ملتقى الأمل في إسطنبول: هل تستطيع الأمة أن تنتقل من تشخيص أزمتها إلى صناعة الفعل؟

ثلاثة أيام جمعت علماء ومفكرين وشبابا حول الوعي والهوية وفلسطين، وانتهت بعشرة مشاريع مقترحة. لكن السؤال الأصعب يبدأ بعد انتهاء الملتقى: من سيحول هذه المخرجات إلى عمل مستمر يصل إلى ملايين الشباب؟

في نهاية ثلاثة أيام من النقاشات والمحاضرات والورش التدريبية في إسطنبول، لم يكن السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي قيل في «ملتقى الأمل»، ولا حتى عدد العلماء والمفكرين والشباب الذين اجتمعوا تحت عنوان «وعي علمائي وصناعة رأي شبابي».

السؤال الأهم كان أكثر صعوبة:

(هل تستطيع المؤسسات الإسلامية أن تنتقل من إنتاج الأفكار حول النهضة إلى بناء الأدوات التي تجعل هذه الأفكار قابلة للتنفيذ والتراكم؟).

هذا السؤال لم يطرح بهذه الصيغة فقط في ختام الملتقى الذي نظمته لجنة الشباب في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لكنه كان حاضرا في بنيته منذ اليوم الأول.

فبرنامج الملتقى تحرك في مسار واضح: من “فقه الميزان وبناء الوعي”، إلى “القضايا المركزية ومسؤولية الأمة”، ثم إلى “دور الشباب في حماية الهوية الإسلامية”. 

وبين هذه المحاور حضرت القضية الفلسطينية، وأزمة اليقين، والإلحاد، والإعلام الجديد، وصناعة الرأي العام، وأسئلة الهوية، والتفكير النقدي.

أعلن المنظمون في نهاية الملتقى، عشرة مسارات ومشاريع مقترحة، من بينها حاضنة للمشاريع الشبابية، وشبكة تعاون، ومشاريع إعلامية رقمية، ومنصة للحوار حول الشبهات والأسئلة الوجودية، ومسارات تدريبية، وبنك معرفي، وآلية للمتابعة والتقييم. 

لكن الانتقال من “التوصية إلى المشروع”، ومن “المشروع إلى مؤسسة”، ومن “المؤسسة إلى أثر اجتماعي”، يظل هو الاختبار الحقيقي.

فالملتقى يستطيع أن يفتح السؤال؛ أما الإجابة فتحتاج إلى وقت، وموارد، ومؤسسات، وقياس للنتائج.

 أزمة الأمة: نقص الأفكار أم غياب البوصلة؟

لم تبدأ أزمة التفكير في نهضة الأمة في إسطنبول، ولن تنتهي بانتهاء الملتقى.

راكم الفكر الإسلامي الحديث على مدى عقود، كما هائلا من الأدبيات التي حاولت تفسير أسباب التراجع الحضاري؛ ظهرت قراءات تربط الأزمة بالتعليم، وأخرى بالتربية، وثالثة بالسياسة، ورابعة بالاقتصاد، وخامسة بالاستبداد، وأخرى بالخطاب الديني أو أزمة الهوية أو ضعف المؤسسات أو غياب المشروع الحضاري.

عقدت مؤتمرات وندوات، وراجعت مراكز بحثية مشروعات إصلاحية خلالها، وفي كل مرحلة كانت تظهر تعيد طرح السؤال نفسه بصيغ مختلفة، لكن وفرة التشخيصات لم تنتج بالضرورة رؤية موحدة للفعل.

وهنا تكمن إحدى أكثر المعضلات تعقيدا في أي مشروع نهضوي: قد تكون أجزاء التشخيص صحيحة، لكن الصورة الكاملة تظل غائبة.

إذا رأى عالم الأزمة من زاوية التربية، ورآها المفكر من زاوية الفكر، ورآها الاقتصادي من زاوية التخلف التنموي، ورآها السياسي من زاوية الحكم والمؤسسات، ورآها الداعية من زاوية ضعف التدين، فإن هذه الرؤى لا تتناقض بالضرورة.

لكنها تحتاج إلى ميزان يحدد العلاقة بينها، وإلى ترتيب للأولويات، وإلى مشروع يستطيع تحويلها إلى عمل متكامل.

