لانا نسيبة مرشحة الإمارات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة وسط الجدل حول السودان واليمن وظهور اسمها في ملفات إبستين

مرشحة الإمارات للأمانة العامة للأمم المتحدة.. تنكر التقارير الأممية واسمها في ملفات إبستين

 لانا نسيبة وسباق الأمانة العامة للأمم المتحدة: إنكار التقارير الأممية وظهور الاسم في ملفات إبستين

تحقيق استقصائي | 31 أكتوبر 2026

تدخل الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة سباقا غير مسبوق عربيا على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بوصفها أول امرأة عربية ترشح رسميا لهذا الموقع. 

ترشيحها يأتي وسط سجل سياسي ودبلوماسي مثير للجدل، تتقاطع فيه مواقفها المدافعة عن سياسات الإمارات في السودان واليمن مع انتقادات منظمات حقوقية بشأن تعامل أبوظبي مع تقارير الأمم المتحدة، فضلا عن ظهور اسمها في مراسلات ضمن الملفات المرتبطة بالممول الأميركي المدان جيفري إبستين.

لا تتعلق القضية بإثبات علاقة جنائية بين نسيبة وإبستين؛ فالوثائق المنشورة لا تقدم دليلا على ذلك، لكنها تكشف عن واقعتين تستحقان الفحص؛ الأولى تتصل بمراسلات إدارية لإدراج إبستين ضمن المشاركين في منتدى “صير بني ياس” عام 2010، والثانية تتعلق بمبادرة نسيبة إلى دعم طلب قبول ابن الدبلوماسي النرويجي “تيري رود-لارسن” في جامعة نيويورك عام 2019، عبر خطاب رسمي على ورق البعثة الإماراتية لدى الأمم المتحدة.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية إضافية عند وضعها في سياق سجل نسيبة الدبلوماسي، ولا سيما دفاعها عن المواقف الإماراتية إزاء الاتهامات المتعلقة بالسودان واليمن في وقت يفترض فيه أن يتمتع الأمين العام المقبل باستقلال عن الحكومات، وأن يكون قادرا على التعامل مع الانتهاكات بصرف النظر عن هوية الأطراف المتورطة فيها.

 من تمثيل الإمارات إلى الترشح لقيادة الأمم المتحدة

أعلنت الإمارات ترشيح لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر 2026 في خطوة تحظى بدعم إقليمي، وتقدمها أبوظبي باعتبارها دبلوماسية تمتلك خبرة طويلة في العمل متعدد الأطراف والعلاقات الدولية.

شغلت نسيبة مناصب دبلوماسية بارزة، من بينها المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، كما اضطلعت بأدوار في ملفات السياسة الخارجية الإماراتية، وكانت من أبرز الوجوه التي تولت الدفاع عن مواقف أبوظبي أمام المؤسسات الدولية والإعلام الغربي.

لكن الانتقال من تمثيل دولة عضو إلى قيادة المنظمة الدولية يغير طبيعة المسؤولية؛ فالأمين العام لا يمثل الدولة التي رشحته، ولا يفترض أن يتحول إلى امتداد لسياستها الخارجية، بل يتولى مسؤولية دولية تفرض عليه الاستقلال والحياد في ممارسة مهامه.

وتنص المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام وموظفي الأمانة العامة لا يطلبون أو يتلقون تعليمات من أي حكومة أو سلطة خارج المنظمة، كما تلزم الدول الأعضاء باحترام الطابع الدولي الخالص لمسؤولياتهم وعدم السعي إلى التأثير عليهم في أدائها.

لذا؛ لا يقتصر تقييم ترشيح نسيبة على خبرتها الدبلوماسية أو قدرتها على بناء التوافقات، بل يمتد إلى سجلها في التعامل مع الملفات التي كانت حكومتها طرفا فيها وإلى قدرتها على الفصل بين الالتزامات السياسية لدولتها والمسؤوليات المستقلة التي يفرضها المنصب الأممي.

