الليلة التي بحث فيها 23 مسلحا عن رجل غادر قبل وصولهم.. كيف نجا أردوغان من عملية مارماريس في 15 يوليو 2016؟

كانت مارماريس هادئة في تلك الليلة؛ البحر لا يعرف شيئا عن الانقلاب الذي كان يقترب، والفنادق المطلة على الساحل كانت تستعد لليلة صيفية أخرى.. في إحدى الفيلات القريبة من البحر، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقضي إجازته مع أسرته.

لكن في مكان آخر من تركيا، كانت الأوامر تتحرك في الاتجاه المعاكس.

لم يكن المخطط يستهدف السيطرة على مؤسسات الدولة وحدها؛ فقد كان أحد أهدافه الوصول إلى الرئيس نفسه.

فيلا هادئة على ساحل مارماريس ستتحول في الساعات التالية، إلى مسرح لواحدة من أخطر العمليات التي شهدتها تركيا في ليلة 15 يوليو 2016.

التفصيل الأكثر غرابة في القصة أن الرجال الذين جاءوا للقبض على الرئيس أو قتله وصلوا إلى المكان بعد أن غادره بقليل.

كانوا يبحثون عن رجل لم يعد هناك…

 قبل وصولهم بقليل

في تلك الليلة، المعلومات التي تصل إلى أردوغان قد غيرت مسار الأحداث.. غادر الرئيس مكان إقامته في مارماريس متجها إلى إسطنبول، قبل وصول القوة التي أرسلت إلى المنطقة لتنفيذ العملية.

وبحسب ملف الاتهام الذي أعدته النيابة العامة في موغلا، شارك في العملية فريق عسكري نقل بواسطة ثلاث مروحيات. 

من بين القوة التي نزلت إلى الأرض 23 عنصرا، فيما بقي طيارون وعناصر آخرون على متن المروحيات خلال مراحل من العملية. 

هنا بدأ السباق الحقيقي.

كان الفريق يعتقد أن الهدف لا يزال في مارماريس.. لكن الهدف كان قد غادر.

 الساعة الثانية فجرا: المروحيات تظهر في السماء

بعد منتصف الليل، وصلت المروحيات إلى منطقة مارماريس.

لم يكن الرجال الذين نزلوا منها جنودا عاديين.

كانوا عناصر مختارة من وحدات عسكرية مختلفة، بينهم أفراد من القوات الخاصة ووحدات البحث والإنقاذ القتالي وفرق أخرى، وقد أسندت إليهم مهمة الوصول إلى المكان الذي كان الرئيس يقيم فيه. 

نزل الرجال إلى الأرض.. أطلقوا النار في الهواء لإبعاد المدنيين عن المنطقة.

ثم بدأوا يتحركون نحو الفندق.

كانوا يعتقدون أن العملية دخلت مرحلتها الأخيرة.

لكنهم لم يعرفوا بعد أن الزمن سبقهم.

الفندق الذي أصبح فارغا

كان فندق Grand Yazıcı Club Turban أحد الأماكن التي ارتبطت بإقامة أردوغان في مارماريس.

وصل المسلحون إلى المنطقة وبدأوا البحث.

كان السؤال واحدا:

أين أردوغان؟

بحسب ملف الاتهام، سأل أفراد من القوة أشخاصا في المنطقة عن مكان إقامة الرئيس، وطلبوا معرفة المكان الذي كان فيه، ثم واصلوا تقدمهم نحو الفندق. 

الدقائق تمر ثقيلة كانها دهر.

كل دقيقة تعني أن المسافة بين الرئيس ومطار دالامان، ثم إسطنبول، تصبح أكبر.

وفي الداخل، كان رجال القوة يفتشون المكان الذي اعتقدوا أن الرئيس لا يزال فيه.

لكنهم لم يجدوه.

لقد وصلوا متأخرين.

 الغرفة التي كشفت فشل العملية

في مكان ما داخل الفندق، كان هناك دليل أكثر صمتا من أي شاهد.

مكان كان يفترض أن يكون فيه الرئيس، لكنه لم يعد كذلك.

السرير خال.

المكان الذي كان يشغله الرئيس لم يعد يحتوي على الهدف.

كانت الخطة مبنية على معلومة قديمة.

أما الواقع فقد تغير.

كان أردوغان قد غادر.

وهنا بدأت العملية تتحول من مهمة للعثور على الرئيس إلى معركة من أجل الهروب.

 عندما وصل رجال الشرطة

لم تعد القوة المسلحة تتحرك في فراغ.

كانت الشرطة قد بدأت بالتحرك.

ووقعت مواجهة مسلحة بين المهاجمين وقوات الأمن.

لم تكن المسافة بعيدة.

لم تكن هناك خطوط أمامية واضحة.

كان الفندق والمنطقة المحيطة به قد تحولا إلى مساحة اشتباك.

وسقط شرطيان قتيلين في الهجوم

وفي تلك اللحظة لم يعد السؤال: كيف يصلون إلى أردوغان؟

أصبح؛ كيف يخرجون من مارماريس؟

 المروحيات لم تعد تنتظرهم

كان المخطط يحتاج إلى وسيلة للخروج.

لكن العملية لم تسر كما أريد لها.

فقد غادرت المروحيات المنطقة، وأصبح أفراد القوة على الأرض بعيدين عن وسيلة النقل التي أوصلتهم إليها.

وبدل العودة إلى القاعدة، وجد الرجال أنفسهم داخل منطقة بدأت قوات الأمن التركية تطوقها.

فهربوا.

ليس عبر الطرق.

بل نحو الغابات والجبال.

كانوا يحملون أسلحتهم وذخيرتهم، ويحاولون الاختفاء في تضاريس مارماريس الوعرة.