من هنا جاءت محاضرة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، اﻻستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي، في افتتاح الملتقى بعنوان «فقه الميزان».

لم يكن اختيار العنوان تفصيلا سياقيا؛ فقد وضع الملتقى منذ ساعاته الأولى أمام سؤال المنهج: كيف نوازن بين النص والواقع، والثوابت والمتغيرات، والعلم والحكمة والمصلحة؟.

وفي كلمته، حذر القره داغي من خطرين: التنازع الشديد بين العلماء والجماعات، وإخضاع النصوص للأهواء والمصالح بدل إخضاع المصالح لميزان الشريعة، مؤكدا في الوقت نفسه أهمية السبق العلمي والمعرفي والتكنولوجي، وأن توقف الأمة عن الحركة يعني تأخرها.

وضعت الكلمة القيمة نقاشات الملتقى أمام مسألة تتجاوز الخطاب الديني إلى التفكير الحضاري عموما:

 “لا يكفي أن نعرف ما الذي نختلف عليه؛ يجب أن نعرف أيضا ما الذي ينبغي أن نتفق عليه لكي نبدأ العمل”.

من «فقه الميزان» إلى سؤال الإنسان

شهد اليوم الأول نقاشات حول الإنسان والوعي والحق والعدل والحرية والتاريخ والوحدة، وهي مفاهيم تبدو متباعدة للوهلة الأولى، لكنها اجتمعت حول سؤال واحد: كيف يبنى الإنسان القادر على فهم نفسه وواقعه، ثم تحويل المعرفة إلى فعل؟.

تحدث الدكتور علي الصلابي اﻻمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ عن قصة آدم عليه السلام من منظور إنساني وحضاري، مركزا على وحدة الأصل الإنساني رغم اختلاف الثقافات. 

وناقش رئيس المنتدى العالمي للوسطية، أبو جرة سلطاني، مفهوم الحق وسنة التدافع، بينما تناولت النائبة اﻻردنية بيان فخري أثر الصراعات في تشكيل الوعي وضرورة قراءة التاريخ بموضوعية تميز بين الدين وممارسات البشر.

أما الدكتور جمال عبد الستار فربط بين العبودية لله والتحرر والكرامة، مؤكدا أهمية العلم والقراءة، في حين حذر د. عمر فاروق قورقماز اﻻمين العام السابق للاتحاد الدولي للمنظمات الطلابية اﻹسلامية، من استنزاف طاقات الأمة في الصراعات الداخلية. وتناول د. ونيس المبروك، اﻻمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مسؤولية العالم والمفكر في فهم السنن والواقع والاستفادة من دروس التاريخ وسير الأنبياء.

قد تبدو هذه الطروحات في ظاهرها نظرية، لكن جمعها في يوم واحد يكشف عن محاولة لتأسيس نقطة البداية: 

“النهضة ليست مشروعا اقتصاديا أو سياسيا فقط، وإنما مشروع لإعادة بناء الإنسان الذي يستطيع حمل المعرفة والاختيار والعمل”.

وهنا تظهر مشكلة أخرى؛ فإنتاج الإنسان الواعي يحتاج إلى زمن طويل، بينما تعمل البيئة الرقمية الحديثة بمنطق السرعة.

الشباب الذين تريد المؤسسات العلمية بناء وعيهم يعيشون في بيئة لا تمنح الفكرة كثيرا من الوقت كي تقنعهم.

وهذه الفجوة ستصبح أكثر وضوحا في اليومين التاليين.

فلسطين: من عدالة القضية إلى معركة الرواية

انتقل الملتقى إلى محور «القضايا المركزية ومسؤولية الأمة» في اليوم الثاني، وكانت القضية الفلسطينية في مركزه.

جلسة «القضية الفلسطينية في واجهة الخطاب» ناقشت الجذور السياسية لتأسيس الكيان الغاصب، وتحولات المشهد الراهن، ومكانة القدس والمسجد الأقصى، والواقع الإنساني في غزة، وترابط ملفات القضية الفلسطينية.

لكن أهمية هذا اليوم لا تكمن فقط في مضمون الأوراق، بل في التحول من “القضية بوصفها موضوعا للخطاب إلى القضية بوصفها اختبارا لأدوات التأثير”.

