعض غيره.
في صباح اليوم التالي، وجد الناس الرجل يمشي في الشارع، وكان الكلب يمشي خلفه.
هذه المرة، لم يعض أحدهما الآخر.
النهاية

