لا تقاس قيمة المؤسسات بعدد السنوات التي مرت على تأسيسها فحسب، بل بقدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى رؤية للمستقبل. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة خطوة مكتب الإعلام في الاتحاد الإسلامي الكردستاني بإعلان تأسيس المجلس الأعلى للإعلاميين والصحفيين؛ فهي ليست مجرد إضافة هيكل تنظيمي جديد، بقدر ما تبدو محاولة لتحويل ربع قرن من التجربة الإعلامية إلى إطار مؤسسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة القادمة.
فخلال أكثر من خمسة وعشرين عاما، لم يكن إعلام الاتحاد الإسلامي الكردستاني شاهدا على التحولات التي مرت بها كردستان فحسب، بل كان جزءا من صناعتها والتفاعل معها. ومنذ الأيام الأولى لانطلاقته اختار أن يخوض تجربة صعبة؛ أن يجمع بين المهنية الإعلامية والرسالة الفكرية، وبين الانتماء الإسلامي والانتماء الوطني الكردي، في وقت كانت فيه الساحة تعج بالاستقطابات الحادة والقراءات المتناقضة للهوية والقضية.
وعلى امتداد الجغرافيا الكردستانية، من جبال هورامان إلى حلبجة، ومن السليمانية إلى كركوك وأربيل، ومن ربوع بهدينان ودهوك وعقرة إلى زاخو، لم يتعامل هذا الإعلام مع التنوع اللهجي والثقافي والاجتماعي بوصفه مشكلة ينبغي تجاوزها، بل باعتباره ثروة ينبغي استثمارها. فتحولت اللهجات المختلفة إلى جسور تواصل، وتحول التنوع الثقافي إلى مساحة أوسع لانتشار الرسالة الإعلامية ووصولها إلى مختلف شرائح المجتمع الكردي.
ولعل من أهم ما يمكن تسجيله لهذه التجربة أنها ساهمت في تثبيت معادلة فكرية بدت لكثيرين مستحيلة في مراحل سابقة؛ وهي أن الكردي لا يحتاج إلى التخلي عن إسلامه ليكون وفيا لقضيته القومية، كما لا يحتاج المسلم إلى التنكر لهويته القومية ليكون مخلصا لدينه. لقد عمل إعلام الاتحاد الإسلامي الكردستاني، بهدوء وصبر وتراكم طويل، على ترسيخ هذه الرؤية في الوعي العام، في وقت بذلت فيه جهود كبيرة لفصل القضية الكردية عن عمقها الحضاري الإسلامي وتصوير العلاقة بينهما بوصفها علاقة تناقض لا علاقة تكامل.
غير أن
القيمة الحقيقية لأي تجربة لا تظهر في قدرتها على البقاء فقط، بل في قدرتها على التجدد. فالعالم الإعلامي الذي عرفته الأجيال السابقة لم يعد موجودا اليوم. الصحف الورقية التي كانت تصنع الرأي العام تراجعت، والقنوات الفضائية التي احتكرت التأثير لعقود فقدت جزءا كبيرا من نفوذها، بينما انتقلت السلطة الإعلامية إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل والهواتف الذكية.
وفي خضم هذه التحولات، نجح إعلام الاتحاد الإسلامي الكردستاني في إنجاز انتقال هادئ ومتدرج من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الجديد. ولم يكن هذا النجاح أمرا يسيرا، خصوصا إذا ما قورن بحجم الموارد المتاحة وحجم المنافسة التي فرضتها مؤسسات إعلامية تمتلك إمكانات مالية وتقنية ضخمة. ومع ذلك استطاع أن يحافظ على حضوره وأن يجد لنفسه مكانا بين الفاعلين في المشهد الإعلامي الكردستاني.
لكن التحدي الذي يلوح في الأفق اليوم يختلف عن كل ما سبقه. فثورة الذكاء الاصطناعي لا تشبه الثورات التقنية السابقة، لأنها لا تغير أدوات العمل الإعلامي فقط، بل تعيد تعريفه من الأساس. نحن أمام واقع باتت فيه الآلة قادرة على كتابة النصوص، وإنتاج الصور، وصناعة الفيديوهات، وتحليل البيانات، بل وحتى التأثير في اتجاهات الرأي العام بدرجات غير مسبوقة.
إنها لحظة تاريخية لا تمنح المؤسسات رفاهية الانتظار. ومن هنا تكتسب خطوة تأسيس المجلس الأعلى للإعلاميين والصحفيين أهميتها الحقيقية. فالمجلس، في جوهره، ليس مجرد إطار تنظيمي، بل محاولة لتوحيد الخبرات المتناثرة، وتجميع الطاقات، وصياغة رؤية مشتركة للمستقبل. إنه مساحة للحوار بين الأجيال، وجسر يربط أصحاب التجربة الطويلة بالشباب الذين يدخلون عالم الإعلام في زمن مختلف تماما عن الزمن الذي عرفه الرواد الأوائل.
ولعل أكثر ما تحتاجه المؤسسات الإعلامية اليوم ليس المزيد من الأجهزة أو المنصات، بل المزيد من التفكير الجماعي والقدرة على استشراف القادم. فالذكاء الاصطناعي يفتح أبوابا واسعة للفرص، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر هائلة على المصداقية والهوية والقيم المهنية. والمؤسسات التي تنجح في التعامل مع هذا التحول ليست تلك التي ترفضه أو تنبهر به، بل تلك التي تفهمه وتطوعه لخدمة رسالتها.
من هنا يمكن النظر إلى المجلس الجديد باعتباره إحدى أدوات التكيف مع العصر، وخطوة استباقية تهدف إلى حماية التجربة الإعلامية وتطويرها في آن واحد. وإذا كان إعلام الاتحاد الإسلامي الكردستاني قد نجح خلال العقود الماضية في عبور مرحلة الانتقال من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي، فإن التحدي الجديد يتمثل في عبور مرحلة الذكاء الاصطناعي دون فقدان البوصلة الفكرية أو الرسالية.
إن المؤسسات الحية لا تخشى التغيير، بل تصنع منه فرصة للنمو. وتأسيس المجلس الأعلى للإعلاميين والصحفيين يبدو، في هذا السياق، تعبيرا عن وعي متقدم بأن المستقبل لا ينتظر، بل يستعد له. وربما تكون القيمة الحقيقية لهذه الخطوة أنها لا تنظر إلى ما تحقق خلال ربع قرن باعتباره نهاية رحلة ناجحة، بل تعتبره نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر تعقيدا، وأكثر احتياجا إلى العمل المؤسسي والرؤية الجماعية من أي وقت مضى.هذه النسخة أقرب إلى مقال رأي صحفي للنشر في موقع إخباري أو مجلة فكرية، وتبتعد عن اللغة الاحتفالية المباشرة لصالح تحليل هادئ يعطي المقال قوة ومصداقية أكبر.