فإذا كانت فلسطين قضية مركزية في الوعي العربي والإسلامي، فإن استمرار حضورها في المجال العام لا يتوقف على عدالة القضية وحدها؛ هناك معركة أخرى تجري في الإعلام، معركة على الصورة والمصطلح والرواية والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

لهذا لم يتوقف البرنامج عند المحاضرات؛ في المساء انتقل المشاركون إلى أربع ورش تخصصية: الخطاب الإعلامي الموجه، والتأثير في الرأي العام الغربي، وأنسنة القضية، وتفعيل دور الشعوب.

وهنا يمكن ملاحظة تحول مهم في منهج الملتقى: 

لم يعد السؤال فقط ماذا نقول عن فلسطين، وإنما كيف نقول، ولمن، وبأي أدوات، وما الذي نريد أن يحدث بعد أن يصل الخطاب؟”.

وهي نقلة تبدو ضرورية في عصر أصبحت فيه المنافسة على الوعي جزءا أساسيا من الصراع السياسي والثقافي.

غزة تكشف فجوة أخرى: التعاطف ليس مشروعا

ركز المشاركون في اليوم الثاني على الوضع الإنساني في غزة، وعلى ضرورة الإسناد الإنساني والإعلامي، وعلى إبقاء القدس والأقصى وغزة في دائرة الاهتمام؛ لكن القضية هنا لا تتعلق بفلسطين وحدها.

فهي تكشف مشكلة متكررة في العمل العام: “الانتقال من التعاطف إلى التنظيم”.

قد تنتج الأحداث الكبرى موجات واسعة من التضامن، لكنها سرعان ما تتراجع مع تغير دورة الأخبار.

أما المشروع المستدام فيحتاج إلى بنية مختلفة: معرفة، ومحتوى، وشراكات، وتمويل، ومؤسسات، وبرامج تعليمية، وحملات مستمرة، وقياس للنتائج.

ولهذا جاءت في مخرجات الملتقى مشاريع تتعلق بحملات التوعية المستمرة، والشراكات الإغاثية والتعليمية، وتعزيز حضور القدس والأقصى وغزة في الوعي الشبابي، إنها محاولة للانتقال من الموقف، إلى المؤسسة.

المعركة انتقلت إلى الهاتف

في اليوم الثالث تغيرت طبيعة السؤال.

لم يعد الحديث أساسا عن قضية سياسية أو حضارية عامة، وإنما عن الإنسان الذي يحمل هذه القضايا في رأسه وقلبه: “الشاب”.

جاءت جلسة «دور الشباب في حماية الهوية الإسلامية» لتناقش الأسئلة الوجودية، والإلحاد، وأزمة اليقين، وصناعة المفكر المؤمن، وتحديات الخطاب الديني.

تناول د.عبد السلام المجيدي استاذ التفسير وعلوم القران في جامعة قطر، بناء الإيمان وتفكيك الإلحاد من منظور قرآني، وناقش د. بالخير الطاهري عضو مجلس امناء اﻻتحاد العالمي لعلماء المسلمين، معادلة الدين العميق والفكر المنهجي، بينما تحدث الدكتور محمد خير موسى عن «جيل ما بعد الصدمة» وأزمة اليقين.

وتناول زين الدين بن خير الله تحديات الخطاب الديني أمام الإلحاد المعاصر، فيما ركز عبد الباسط بن عيسى على الحوار بين العقل والإيمان وعلى ضرورة الانتقال من تقديم الأجوبة الجاهزة إلى بناء القدرة على السؤال والتحليل.

وبين هذه الأوراق العلمية برز سؤال يتجاوز مضمون الجلسة نفسها:

“أين يوجد الشباب الذين نخاطبهم؟”، فالجيل الجديد لا ينتظر المؤسسة العلمية كي تأتي إليه بالضرورة، إنه موجود على الهاتف.

على شاشة صغيرة، يتلقى منها يوميا مئات الرسائل والأفكار والمعلومات والمقاطع، ويتنقل بينها بسرعة تفوق قدرة كثير من المؤسسات التقليدية على الاستجابة.

وخلال إحدى الجلسات، أشار محمد خير موسى إلى أن الشاشة الصغيرة أصبحت في كثير من الأحيان حاضرة في تشكيل وعي الشباب قبل البيت والمدرسة والمسجد.