 من مطاردة الرئيس إلى مطاردة الرجال

تحولت تركيا كلها تقريبا إلى شبكة بحث.

رجال الشرطة.

الدرك.

القوات الأمنية.

فرق خاصة.

مراقبة جوية.

أما أفراد المجموعة فقد أصبحوا الآن يعيشون في البرية.

كانوا يعرفون أن هواتفهم قد تصبح دليلا يقود إليهم، ولذلك حاول بعضهم التخلص من وسائل الاتصال.

لكن المشكلة لم تكن في الهاتف وحده.

فالعملية تركت وراءها آثارا كثيرة: أسلحة، ذخائر، مركبات، تحركات، شهود، ومسارات يمكن إعادة تركيبها بعد انتهاء الفوضى.

ومع مرور الأيام، بدأ أفراد المجموعة يتساقطون واحدا بعد الآخر.

 17 يوما بين الغابة والسجن

في الأيام التالية بدأت الاعتقالات.

عثر على بعض الفارين في أماكن اختباء بدائية، فيما تمكن آخرون من الانتقال إلى مناطق أخرى قبل أن تطالهم يد الأمن.

من أبرز الأسماء التي طاردتها السلطات “غوكهان شاهين سونميز أتش”، الذي ارتبط اسمه بقيادة العملية، إلى جانب “شكري سيمنط و “زكريا كوزو” و “تانر بربر” وغيرهم.

أما بعض المشاركين فظلوا هاربين لسنوات.

ومن بينهم “بوركاي كاراتيبي”.

كان قد اختفى منذ ليلة 15 يوليو 2016.

وظل اسمه ضمن المطلوبين.

عشر سنوات تقريبا مرت.

ثم ظهر اسمه من جديد في صيف 2026.

 بعد عشر سنوات… الكاميرا التي لم تنس وجهه

في أغسطس 2026، أعلنت السلطات التركية القبض على بوركاي كاراتيبي في ولاية أفيون قره حصار.

لكن هذه المرة لم تكن المطاردة تعتمد فقط على البحث التقليدي.

ساهمت أنظمة التعرف على الوجوه التابعة للاستخبارات التركية في تحديد هويته بعد رصد صور له في كاميرات مختلفة داخل المدينة، ثم قادت المتابعة التقنية إلى مكان اختبائه. 

بعد عشر سنوات، انتهت مطاردة آخر الفارين.

الرجل الذي خرج من مارماريس في ليلة الانقلاب ظل مطاردا حتى عاد إلى دائرة الضوء مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم تكن هناك مروحية تنتظره.

كانت هناك كاميرا.

ليلة مارماريس تتحول إلى ملف قضائي

لم تنته قصة مارماريس عند الغابة.

انتقلت إلى قاعات المحاكم.

كان ملف القضية ضخما، وشمل عشرات المتهمين، وتناول محاولة استهداف الرئيس، والانتهاكات المرتبطة بمحاولة الانقلاب، ومقتل شرطيين خلال الهجوم.

في القضية الرئيسية، صدرت أحكام قاسية بحق عدد كبير من المتهمين.

وحكم على 31 متهما بأربع عقوبات من السجن المؤبد المشدد، بينما صدرت أحكام أخرى متفاوتة بحق بقية المتهمين، كما فصلت ملفات بعض الفارين عن القضية الأصلية. 

ومن بين الذين صدرت بحقهم أربع عقوبات بالمؤبد المشدد كل من غوكهان شاهين سونميز أتش، وشكري سيمن، وزكريا كوزو، إضافة إلى عدد آخر من المتهمين. 

أما بوركاي كاراتيبي، فكان ملفه قد فصل عن القضية الأصلية بسبب فراره.

ثم جاءت لحظة القبض عليه في 2026.

 الرجل الذي نجا لأن دقيقة واحدة سبقت الرصاص

بعد عشر سنوات، يمكن قراءة ليلة مارماريس بطريقة مختلفة.

فهي لم تكن مجرد قصة محاولة اغتيال رئيس.

كانت قصة معلومات متضاربة.

أوامر تتحرك.

مروحيات تطير.

جنود يبحثون عن هدف.

ورجل غادر المكان قبل وصولهم.

الفارق بين نجاح العملية وفشلها لم يكن بالضرورة معركة طويلة.

في لحظة حاسمة، كان أحد الطرفين يتحرك بناء على معلومة لم تعد صحيحة.

كانوا يعرفون أين كان أردوغان.

لكنهم لم يعرفوا أين أصبح.

وهذه هي المفارقة التي تختصر ليلة مارماريس كلها:

23 رجلا نزلوا من السماء بحثا عن رئيس تركيا، لكنهم وصلوا إلى المكان الذي كان فيه قبل أن يصلوا إليه بدقائق.

وعندما فتحوا الباب، لم يجدوا الرجل الذي جاؤوا من أجله.

وجدوا فقط آثار رحيله.

وبين تلك اللحظة ولحظة القبض على آخر الفارين بعد عشر سنوات، امتدت قصة أخرى: قصة دولة تطارد بقايا العملية من الغابة إلى المحكمة، ومن الذاكرة إلى كاميرات المدن.

أما السؤال الذي بقي معلقا منذ تلك الليلة فهو:

ماذا كان سيحدث لتركيا لو تأخر أردوغان دقائق قليلة عن مغادرة مارماريس؟..

ربما لا يمكن للتاريخ أن يجيب عن سؤال من هذا النوع.

لكن المؤكد أن ليلة 15 يوليو 2016 كانت واحدة من اللحظات التي كان فيها الفاصل بين بقاء رئيس دولة ووصول قاتليه إليه… مجرد فارق في التوقيت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top