ترامب أمام أصول لوك أويل الروسية وسط جدل حول تضارب المصالح في مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا

 ترامب يبيع أصول روسيا لأصدقائه؟

 كيف تحولت مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا إلى صفقة نفطية بمليارات الدولارات

لم تعد مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا تدور فقط حول خطوط الجبهة والضمانات الأمنية والعقوبات. فقد دخل إلى طاولة التفاوض ملف أكثر حساسية: مستقبل أصول نفطية روسية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، ومن سيحصل عليها إذا فتحت نافذة العودة إلى الأسواق الأميركية والغربية.

وبحسب تقرير نشرته *نيويورك تايمز* ونقلته رويترز، فإن المحادثات الأميركية الروسية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا توسعت لتشمل صفقة محتملة للاستحواذ على الأصول الدولية لشركة لوك أويل الروسية. ووفق التقرير، طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المسألة خلال اجتماع عقده في الكرملين في 5 سبتمبر مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، باعتبار الصفقة المحتملة إشارة إلى إمكانية استئناف الأعمال التجارية بين روسيا والولايات المتحدة.

لكن السؤال الذي يجعل هذه القصة أكبر من مجرد صفقة نفطية هو؛ من هم المشترون المحتملون؟ ولماذا تبدو الدائرة المحيطة بهم متشابكة مع شبكة العلاقات التجارية والسياسية القريبة من إدارة ترامب؟

 من يشتري أصول لوك أويل؟

الأصول المعروضة ليست شركة صغيرة أو مجموعة محدودة من محطات الوقود. إنها محفظة دولية واسعة تضم حقولا نفطية ومصافي وشبكات توزيع ومحطات وقود في عدة دول.

وكانت لوك أويل قد أعلنت في يناير 2026 توقيع اتفاق مع شركة الاستثمار الأميركية Carlyle لبيع شركة Lukoil International GmbH، التي تمتلك غالبية أصولها الدولية، مع استثناء أصول كازاخستان. لكن الاتفاق ظل مشروطا بالموافقات التنظيمية الأميركية، فيما قالت الشركة إنها تواصل التفاوض مع مشترين محتملين آخرين.

ثم ظهر تحالف منافس يقوده المستثمر الأميركي تود بوهلي، وبحسب “فايننشال تايمز”، يضم التحالف المقترح بوهلي، ومؤسسة التمويل التنموي الدولية الأميركية DFC، والشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، إلى جانب عائلة الخياط القطرية. وتقدر الصحيفة قيمة الأصول بنحو 20 مليار دولار.

هنا تبدأ القصة السياسية

عندما تصبح الجهة التي تملك قرار الموافقة شريكا في الصفقة، أكثر عناصر الصفقة إثارة للأسئلة ليس وجود مستثمرين خليجيين أو أميركيين فحسب، وإنما وجود جهة حكومية أميركية داخل التحالف الاستثماري المحتمل، في الوقت الذي تمتلك فيه الإدارة الأميركية سلطة الموافقة على الصفقة نفسها.

مؤسسة DFC هي ذراع حكومية أميركية للاستثمار في المشاريع الخارجية، وبحسب التقارير، يمكن أن تحصل المؤسسة على حصة في الشركة الجديدة إذا تمت الصفقة. وفي الوقت نفسه، تحتاج عملية البيع إلى موافقة أميركية منفصلة من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة، المعروف باسم OFAC.

هذه البنية لا تثبت وحدها وجود مخالفة أو فساد، لكنها تخلق سؤال تضارب مصالح مشروعا:

إذا كانت الحكومة الأميركية طرفا في مجموعة استثمارية تسعى إلى شراء الأصول، وفي الوقت نفسه هي الجهة التي ستقرر ما إذا كان البيع مسموحا به أصلا، فكيف تفصل المصلحة التجارية عن القرار التنظيمي؟.

 شبكة ترامب تدخل المشهد

الأكثر حساسية أن بعض المستثمرين المحتملين ليسوا أسماء مستقلة عن عالم ترامب التجاري.

تود بوهلي، الذي يقود التحالف المنافس لCarlyle، هو مستثمر ملياردير معروف في الولايات المتحدة، وقد أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءا من شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية المحيطة بترامب.

أما عائلة الخياط القطرية، فقد ظهرت في مشاريع مرتبطة بعائلة ترامب ودائرة جاريد كوشنر، بما في ذلك مشروع عقاري فاخر في ألبانيا. وتذكر التقارير أن أفرادا من العائلة دخلوا في شراكات أو تعاملات مع شخصيات قريبة من إدارة ترامب.