هذه الملاحظة تختصر جزءا كبيرا من التحدي؛ فالمشكلة لم تعد فقط في “مضمون الخطاب” إنها أيضا في “بيئة الوصول إليه”.

المؤسسة العلمية أمام اقتصاد الانتباه

تملك المؤسسات الإسلامية رصيدا هائلا من المعرفة؛ لكن المعرفة وحدها لا تكفي في عصر اقتصاد الانتباه.

فالشاب الذي يواجه سؤالا وجوديا في منتصف الليل قد لا يبحث عن كتاب من 500 صفحة. وقد لا يعرف أصلا أين يجد العالم المتخصص في السؤال الذي يشغله.

قد يكتب سؤالا في محرك بحث، أو يفتحه في منصة فيديو، أو يظهر أمامه مقطع قصير لمؤثر لا يعرف شيئا عن خلفيته العلمية.

وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد «تحديث للخطاب الديني»، إنها تتعلق ببناء “منظومة إنتاج معرفي جديدة”.

العالم يحتاج إلى باحث.

والباحث يحتاج إلى محرر.

والمحرر يحتاج إلى صانع محتوى.

وصانع المحتوى يحتاج إلى مصمم ومصور ومخرج.

وكل هؤلاء يحتاجون إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار.

وهذا ما يجعل أحد منطلقات الملتقى، وهو «لغة العصر»، أكثر من شعار؛ فالبيان الختامي يربط مخاطبة الشباب باستخدام العلم والتجربة والأرقام والإعلام الرقمي، مع الحفاظ على الثوابت. 

السؤال إذن ليس هل نستخدم وسائل التواصل؟ السؤال هو: “هل نستطيع أن نبني فيها حضورا معرفيا مؤسسيا مستمرا؟”.

 الشباب: من جمهور إلى شريك

أحد أهم التحولات التي حاول الملتقى تكريسها يتمثل في النظر إلى الشباب بوصفهم شركاء لا مجرد جمهور.

البيان الختامي نص صراحة على أن الشباب «شركاء» في صناعة المعرفة والقرار والمشروع، وليسوا متلقين فقط.

وهذا التحول مهم لأن جزءا من أزمة العلاقة بين المؤسسات والنشء قد يكون ناتجا عن استمرار نموذج قديم: الكبار ينتجون، والشباب يتلقون؛ لكن الجيل الجديد لا يريد فقط أن يعرف ما الذي ينبغي أن يفعل، إنه يريد أن يشارك في تحديد السؤال نفسه.

ومن هنا يصبح تمكين الشباب مختلفا عن دعوتهم إلى حضور مؤتمر أو المشاركة في جلسة.

التمكين الحقيقي يعني منحهم مسؤولية، وإدخالهم في صناعة القرار، وإتاحة المجال لهم لتجربة الأفكار وتحمل نتائجها، ثم التعلم من النجاح والفشل.

لهذا تضمنت توصيات الملتقى الدعوة إلى تمكين الشباب من أدوار حقيقية في المؤسسات العلمية والفكرية والإعلامية، وتطوير الخطاب الديني بما يستجيب لأسئلة الجيل. 

اللحظة الفاصلة: هل ينتهي الملتقى بانتهاء الجلسة الأخيرة؟

هنا يصل التحقيق إلى النقطة الأهم؛ فالملتقى لم يكتف، وفق بيانه الختامي، بإعلان توصيات عامة، بل قدم عشرة مسارات ومشاريع مقترحة.

من بينها ميثاق شبابي للتعاون والتكامل، وحاضنة للمشاريع الشبابية، وخارطة طريق للمشاريع الإعلامية الرقمية، وبرنامج لتطوير الخطاب الديني الشبابي، ومنصة علمية للحوار حول الشبهات والأسئلة الوجودية، ومسارات تدريبية في التفكير النقدي وبناء اليقين وصناعة المحتوى والقيادة الفكرية.

كما تضمنت المخرجات مشاريع لدعم القضية الفلسطينية، وشبكة شراكات بين المؤسسات العلمية والشبابية، وبنكا معرفيا وتربويا، وآلية للمتابعة والتقييم.

هذه القائمة مهمة لأنها تكشف أن الملتقى حاول الإجابة عن المشكلة التي ظل يناقشها طوال أيامه: **كيف تتحول الأفكار إلى أدوات؟.

لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالا أكبر: من سينفذ؟.