 السودان: بين تقارير الأمم المتحدة والدفاع الإماراتي

يمثل السودان أحد أكثر الملفات حساسية في سجل نسيبة الدبلوماسي، فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، واجهت الإمارات اتهامات متكررة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي بصورة متواصلة.

كانت نسيبة من أبرز المسؤولين الإماراتيين الذين تولوا الرد على هذه الاتهامات في تصريحات إعلامية ودبلوماسية خلال عام 2024، نفت تقديم الإمارات دعما عسكريا لقوات الدعم السريع، وقدمت الموقف الإماراتي باعتباره قائما على دعم الحل السياسي والاستجابة الإنسانية.

لكن نفي الحكومة الإماراتية لم ينه الجدل؛ إذ تضمن تقرير فريق خبراء مجلس الأمن بشأن السودان، الصادر في يناير 2024 تحت الرقم S/2024/65، ادعاءات وصفها الخبراء بأنها ذات مصداقية بشأن نقل أسلحة وذخائر إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد.

ولا يمثل وصف الادعاءات بأنها ذات مصداقية حكما قضائيا نهائيا على مسؤولية الحكومة الإماراتية، لكنه يعني أن المسألة لم تكن مجرد اتهام سياسي عابر، بل موضوعا خضع لفحص فريق خبراء تابع لمجلس الأمن.

توسعت دائرة الأدلة والاتهامات خلال العامين التاليين، فقد نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرا تناول دور متعاقدين كولومبيين في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع. 

وأشارت إلى مسارات مرتبطة بقواعد إماراتية استخدمت في انتقالهم. 

كما تناولت تقارير لاحقة أسلحة ومعدات ظهرت في حوزة قوات الدعم السريع، من بينها قذائف صربية المنشأ سبق بيعها لصالح القوات المسلحة الإماراتية.

أصدرت بعثة تقصي الحقائق المعنية بالسودان في أغسطس 2026، تقريرا تناول الانتهاكات وشبكات المرتزقة والجهات المرتبطة بالصراع. 

أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على مسؤولية الأطراف الخارجية، وعلى ضرورة التعامل مع نتائج التحقيقات الأممية بدلا من الاكتفاء بنفي سياسي عام.

انتقدت “هيومن رايتس ووتش” في هذا السياق، سجل نسيبة في الدفاع عن الموقف الإماراتي، معتبرة أن ترشيحها يثير مخاوف تتعلق بقدرتها على التعامل المستقل مع الانتهاكات التي تتهم فيها دولة الإمارات، ولا تكمن المسألة في مطالبة الدبلوماسية الإماراتية بتبني اتهامات لم تثبت قضائيا، بل في مدى استعدادها للتعامل مع تقارير الأمم المتحدة بوصفها وثائق مؤسسية تستوجب الفحص والرد والتعاون، لا باعتبارها مجرد أدوات ضغط سياسي.

  •  الضغط على المؤسسات الأوروبية

لم يقتصر الجدل حول الموقف الإماراتي من حرب السودان على المؤسسات الأممية فقد أثيرت خلال نوفمبر 2025 اتهامات بشأن ممارسة ضغوط إماراتية على أعضاء في البرلمان الأوروبي في سياق النقاشات المتعلقة بالحرب والدور الإماراتي فيها.

اتخذ البرلمان الأوروبي في يوليو 2026، موقفا أكثر تشددا في قرار تناول الحرب في السودان ومسؤولية الأطراف الخارجية عن استمرارها، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بتسليح قوات الدعم السريع.

تعكس هذه التطورات انتقال ملف السودان من نطاق الخلاف الدبلوماسي بين أبوظبي والخرطوم إلى مساحة أوسع من المساءلة السياسية والحقوقية داخل المؤسسات الغربية.

