جوائز نوبل 2026 والفائزون وأبرز التحولات والجدل حول الجائزة

نوبل 2026: الفائزون والجوائز وأبرز المفاجآت والجدل الذي يحيط بالجائزة

 من التحكم في الخلايا العصبية بالضوء إلى اصطياد جسيمات قادمة من أعماق الكون

في كل عام، يأتي أسبوع نوبل محملا بأسماء جديدة تدخل كتب التاريخ؛ لكن نوبل 2026 تبدو مختلفة قليلا.

فخلف أسماء الفائزين في الطب والفيزياء والكيمياء، تظهر صورة أوسع لتحول العلم نفسه؛ أدوات تستطيع التحكم في نشاط الخلايا العصبية، وكاشفات عملاقة مدفونة في جليد القطب الجنوبي تلتقط جسيمات قادمة من أعماق الكون، وكيمياء قادرة على التمييز بين جزيئات تبدو كأنها صور مرآة لبعضها البعض.

تخضع مؤسسة نوبل نفسها في الوقت نفسه، لأسئلة متزايدة حول التمثيل والشفافية والاستقلال، فيما يأتي عام 2026 متزامنا مع الذكرى الـ125 لانطلاق الجوائز.

ولحد ساعة اعداد هذا التقرير 8 أكتوبر، أعلنت جوائز الطب والفيزياء والكيمياء. أما الأدب فيعلن عنها اليوم مساء، والسلام في 9 أكتوبر، والاقتصاد في 12 أكتوبر.

 نوبل 2026 ماذا تغير؟

التغيير الأكثر وضوحا ليس فقط في نوع الاكتشافات التي جرى تكريمها، وإنما في القيمة المالية للجائزة نفسها.

فقد رفعت مؤسسة نوبل قيمة كل جائزة في 2026 بمقدار مليون كرونة سويدية، لتصل إلى 12 مليون كرونة سويدية للفئة الواحدة.

وتقول مؤسسة نوبل إن الزيادة تأتي في عام الذكرى الـ125 للجائزة، وتهدف إلى الحفاظ على القيمة طويلة الأمد للمكون المالي للجائزة؛ لكن التغيير الأهم يقع في مكان آخر، العلم الذي تكافئه نوبل أصبح أكثر اعتمادا على أدوات تسمح للباحثين برؤية أشياء كانت في السابق خارج نطاق الرصد أو التحكم… وهذه السمة تظهر بوضوح في الجوائز الثلاث التي أعلنت حتى الآن.

 الطب: الضوء يصبح مفتاحا للدماغ

ذهبت جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026 إلى كل من “Karl Deisseroth” و ” Peter gemann” و “Georg Nagel” عن اكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية الحساسة للضوء وتطوير علم البصريات الوراثية – Optogenetics.

القصة بدأت من كائن يبدو بعيدا جدا عن عالم الأعصاب البشرية، طحلب وحيد الخلية، اكتشف Hegemann وNagel بروتينا حساسا للضوء يعرف باسم Channelrhodopsin. ثم نقل Karl Deisseroth الفكرة إلى علم الأعصاب، وحول البروتين إلى مفتاح يمكن استخدامه للتحكم في الخلايا العصبية بواسطة الضوء.

هنا حدث التحول، بدلا من الاكتفاء بمراقبة نشاط الدماغ، أصبح العلماء قادرين على التدخل في نشاط مجموعات محددة من الخلايا العصبية وتشغيلها أو إيقافها في ظروف تجريبية، وهذا أعطى علم الأعصاب أداة جديدة لدراسة العلاقة بين الخلايا العصبية وبين:

* الذاكرة.

* المشاعر.

* السلوك.

* دوائر الدماغ.

* بعض الاضطرابات العصبية والنفسية.

 لماذا تعتبر هذه الجائزة مهمة؟

لأن نوبل لم تكافئ علاجا واحدا لمرض واحد، إنها كافأت أداة بحثية غيرت طريقة دراسة الدماغ نفسه، وهنا تظهر إحدى أهم سمات نوبل 2026؛ بعض الإنجازات التي يجري تكريمها ليست نهاية طريق علمي، بل أدوات لفتح طرق جديدة.

 الفيزياء: مختبر بحجم كيلومتر تحت جليد القطب الجنوبي

في الفيزياء، منحت الجائزة إلى “Francis Halzen” عن مساهماته الحاسمة في مرصد “IceCube Neutrino Observatory” واكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة ذات الأصل الفلكي.