عشر أفكار تحتاج إلى ما هو أكثر من الحماس

إنشاء حاضنة للمشاريع الشبابية يحتاج إلى هيكل إداري وتمويل وآلية لاختيار المشاريع ومتابعتها.

وإنشاء منصة علمية للأسئلة الوجودية يحتاج إلى علماء وباحثين ومحررين وتقنيين، إضافة إلى نظام يضمن الاستمرارية والسرعة في الاستجابة.

أما خارطة المشاريع الإعلامية الرقمية فتحتاج إلى فرق إنتاج قادرة على المنافسة في سوق مزدحم بالمحتوى، لا إلى مجرد إنتاج مقاطع ونشرها.

وشبكة المؤسسات العلمية والشبابية تحتاج إلى نموذج واضح للتعاون، وليس مجرد تبادل بيانات الاتصال.

حتى «البنك المعرفي والتربوي» يحتاج إلى تحرير وتصنيف وتحديث واختبار للمحتوى، وإلا تحول إلى أرشيف آخر يضاف إلى أرشيفات المعرفة الموجودة أصلا.

أما آلية المتابعة والتقييم، التي وردت باعتبارها المشروع العاشر، فقد تكون أهم الأدوات كلها؛ لأنها وحدها تستطيع الإجابة عن سؤال لا تجيب عنه المؤتمرات عادة:

ماذا نجح؟ وماذا فشل؟ ولماذا؟

المشكلة القديمة: توصيات كثيرة وذاكرة مؤسسية ضعيفة في العالم المؤسسي، لا تقاس جودة الاجتماع بعدد الأفكار التي خرج بها، بل تقاس بما بقي منه بعد أشهر.

وهنا تظهر واحدة من المشكلات المتكررة في العمل العربي والإسلامي: إنتاج التوصيات أسهل بكثير من بناء الآليات التي تضمن تنفيذها.

قد تخرج مؤسسة من مؤتمر بعشر أفكار ممتازة، لكنها لا تستطيع تنفيذ اثنتين منها؛ وقد يكون السبب نقص التمويل، أو ضعف التنسيق، أو غياب المسؤولية المحددة، أو تغير الأولويات، أو عدم وجود جهة تتابع التنفيذ.

لذلك فإن التحدي أمام «ملتقى الأمل» لا يتعلق بعدد المشاريع التي أعلن عنها، وإنما بقدرته على تحويلها إلى دورة عمل مستمرة*.

فالبيان الختامي يقول إن الملتقى يريد ألا تبقى المخرجات «حبرا على ورق»، ويتضمن بالفعل آلية للمتابعة والتقييم.

لكن هذا الوعد لا يمكن تقييمه الآن؛ سيحتاج إلى زمن.

 الاختبار الحقيقي ليس في إسطنبول

يمكن اعتبار إسطنبول نقطة البداية، لكن الاختبار الحقيقي سيكون خارجها.

بعد ستة أشهر، سيكون السؤال: هل لا تزال الشبكة الشبابية تعمل؟

بعد عام: هل خرجت مشاريع فعلية من الحاضنة؟

هل أصبحت هناك منصة للحوار حول الأسئلة الوجودية؟

هل أنتجت خارطة الإعلام الرقمي سلاسل تصل إلى الشباب؟

هل ظهرت شراكات حقيقية بين العلماء والشباب؟

هل أصبح هناك محتوى معرفي قادر على المنافسة في الفضاء الرقمي؟

وهل توجد أرقام تقيس الأثر؟

هذه ليست أسئلة تشكك في الملتقى، بل هي معايير النجاح الطبيعية لأي مشروع أعلن أنه يريد الانتقال من التشخيص إلى الفعل.

فالنجاح هنا لا ينبغي أن يقاس بعدد المشاركين، أو عدد المحاضرات، أو حجم التغطية الإعلامية؛ بل بمؤشر أكثر صعوبة:

ما الذي تغير بعد الملتقى ولم يكن موجودا قبله؟

من «الشباب هم المستقبل» إلى «الشباب هم الآن»

لطالما قيل إن الشباب هم مستقبل الأمة؛ لكن هذا التعبير، على الرغم من شيوعه، يحمل مشكلة ضمنية: كأن المستقبل زمن مؤجل.

الشباب ليسوا مستقبل الأمة فقط؛ هم القوة التي يتشكل فيها مستقبلها الآن.