ثم يأتي اسم أكثر أهمية في الخريطة؛ الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شقيق رئيس دولة الإمارات.

وبحسب التقارير، فإن كيانات مرتبطة بطحنون تشارك في التحالف المقترح للاستحواذ على أصول لوك أويل.

وهنا تتقاطع قصة لوك أويل مباشرة مع ملف سبق أن تناولناه في تقرير “إمبراطورية النفوذ: ترامب والإمارات وشبكة المصالح التي تتجاوز السياسة”

اقرأ التقرير السابق: إمبراطورية النفوذ — ترامب والإمارات وشبكة 

المصالح](https://mohammadsadk.com/إمبراطورية-النفوذ-ترامب-والإمارات-و/?utm_source=chatgpt.com)

ما كان في التقرير السابق يبدو كخريطة واسعة من العلاقات السياسية والمالية، يظهر هنا في حالة أكثر تحديدا؛ أصل روسي ضخم، عقوبات أميركية، مفاوضات سياسية، مستثمرون خليجيون، رجال أعمال قريبون من دائرة ترامب، ومؤسسة حكومية أميركية تجلس داخل التحالف المحتمل.

 هل يبيع ترامب أصول روسيا لأصدقائه؟

العنوان يطرح سؤالا، وليس حكما قضائيا؛ حتى الآن لا توجد أدلة منشورة تثبت أن ترامب أصدر قرارا بمنح أصول لوك أويل لأصدقائه، ولا أن كوشنر أو ويتكوف سيحصلان شخصيا على أموال من الصفقة.

بل إن الصفقة نفسها لم تكتمل؛ لكن السؤال الصحفي المشروع هو: هل تستطيع إدارة ترامب ضمان أن عملية بيع الأصول الروسية ستتم وفق معايير تنافسية مستقلة، أم أن شبكة العلاقات السياسية والتجارية المحيطة بها يمكن أن تؤثر في هوية المستفيدين؟

هذه ليست مسألة نظرية، إذ ان “فايننشال تايمز” وصفت وضع مشاركة DFC في التحالف بأنه يضع الحكومة الأميركية في وضع غير معتاد، لأن جهة حكومية تشارك في محاولة شراء أصول، بينما يتعين على الإدارة نفسها تقرير مصير الصفقة المنافسة.

وهنا تكمن أهمية المسألة؛ تضارب المصالح المحتمل لا يعني بالضرورة وقوع تضارب مصالح فعلي. لكنه يعني أن آلية اتخاذ القرار تحتاج إلى تدقيق أعلى من المعتاد.

 العقوبات الأميركية: من أداة ضغط إلى بوابة لإعادة توزيع الأصول؟

فرضت الولايات المتحدة عقوبات على لوك أويل في أكتوبر 2025، وقالت وزارة الخزانة إن الهدف هو الضغط على قطاع الطاقة الروسي وتقليص قدرة موسكو على تمويل حربها، لكن العقوبات خلقت في الوقت نفسه واقعا جديدا، الأصول الروسية الموجودة خارج روسيا أصبحت بحاجة إلى مشترين يستطيعون التعامل مع النظام الأميركي للعقوبات، وهكذا تحولت واشنطن من مجرد جهة تفرض العقوبات إلى حارس للبوابة التي تمر عبرها عملية بيع الأصول.

وتقول OFAC صراحة إن الترخيص الحالي يسمح بالتفاوض وإبرام عقود مشروطة، لكنه لا يسمح بإتمام البيع أو نقل الأصول دون ترخيص منفصل، كما تشترط واشنطن فصل الأصول عن لوك أويل، ووضع الأموال المستحقة للشركة في حساب خاضع للولاية الأميركية إلى حين رفع العقوبات، وتقول إن الصفقة يجب ألا تمنح لوك أويل “مكسبا مفاجئا” أو قيمة مقدمة لها.

وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يعني أن عبارة بيع أصول روسيا تخفي وراءها منظومة قانونية ومالية أميركية كاملة تتحكم في كيفية انتقال الملكية.

 لماذا تدخل الصفقة في مفاوضات الحرب؟

بحسب تقرير “نيويورك تايمز” الذي نقلته رويترز، قدم بوتين الصفقة باعتبارها وسيلة لإظهار أن الشركات الروسية والأميركية يمكن أن تعود إلى ممارسة الأعمال التجارية معا، هذا يجعل أصول لوك أويل أكثر من مجرد استثمار، إنها يمكن أن تصبح اختبارا مبكرا لشكل العلاقة الاقتصادية بين موسكو وواشنطن إذا حدث انفراج سياسي في الحرب الأوكرانية.