النيوترينو واحد من أكثر الجسيمات مراوغة في الطبيعة، فهو يمر عبر المادة بصورة تكاد تكون غير محسوسة، ويمكن لمليارات منه أن تمر عبر أجسادنا والأرض دون أن نشعر بها، لكن Halzen رأى في هذه الخاصية فرصة.

إذا كانت النيوترينوات تستطيع عبور المادة بهذه السهولة، فقد تحمل إلينا معلومات من مناطق بعيدة وعنيفة في الكون لا تستطيع التلسكوبات التقليدية كشفها بالطريقة نفسها.

ومن هنا جاء مشروع IceCube، ففي أعماق جليد القطب الجنوبي، توجد شبكة ضخمة من أجهزة الاستشعار الضوئية تغطي نحو كيلومتر مكعب من الجليد، وتبحث عن الومضات النادرة الناتجة عندما تتفاعل النيوترينوات مع المادة.

 ما الذي تغير؟ لم يعد الكون يدرس فقط عبر الضوء، أصبح العلماء يستخدمون الجسيمات القادمة من أعماقه رسائل كونية، وهذا يقود إلى ما يسمى بعلم فلك النيوترينو، الذي يفتح نافذة مختلفة على أكثر البيئات الكونية طاقة وعنفا.

 الكيمياء: كيف نختار “يد” الجزيء؟

جائزة نوبل في الكيمياء ذهبت إلى؛ “Henri B. Kagan” و “Kenso Soai” عن أبحاثهما في الكيمياء العضوية غير المتناظرة والعمليات التي تسمح بتضخيم عدم التماثل الجزيئي.

قد تبدو الفكرة مجرد تفصيل كيميائي شديد التخصص، لكنها في الحقيقة مرتبطة مباشرة بصناعة الأدوية، بعض الجزيئات تأتي في شكلين يمثل أحدهما صورة مرآة للآخر، تماما مثل اليد اليمنى واليد اليسرى، قد يكون الشكلان متشابهين كيميائيا، لكنهما يتصرفان بشكل مختلف داخل جسم الإنسان.

لهذا فإن قدرة الكيميائيين على إنتاج الشكل الجزيئي المطلوب بدقة يمكن أن تؤثر في فعالية الدواء وسلامته، وقد ساهمت أعمال Kagan وSoai في فهم كيفية نشوء هذا الاختلاف وكيف يمكن تضخيمه والتحكم فيه أثناء التفاعلات الكيميائية.

من الكيمياء إلى الدواء؛ هذه النقطة هي التي تجعل الجائزة ذات أهمية تتجاوز المختبر، فالكيمياء الفراغية أو “يد الجزيء” ليست مسألة نظرية فقط؛ بل تدخل في تطوير أدوية كثيرة.

لهذا ارتبطت قضية التحكم في الشكل الجزيئي تاريخيا بمأساة الثاليدوميد، التي كشفت بصورة مأساوية أهمية التمييز بين الأشكال الجزيئية المختلفة للمركب الدوائي.

 ثلاث جوائز… وثلاثة اتجاهات للعلم

عند جمع الجوائز الثلاث، تظهر صورة مثيرة للاهتمام:

| المجال    | الفائزون                                               | الفكرة الأساسية                              

| ——–  | ——————————————————————– 

| الطب     | Deisseroth – Hegemann – Nagel  | التحكم في نشاط الخلايا العصبية بالضوء   

| الفيزياء  | Francis Halzen                                | رصد النيوترينوات القادمة من أعماق الكون 

| الكيمياء | Henri Kagan – Kenso Soai             | التحكم في عدم التناظر الجزيئي           

هذه الإنجازات لا تنتمي إلى المجال نفسه، لكنها تلتقي في فكرة واحدة هي زيادة قدرة الإنسان على الرصد والتحكم في مستويات أكثر دقة من الطبيعة.

-في الدماغ: خلية عصبية.

-في الكون: جسيم شبه مستحيل الرصد.

-في الكيمياء: الشكل الفراغي لجزيء.

وهذا ربما يكون أحد أهم مفاتيح قراءة نوبل 2026.

 نوبل والسلام: المؤسسة نفسها تدخل مرحلة مراجعة

الجدل الأهم مؤسسيا هذا العام لا يأتي من جوائز العلوم، وإنما من جائزة نوبل للسلام، ففي مارس 2026 أعلنت لجنة نوبل النرويجية اعتماد إطار أخلاقي جديد بعد اتهامات أثارت أسئلة حول الحياد والعلاقات الخارجية لأحد أعضائها السابقين.

الأهم أن اللجنة أقرت صراحة بأن إجراءاتها القديمة لم تعد كافية، خصوصا الاعتماد الكبير على التوضيحات الشفهية والثقة المتبادلة بدلا من التوثيق المكتوب.