هم الذين يدخلون الجامعات وسوق العمل، ويصنعون المحتوى، ويؤسسون الشركات والمبادرات، ويتفاعلون مع الأحداث السياسية والثقافية، ويعيدون تشكيل المجال العام.

لذلك فإن بناء وعيهم ليس مشروعا تربويا منفصلا عن النهضة؛ إنه جزء من البنية التحتية للنهضة نفسها.

وهذا يفسر لماذا جمع الملتقى بين العلماء والشباب، وبين قضايا الهوية وفلسطين والإعلام والتفكير النقدي.

إنه يحاول النظر إلى الشباب باعتبارهم نقطة التقاء بين المعرفة والمجتمع.

من حماية الهوية إلى بناء المناعة

تكشف جلسات اليوم الثالث عن تحول مهم في طريقة النظر إلى الهوية.

فالهوية التي تحتاج إلى حماية دائمة من الخارج تظل هشة.

أما الهوية التي تقوم على يقين معرفي، وعقل قادر على السؤال، وشخصية قادرة على الحوار، فهي أكثر قدرة على البقاء.

لهذا ركزت جلسات الملتقى على الإلحاد والأسئلة الوجودية وأزمة اليقين، بدل الاكتفاء بالحديث عن الحفاظ على الهوية كشعار.

وهذا مسار مهم.

فالشاب الذي يسأل عن وجود الله، أو عن معنى الألم، أو عن علاقة الدين بالعلم، أو عن الحرية، أو عن الشر، لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من الوعظ.

قد يحتاج أولا إلى من يفهم السؤال.

ثم إلى من يساعده على تفكيك مقدماته.

ثم إلى إجابة علمية وإنسانية تستطيع أن تصمد أمام البحث.

ومن هنا جاء التأكيد في الملتقى على الجمع بين الإيمان والعقل، وعلى بناء خطاب ديني قادر على الحوار والتحليل، وعلى عدم الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة.

الملتقى في مواجهة معضلة أوسع

إذا قرأنا «ملتقى الأمل» بمعزل عن الشعارات، فإن أهم ما يكشفه ليس فقط ما قيل فيه عن الشباب، إنه يكشف أزمة العمل النهضوي نفسه؛ الأمة لا تعاني بالضرورة من نقص في الأشخاص الذين يعرفون ما ينبغي أن يكون.

لكنها تعاني من نقص في المؤسسات التي تستطيع أن تحول «ما ينبغي» إلى «ما هو موجود».

هناك فرق هائل بين أن نقول إننا نحتاج إلى خطاب ديني جديد، وبين أن نبني برنامجا لإنتاجه.

وبين أن نقول إن الشباب يحتاجون إلى التفكير النقدي، وبين أن نطور منهجا تدريبيا يصل إلى عشرات الآلاف.

وبين أن نقول إن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى في الوعي، وبين بناء منظومة معرفية وإعلامية وتعليمية تجعل حضورها مستمرا.

وبين أن نقول إن الشباب شركاء، وبين أن نمنحهم بالفعل مواقع في صناعة القرار.

هذه المسافة هي المسافة بين الفكر والمؤسسة.

وربما تكون هي إحدى أكثر المسافات أهمية في مشروع النهضة.

 لماذا «الأمل»؟

اختيار اسم الملتقى «الأمل» يبدو في هذا السياق أبعد من كونه عنوانا وجدانيا.

الأمل الذي لا يتحول إلى خطة يبقى شعورا.

والحماس الذي لا يتحول إلى مؤسسة يتبخر.

والفكرة التي لا تجد من يحملها تتحول إلى مادة أرشيفية.

لكن الأمل حين يتحول إلى مشروع يصبح مختلفا.

ولهذا بدأ ختام الملتقى لافتا حين لخص بيانه المسار بالعبارة: 

«بدأ ملتقى الأمل بفقه الميزان، وانتهى بصناعة المشروع».

هذه العبارة تختصر التحدي كله.

فإذا كان «فقه الميزان» يعني محاولة فهم الواقع وترتيب الأولويات، فإن «صناعة المشروع» تعني الإجابة عن السؤال التالي: ماذا سنفعل بهذا الفهم؟.