 الحوار الأممي اختبار مباشر لمرشحة الإمارات

واجهت نسيبة أسئلة مباشرة خلال الحوار التفاعلي المخصص للمرشحين لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في 27 أكتوبر 2026، وكان من أبرز الملفات التي طرحت أمامها الحرب في السودان والاتهامات الموجهة إلى الإمارات.

وخلال الحوار، أحال ممثل السودان أسئلة تتعلق بالدعم الخارجي للأطراف المتحاربة وبالتعامل مع التحقيقات المستقلة؛ وجاء رد نسيبة في إطار إحالة الأسئلة المتعلقة بالإمارات إلى حكومتها، موضحة أنها أخذت إجازة من منصبها، ومؤكدة في الوقت نفسه التزامها بالمادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة.

تكتسب هذه الإجابة دلالة سياسية ومؤسسية؛ فالمسألة لم تكن مجرد سؤال عن موقف دولة الإمارات، بل اختبارا لقدرة المرشحة على الانتقال من موقع ممثلة الدولة إلى موقع يفترض أن يتعامل مع الاتهامات الموجهة إليها من مسافة مؤسسية مستقلة.

وقد أكدت نسيبة أن السودان يمثل اختبارا أساسيا للأمين العام المقبل؛ غير أن هذا التأكيد يضعها أمام مفارقة واضحة، فالسودان هو أحد الملفات التي ارتبط اسمها فيها بالدفاع عن الموقف الإماراتي، وهو نفسه الملف الذي سيحتاج الأمين العام القادم إلى التعامل معه بقدر عال من الاستقلال والقدرة على مساءلة الأطراف الخارجية.

 اليمن: سجل الدفاع عن التحالف وإنهاء آلية التحقيق

لا ينفصل الجدل حول السودان عن سجل نسيبة في التعامل مع الحرب اليمنية. فقد كانت الإمارات عضوا رئيسيا في التحالف العسكري الذي قادته السعودية منذ مارس 2015، وواجه التحالف اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني خلال العمليات العسكرية.

وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2016 ما قالت إنها 58 غارة جوية غير قانونية شنها التحالف، وأسفرت عن مقتل نحو 800 مدني. وشملت الحالات التي وثقتها المنظمة هجمات على أسواق ومنازل ومرافق مدنية، في وقائع أثارت تساؤلات بشأن الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة في الهجمات.

دافعت نسيبة في تصريحات خلال عامي 2016 و2018 عن التزام الإمارات بالقانون الدولي الإنساني، وقدمت الموقف الإماراتي باعتباره قائما على حماية المدنيين ودعم الاستقرار في اليمن.

لكن الجدل لم يتوقف عند تقييم العمليات العسكرية. ففي عام 2021، تعرض فريق الخبراء البارزين المعني باليمن، وهو آلية تحقيق أممية كانت توثق الانتهاكات المرتكبة من أطراف النزاع، لضغوط سياسية انتهت بعدم تجديد ولايته، في قرار أثار انتقادات حقوقية واسعة.

وكانت الإمارات والسعودية من الدول التي عارضت استمرار ولاية الفريق، وفق ما تناولته المنظمات الحقوقية في حينه.

تكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تتعلق بآلية رقابة دولية، لا بمجرد خلاف حول رواية عسكرية أو سياسية. ففرق الخبراء المستقلة تمثل إحدى الأدوات التي يعتمد عليها مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة في توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤوليات، وإنهاء ولايتها يحد من قدرة المجتمع الدولي على متابعة الوقائع بصورة مستقلة.

بين السودان واليمن، يظهر نمط سياسي متكرر؛ دفاع دبلوماسي عن الموقف الإماراتي في مواجهة الاتهامات بالتوازي مع خلافات حول تقارير وآليات أممية تتناول الانتهاكات أو الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.

 ملفات إبستين: وثيقة 2010 تضع نسيبة في مسار الدعوة

إلى جانب الملفات السياسية والحقوقية، أعاد تحقيق نشرته صحيفة “Byline Times” البريطانية في 30 أكتوبر 2026 تسليط الضوء على ظهور اسم نسيبة في وثائق مرتبطة بجيفري إبستين.

