ﻻيزال الكون يخفي في ثناياه من العجائب والغرائب مايذهل اﻻنسان المعاصر الذي اغتر بنفسه وظن انه احاط بكل شيئ علما، طائر البارجروس” (Godwit)، يحلق في السماء 11 يوما قاطعا المحيطات ﻻ يتوقف وﻻ ينام وﻻ يأكل، فكيف كسر قواعد البيلوجيا التي عرفناها كقواعد ثابتة ونواميس ﻻ يمكن كسرها، لقد اذهل العلماء الكائن الصغير..
ففي عالم الطيور المهاجرة تبرز أسماء كثيرة اشتهرت بقدرتها على قطع آلاف الكيلومترات بحثا عن الدفء والغذاء، لكن قلما نجد طائرا يثير دهشة العلماء كما يفعل طائر “البارجروس” (Godwit)، الذي يحمل في جناحيه واحدة من أعظم قصص التحمل والملاحة في الطبيعة.
فبينما يحتاج الإنسان إلى التوقف المتكرر للراحة والطعام، يستطيع هذا الطائر أن يقطع رحلة تمتد لأكثر من أحد عشر يوما متواصلة فوق المحيط الهادئ، دون أن يلامس اليابسة أو يتوقف لتناول الطعام أو الشراب.
رحلة أسطورية عبر نصف الكرة الأرضية
ينتمي بطل قصتنا إلى مجموعة الطيور الخواضة التي تعيش في المناطق الرطبة والسواحل الطينية، إلا أن شهرته العالمية جاءت من قدرته الفريدة على الهجرة لمسافات قياسية.
وقد أثبتت أجهزة التتبع الفضائي التي ثبتها العلماء على عدد من الطيور أن بعض أفراد نوع البارجروس ذو الذيل المخطط (Bar-tailed Godwit) تنطلق سنويا من ألاسكا في أقصى شمال المحيط الهادئ، متجهة نحو نيوزيلندا وأستراليا، قاطعة أكثر من 12 ألف كيلومتر في رحلة واحدة متواصلة.
وفي بعض الحالات المسجلة تجاوزت المسافة 13 ألف كيلومتر، لتصبح إحدى أطول الرحلات الجوية المتواصلة المسجلة في عالم الحيوان.
كيف ينجح في الطيران 11 يوما بلا طعام؟
كيف ينجح في الطيران 11 يوما بلا طعام؟
قد يبدو الأمر مستحيلا للوهلة الأولى، لكن الخالق جل جلاله زود هذا الطائر بمنظومة مذهلة للبقاء.
قبل موعد الهجرة بأسابيع يبدأ في تناول كميات كبيرة من الغذاء، حتى يكاد يضاعف وزنه. ويتحول معظم هذا الوزن الإضافي إلى دهون عالية الكفاءة تعمل كخزان وقود طبيعي يغذي الطائر طوال الرحلة.
وخلال الاستعداد للهجرة تحدث تغييرات فسيولوجية مدهشة داخل جسمه، إذ تنكمش بعض الأعضاء الداخلية مؤقتا مثل أجزاء من الجهاز الهضمي، مما يخفف الوزن ويقلل استهلاك الطاقة، في حين تزداد كفاءة العضلات المسؤولة عن الطيران.
وبذلك يصبح جسم الطائر أشبه بطائرة بعيدة المدى صممت خصيصا لعبور المحيطات.
ماذا عن النوم خلال الرحلة؟
السؤال الذي حير العلماء طويلا هو: كيف يستطيع هذا الطائر البقاء في الجو لأيام متواصلة دون نوم؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الطيور المهاجرة تمتلك آليات نوم تختلف عن الإنسان. فبعضها يستطيع إراحة نصف الدماغ في الوقت الذي يبقى فيه النصف الآخر يقظا لمتابعة الطيران والملاحة.
كما يعتقد أنها تحصل على فترات قصيرة جدا من الراحة العصبية أثناء التحليق، وهو ما يمكنها من الاستمرار في رحلاتها الطويلة دون الحاجة إلى النوم التقليدي المعروف لدى البشر.
لذلك فإن القول بأنه “لا ينام إطلاقا” ليس دقيقا علميا، لكن الصحيح أنه لا يحصل على نوم كامل ومتواصل طوال مدة الرحلة.
نظام ملاحة يفوق الخيال
الأكثر إدهاشا من قدرة التحمل هو قدرة البارجروس على تحديد وجهته بدقة عبر آلاف الكيلومترات من المحيط المفتوح.
فهو يعتمد على مجموعة معقدة من وسائل الملاحة الطبيعية تشمل:
- موقع الشمس أثناء النهار.
- مواقع النجوم ليلا.
- المجال المغناطيسي للأرض.
- اتجاه الرياح والتيارات الجوية.
- معالم جغرافية وساحلية يتعرف عليها خلال مراحل الهجرة.
وتسمح له هذه القدرات بالوصول إلى وجهته بدقة مذهلة رغم أنه يقطع معظم رحلته فوق مساحات مائية شاسعة لا تحتوي على أي علامات إرشادية واضحة.
معجزة بيولوجية حقيقية
يرى علماء الأحياء أن البارجروس يمثل أحد أعظم النماذج التي خلقها الله في الطبيعة. فكل جزء من جسمه، من شكل الأجنحة إلى آلية تخزين الدهون وإدارة الطاقة، مصمم بطريقة تجعله قادرا على إنجاز ما يبدو مستحيلا.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه الإنسان بتطوير وسائل النقل الحديثة لعبور القارات، يواصل هذا الطائر الصغير رحلته السنوية منذ آلاف السنين، متحديا العواصف والمحيطات والمسافات الهائلة بجناحين لا يتجاوز امتدادهما بضعة عشرات من السنتيمترات.
رسالة من عالم الطيور
إن قصة البارجروس ليست مجرد معلومة علمية مثيرة، بل تذكير بعظمة الخلق ودقة النظام الذي أودعه الله في الكائنات الحية.
فهذا الطائر الذي لا يملك خرائط إلكترونية ولا أجهزة ملاحة ولا محطات للتزود بالوقود، يعبر نصف الكرة الأرضية بدقة وانتظام كل عام، في مشهد يجسد قول الله تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمٰن من تفاوت﴾.
ويبقى البارجروس شاهدا حيا على أن الطبيعة ما زالت تخبئ من الأسرار ما يفوق الخيال، وأن كثيرا من عجائب هذا الكون لا تزال تدعونا إلى التأمل والتفكر في بديع صنع الله تعالى.