ما بعد الملتقى.. السؤال الذي لا يملك المؤتمر الإجابة عنه

ربما من المبكر الحكم على تجربة «ملتقى الأمل» بالنجاح أو الفشل.

فالملتقى انتهى حديثا، والمشاريع التي أعلن عنها تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها.

لكن يمكن القول إن قيمة التجربة ستتحدد بدرجة كبيرة في المرحلة التي بدأت بعد اختتامها.

إذا تحولت المشاريع العشرة إلى فرق عمل، وموازنات، وجداول زمنية، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات قياس، فإن الملتقى يكون قد فعل شيئا مختلفا عن المؤتمرات التقليدية.

أما إذا بقيت الأفكار في البيان الختامي، فسوف تعود التجربة  مهما كانت جودة محتواها  إلى النمط الذي حاولت أصلا تجاوزه.

وهنا تصبح آلية المتابعة والتقييم التي أدرجها الملتقى ضمن مخرجاته اختبارا حقيقيا لا بندا إداريا.

فالمشروع النهضوي لا يحتاج فقط إلى من يطلقه.

يحتاج إلى من يراجعه.

ويحتاج إلى الاعتراف بالفشل حين يفشل.

وإعادة تصميم المسار حين لا يحقق أثرا.

وقياس النتائج بدل الاكتفاء بقياس النشاط.

من صناعة الرأي إلى صناعة القدرة

عنوان الملتقى يتحدث عن «صناعة رأي شبابي».

لكن ربما تكون الخطوة التالية التي ينبغي التفكير فيها هي ما هو أبعد من صناعة الرأي.

فالرأي وحده لا ينهض بالأمم.

الرأي يحتاج إلى معرفة.

والمعرفة تحتاج إلى قدرة.

والقدرة تحتاج إلى مؤسسة.

والمؤسسة تحتاج إلى استمرارية.

ومن هنا يمكن أن تتحول معادلة الملتقى من:

“وعي → رأي”ةإلى سلسلة أكثر اكتمالا: وعي → رأي → قدرة → مشروع → مؤسسة → أثر.

وهذه السلسلة هي التي تفصل بين النشاط الفكري المؤقت والعمل الحضاري طويل النفس.

الخلاصة: هل تبدأ النهضة من مؤتمر؟

لا تبدأ النهضة عادة من مؤتمر، لكنها قد تبدأ من تحول في طريقة التفكير.

وما حاول «ملتقى الأمل» فعله هو نقل النقاش خطوة واحدة إلى الأمام: من سؤال «ما مشكلات الأمة؟» إلى سؤال «ما الأدوات التي يمكن أن نستخدمها لمواجهة هذه المشكلات؟».

بدأ بالميزان، ثم انتقل إلى القضايا المركزية، ثم وصل إلى الشباب والهوية، ثم دخل إلى الورش، وانتهى بعشرة مشاريع مقترحة وآلية للمتابعة والتقييم. 

هذه بنية تبدو أكثر تقدما من مؤتمر ينتهي بتوصيات عامة.

لكنها تظل، حتى الآن، بنية على الورق.

والورق لا يصنع نهضة.

الذي يصنعها هو أن يتحول الورق إلى فريق، والفريق إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى أثر.

لذلك ربما لا يكون السؤال المناسب بعد «ملتقى الأمل»: **هل نجح الملتقى؟**

السؤال الأكثر مهنية ودقة هو: ماذا سيبقى منه بعد عام؟.

إذا بقيت شبكة شبابية تعمل، ومشاريع إعلامية تصل إلى الجمهور، ومنصة تجيب عن أسئلة الشباب، وبرامج تدريبية مستمرة، وشراكات بين العلماء والشباب، وقياسات حقيقية للأثر، فسيكون الملتقى قد تجاوز حدود الحدث إلى بناء مسار.

أما إذا بقيت الذكريات والصور والبيانات والتوصيات، فسيكون قد أضاف فصلا جديدا إلى تاريخ طويل من المؤتمرات التي شخصت أزمة النهضة أكثر مما صنعت أدواتها.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل «ملتقى الأمل» جديرا بالمتابعة:

أن أصعب مرحلة في مشروع النهضة قد لا تكون أن نعرف أين نحن، ولا إلى أين نريد أن نذهب؛ وإنما أن نبني الطريق بين النقطتين، ثم نجد من يمشي فيه ولا يتوقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top