تعود الواقعة الأولى إلى أكتوبر 2010، حين كانت الاستعدادات جارية لعقد منتدى صير بني ياس في أبوظبي، وهو منتدى دبلوماسي يشارك فيه مسؤولون وشخصيات سياسية واقتصادية دولية.

وتكشف وثيقة تحمل الرقم EFTA00559387، وتتألف من سبع صفحات، سلسلة مراسلات جرت بين 25 و28 أكتوبر 2010، بشأن إضافة إبستين إلى قائمة المشاركين.

“تيري رود-لارسن” الدبلوماسي النرويجي الذي كان يشغل موقعا دوليا بارزا بحسب المراسلات، دعا إبستين للمشاركة بعد مناقشات مع مسؤول إماراتي كبير يشار إليه بالأحرف HH.

أرسل بيم فالدري رسالة إلى لانا نسيبة في 27 أكتوبر، أبلغها فيها بدعوة إبستين وطلب إضافة اسمه إلى قائمة المشاركين، وبذلك يظهر اسم نسيبة ضمن سلسلة المراسلات الإدارية المتعلقة بالترتيبات.

وتكشف الرسائل اللاحقة انتقال الأمر إلى مرحلة التنفيذ؛ إذ طلبت ماري ماكولوم، من وزارة الخارجية الإماراتية، نسخة من جواز سفر إبستين وصورة شخصية وتفاصيل طائرته الخاصة، لاستكمال إجراءات التصريح الأمني والنقل والإقامة.

إدراج إبستين لم يكن مجرد اقتراح عابر أو تداول لاسم في مراسلة، بل تحول إلى ترتيبات عملية لاستقباله في المنتدى.

الواقعة تكتسب أهمية بسبب الخلفية الجنائية لإبستين، فقد أدين في فلوريدا عام 2008 في قضية تتعلق باستدراج قاصر للدعارة والحصول على قاصرات لهذا الغرض. أما اتهامات الاتجار الجنسي الفيدرالية التي وجهت إليه عام 2019 فلم تصل إلى محاكمة، إذ توفي قبل بدء المحاكمة.

تضع الوثيقة بذلك مسألة التدقيق في خلفية المشاركين في المنتديات الدبلوماسية أمام دائرة الاهتمام، لكنها لا تسمح بإسناد معرفة مسبقة بإدانة إبستين أو مسؤولية شخصية عن دعوته إلى نسيبة.

 يناير 2019: خطاب رسمي لدعم ابن “رود-لارسن”

تبدو الواقعة الثانية أكثر مباشرة من الناحية الوثائقية؛ إذ لا يقتصر دور نسيبة فيها على تلقي نسخة من مراسلة، بل تظهر بوصفها صاحبة مبادرة في عرض المساعدة.

أرسلت نسيبة رسالة إلى تيري رود-لارسن وزوجته مونا يول في 9 يناير 2019، عرضت فيها التواصل مع “أندرو هاملتون”، رئيس جامعة نيويورك، لتقديم توصية بشأن قبول ابنهما إدوارد في الجامعة.. كتبت نسيبة أنها مستعدة لوضع كلمة طيبة لصالح إدوارد أو إرسال خطاب دعم إلى رئيس الجامعة. ورد “رود-لارسن” شاكرا إياها، وطلب منها متابعة الأمر مع هاملتون.

وتظهر الوثائق أن هذه المراسلات وصلت لاحقا إلى إبستين في اليوم نفسه.

وبعد ستة أيام، في 15 يناير 2019، أرسلت نسيبة خطابا إلى رئيس جامعة نيويورك على الورق الرسمي للبعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة.

تضمن الخطاب دعما صريحا لطلب إدوارد رود-لارسن، وأشارت نسيبة فيه إلى معرفتها القديمة بأسرة رود-لارسن وإلى عملها مع والده في الأمم المتحدة، ووصفت تيري رود-لارسن بأنه مصدر حكمة ونزاهة في قضايا السلام والأمن في الشرق الأوسط.

تكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بسبب الصفة التي صدرت بها، فهي لم تكن مجرد رسالة شخصية مكتوبة على ورق عادي، بل خطاب يحمل الهوية الرسمية للبعثة الدبلوماسية الإماراتية، وموقع من شخصية كانت تشغل منصبا تمثيليا رفيعا لدى الأمم المتحدة.

أظهرت مراسلات أخرى أن إبستين كان يتابع طلب إدوارد للالتحاق بجامعة نيويورك، ويتدخل في مراجعة مواد مرتبطة به. كما كشفت وثائق لاحقة أن وصية إبستين تضمنت تخصيص خمسة ملايين دولار لإدوارد رود-لارسن.

وكان تيري رود-لارسن قد وصف إبستين في رسالة سابقة بأنه “أفضل أصدقائه”، وفق ما أورده تحقيق “Byline Times”. هذه الوقائع تكشف شبكة من العلاقات والمساعدات المتبادلة بين إبستين وأسرة رود-لارسن، وتضع خطاب نسيبة ضمن سياق أوسع من الاتصالات التي أحاطت بطلب القبول الجامعي. لكنها لا تثبت أن نسيبة كانت جزءا من تلك الشبكة أو أنها كانت على علم بتفاصيل العلاقة المالية والشخصية بين إبستين والأسرة.

 ما الذي تثبته الوثائق فعلا؟

تكشف الوثائق المنشورة عن واقعتين مختلفتين ينبغي عدم دمجهما في اتهام واحد.

كان اسم نسيبة ضمن المراسلات الإدارية المتعلقة بإضافة إبستين إلى قائمة المشاركين في منتدى صير بني ياس في عام 2010، وتظهر الوثائق أن الترتيبات الأمنية واللوجستية لاستقباله بدأت بالفعل.

عرضت نسيبة من تلقاء نفسها التواصل مع رئيس جامعة نيويورك في عام 2019، لدعم طلب ابن رود-لارسن، ثم أرسلت خطابا رسميا على ورق البعثة الإماراتية. كما تظهر المراسلات أن ما دار بينها وبين رود-لارسن وصل إلى إبستين، لكن لا يوجد دليل منشور يثبت أنها كانت تعرف بذلك.

من الضروري كذلك عدم الخلط بين ظهور اسم نسيبة في وثائق إبستين وبين وجود علاقة شخصية أو مالية أو جنائية بينها وبينه. فالمواد المنشورة لا تثبت أيا من هذه الروابط.

غير أن القيمة الاستقصائية للوثائق تكمن في كشف طبيعة العلاقات المهنية والشخصية التي أحاطت بشخصيات نافذة، وفي إظهار استخدام المكانة الدبلوماسية في تقديم دعم شخصي لأسرة تربطها علاقة وثيقة بإبستين.

وقد وجهت إلى نسيبة أسئلة بشأن الوقائع الواردة في الوثائق، لكنها رفضت الإجابة عنها. ويظل هذا الامتناع جزءا من سجل التعامل مع القضية، من دون أن يشكل بذاته دليلا على مسؤولية أو مخالفة.

  •  سباق الأمانة العامة: اختبار الاستقلال قبل الوصول إلى المنصب

تكتسب الملفات السابقة أهمية أكبر في ضوء طبيعة المنصب الذي تسعى نسيبة إلى توليه.

فالمادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الأمين العام يعين من الجمعية العامة بناء على توصية مجلس الأمن. أما المادة 100 فتحدد مبدأ استقلال الأمانة العامة عن تعليمات الحكومات، وهو أحد الأسس التي يفترض أن تحكم عمل الأمين العام.