لكن يجب الفصل بين الأمرين.. وجود الصفقة على طاولة المفاوضات لا يعني أن روسيا قدمت تنازلات بشأن الحرب مقابلها، ولا يعني أن الصفقة ستؤدي إلى إنهاء الحرب، فهذه فرضية سياسية، وليست نتيجة مثبتة.

 لماذا الإمارات في قلب الصورة؟

وجود الشيخ طحنون بن زايد في التحالف المحتمل يضيف طبقة أخرى إلى القصة.

فالاستثمار الإماراتي لا يظهر هنا منفصلا عن شبكة المصالح الأميركية، بل داخل تحالف يضم مستثمرين أميركيين وقطريين ومؤسسة حكومية أميركية، في صفقة تتطلب موافقة الإدارة الأميركية نفسها، وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي طرحه تقرير “إمبراطورية النفوذ”:

هل نحن أمام تحالفات اقتصادية منفصلة، أم أمام شبكة متداخلة يصبح فيها السياسي ورجل الأعمال والمستثمر السيادي والشريك التجاري جزءا من منظومة واحدة؟ في حالة لوك أويل، لا تكفي الأدلة المتاحة للقول إن هناك منظومة فساد أو صفقة مصممة مسبقا لأصدقاء ترامب، لكنها تكفي للقول إن تشابك المصالح يستحق التدقيق.

 المفارقة الأكبر

المفارقة أن العقوبات التي صممتها واشنطن لمعاقبة موسكو وتقليص عائداتها يمكن أن تفتح، في حال إتمام بيع الأصول، واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع الملكية في القطاع النفطي الروسي خارج روسيا؛ والأهم أن السؤال لم يعد هل ستباع أصول لوك أويل؟ لكن من سيملكها بعد البيع؟ ومن سيقرر من يملكها؟ ومن يملك النفوذ على الجهة التي تمنح الموافقة؟.

إذا انتهت الأصول في يد تحالف يضم مستثمرين مقربين من دوائر ترامب التجارية والسياسية، وشركاء خليجيين لهم علاقات استثمارية مع تلك الدوائر، وذراعا حكومية أميركية تشارك في الملكية، فإن الصفقة ستتحول من مجرد عملية استحواذ نفطية إلى اختبار حقيقي للحد الفاصل بين السياسة الخارجية الأميركية والمصالح التجارية الخاصة.

 ما الذي يجب مراقبته؟

حتى الآن، الصفقة ليست نهائية، وهناك أربعة مؤشرات ستكشف الكثير خلال المرحلة المقبلة:

أولا: هل ستختار واشنطن تحالف بوهلي أم ستسمح بإتمام اتفاق Carlyle السابق؟

ثانيا: ما نسبة ملكية DFC في الكيان الجديد، ومن سيملك السيطرة الفعلية على مجلس الإدارة؟

ثالثا: هل ستنشر تفاصيل السعر وشروط التمويل والأطراف المستفيدة؟

رابعا: هل ستتغير شروط العقوبات الأميركية بما يسمح بإتمام الصفقة، أم ستظل الأصول معلقة بين العقوبات والمفاوضات؟

الإجابة عن هذه الأسئلة أهم من أي تصريح سياسي.

لأنها ستكشف ما إذا كانت أصول لوك أويل مجرد ورقة تفاوضية في الحرب الأوكرانية، أم أنها ستكون أحد أوائل الاختبارات العملية لعلاقة جديدة بين السياسة الأميركية والمال والطاقة وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

الثابت..

صفقة محتملة بمليارات الدولارات أصبحت مرتبطة بمفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا، وأن بين المشترين المحتملين رجال أعمال ومستثمرين تربط بعضهم علاقات تجارية بدائرة ترامب، إلى جانب مؤسسة حكومية أميركية، بينما تملك إدارة ترامب سلطة حاسمة في الموافقة على انتقال الأصول.

وهنا تحديدا تكمن القصة.

ليس في إثبات اتهام لم تثبته الوثائق، وإنما في مراقبة من يربح عندما تتحول العقوبات والحرب والمفاوضات إلى عملية لإعادة توزيع مليارات الدولارات من الأصول الروسية.

فإذا كانت الحرب تنتج إعادة رسم للحدود السياسية، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تنتج شيئا آخر؛ إعادة رسم خريطة الملكية، وفي هذه الخريطة، قد تكون الحدود بين النفوذ السياسي والمصلحة التجارية أضيق بكثير مما تبدو عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top