وتنص المادة 27 على أن القرارات الموضوعية في مجلس الأمن تحتاج إلى تسعة أصوات مؤيدة، مع عدم اعتراض أي من الأعضاء الدائمين. وهذا يعني أن الوصول إلى المنصب لا يتوقف على كفاءة المرشح أو تأييد دولته وحدهما، بل يتطلب توافقا سياسيا داخل مجلس الأمن ثم تعيينا من الجمعية العامة.

وفي الاستطلاع غير الرسمي الذي أجراه مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، تصدرت ريبيكا غرينسبان النتائج بأحد عشر صوتا مؤيدا وأربعة معارضة، وجاء رافائيل غروسي بتسعة أصوات مؤيدة، وكارولين رودريغيز بيركيت بثمانية أصوات، بينما حصلت لانا نسيبة على سبعة أصوات مؤيدة وستة معارضة وصوتين بلا رأي.

لا تمثل هذه النتائج تصويتا رسميا نهائيا، لكنها تعطي مؤشرا على مستوى الدعم والتحفظ داخل المجلس، وتوضح أن ترشيح نسيبة يواجه منافسة سياسية حقيقية.

 من السودان واليمن إلى إبستين: أزمة ثقة أم خلاف سياسي؟

لا يمكن اختزال ملف لانا نسيبة في ظهور اسمها ضمن وثائق إبستين، كما لا يمكن اعتبار دفاعها عن الموقف الإماراتي دليلا تلقائيا على عدم أهليتها لتولي منصب دولي، لكن اجتماع هذه الملفات يفرض قراءة أوسع لسجلها العام.

كانت نسيبة من أبرز الوجوه الدبلوماسية التي نفت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات في السودان، وقت تضمنت فيه تقارير أممية ادعاءات وصفت بأنها ذات مصداقية بشأن الدعم العسكري عبر تشاد، وتوالت تقارير حقوقية بشأن شبكات الإمداد والمرتزقة والمعدات العسكرية.

وفي اليمن، دافعت عن التزام الإمارات بالقانون الدولي الإنساني، بينما وثقت منظمات حقوقية غارات جوية غير قانونية، وانتهى الخلاف السياسي حول آليات التحقيق إلى عدم تجديد ولاية فريق الخبراء البارزين.

وفي ملف إبستين، لا تثبت الوثائق علاقة شخصية أو جنائية بينه وبين نسيبة، لكنها توثق وجود اسمها في مراسلات تتعلق بدعوته إلى منتدى إماراتي، ثم مبادرتها إلى دعم ابن أحد أقرب مساعديه بخطاب رسمي صادر عن البعثة الإماراتية.

تضع هذه الوقائع مجتمعة مسألة الحكم المهني وتقدير المخاطر المؤسسية في صلب تقييم المرشحة. فالأمين العام لا يحتاج فقط إلى خبرة في التفاوض وإدارة العلاقات بين الدول، بل إلى قدرة على التعامل مع الملفات الحساسة باستقلال، وإلى سجل يطمئن الدول الأعضاء والرأي العام الدولي إلى أن علاقاته السابقة لن تتحول إلى قيود على قراراته المستقبلية.

لا تتعلق المسألة بإدانة نسيبة أو افتراض مسؤوليتها عن قرارات حكومتها، بل بمدى قدرتها على الانتقال من موقع الدفاع عن سياسات دولة بعينها إلى موقع يفترض أن يمثل مصالح المنظمة الدولية بأكملها.

في النهاية، لا تكشف الوثائق المتاحة عن إدانة جنائية بحق لانا نسيبة، ولا تثبت أنها كانت شريكة لإبستين أو على علم بكل تفاصيل علاقاته. لكنها تكشف عن سجل من الوقائع والاتصالات التي تستحق التدقيق، بالتوازي مع مواقفها من تقارير الأمم المتحدة بشأن السودان واليمن.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في ترشيحها: الدبلوماسية التي أمضت سنوات في الدفاع عن موقف حكومتها أمام المؤسسات الدولية تطلب اليوم قيادة المؤسسة التي يفترض أن تكون قادرة على مساءلة الحكومات، بما فيها الحكومة التي رشحتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top