لذلك أدخلت اللجنة مجموعة من الإجراءات الجديدة، أبرزها:

– سجل سنوي لمصالح أعضاء اللجنة.

– الكشف عن الوظائف والمناصب والمصالح المالية.

– تسجيل الهدايا والسفر.

– إخضاع سجل الإفصاح لمراجعة خارجية.

– تشديد إجراءات التوثيق والأرشفة.

– تطبيق قدر من الشفافية بأثر رجعي على فترة عضوية الأعضاء الحاليين.

أبقت اللجنة في الوقت نفسه، على سرية الترشيحات والمداولات لمدة 50 عاما، وهنا تظهر معادلة صعبة، كيف يمكن حماية استقلال الجائزة من الضغط السياسي والإعلامي، من دون أن تتحول السرية إلى عائق أمام المساءلة؟.

اللجنة تقول إن السرية ضرورية لحماية المرشحين والمرشحين ومنع التأثير غير المشروع في العملية، لكنها في الوقت نفسه تقر بأن الشفافية في الجوانب الإدارية والأخلاقية ضرورية للحفاظ على الثقة، وهذه هي إحدى أهم التحولات المؤسسية في نوبل 2026.

 جائزة السلام في قلب عالم أكثر اضطرابا

حتى قبل إعلان الفائز، تحولت جائزة السلام 2026 إلى موضوع سياسي وإعلامي عالمي.

تلقت اللجنة 287 ترشيحا هذا العام، لكن أسماء المرشحين الرسمية تبقى سرية وفق قواعد نوبل، ولذلك فإن الأسماء التي يعلن سياسيون أو جهات مختلفة أنهم رشحوها لا تمثل بالضرورة قائمة رسمية منشورة من اللجنة.

يأتي الإعلان في 9 أكتوبر في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب، مع حروب وأزمات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وتغيرات في النظام الدولي.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أبرز الشخصيات التي تحدثت علنا عن استحقاقه للجائزة، وقال في 7 أكتوبر إنه يرى نفسه مستحقا لها، مع إبدائه شكوكا في حصوله عليها. وفي المقابل، تظل اللجنة نفسها غير ملزمة بالتعليق على الترشيحات الفردية أو تأكيدها.

هنا ينبغي التفريق صحفيا بين أمرين؛ الأول الترشيح المعلن من جهة ما، والترشيح الذي تؤكده لجنة نوبل. الثاني غير متاح للجمهور في هذه المرحلة.

 لماذا تبدو جائزة السلام مختلفة عن بقية جوائز نوبل؟

الجوائز العلمية تستطيع في العادة أن تشير إلى اكتشاف أو إنجاز يمكن وصفه وتقييمه داخل المجتمع العلمي، أما السلام، فيرتبط مباشرة بالصراعات السياسية والأمنية والدبلوماسية، لهذا فإن اختيار الفائز يمكن أن يتحول إلى رسالة سياسية ورمزية، حتى لو كانت اللجنة نفسها تصفه بوصفه تكريما لمن يعمل من أجل السلام.

وقد قال سكرتير لجنة نوبل للسلام Kristian Berg Harpviken إن اللجنة تنظر إلى الأشخاص والمؤسسات التي تبني السلام في عالم يشهد تحولا في النظام الدولي، وهكذا فإن جائزة 2026 ستكون اختبارا مزدوجا؛ لمن ستمنح الجائزة؟ و ما الرسالة التي سيقرأها العالم من وراء الاختيار؟

 نوبل 2026 والذكاء الاصطناعي: الغائب الحاضر

هناك مفارقة أخرى تستحق الانتباه؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم محركات البحث العلمي في العالم، ويدخل بصورة متزايدة في اكتشاف الأدوية، وتحليل البيانات، والفيزياء، والكيمياء.

مع ذلك، فإن الجوائز العلمية الثلاث المعلنة حتى الآن لا تكافئ الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالا مستقلا، هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي غائب عن العلم، بل ربما يشير إلى طبيعة نوبل نفسها؛ الجائزة لا تمنح لمجرد امتلاك أداة قوية، وإنما لإنجاز علمي ترى اللجان أنه أحدث تحولا جوهريا في المعرفة.

هنا يمكن طرح سؤال سيزداد أهمية خلال السنوات المقبلة؛ هل سنشهد نوبل تكرم اكتشافا صنعه الإنسان بمساعدة الذكاء الاصطناعي، أم اكتشافا لا يمكن للإنسان الوصول إليه من دونه؟ هذا السؤال لم تحسمه نوبل 2026، لكنه أصبح جزءا من مستقبل الجائزة.

 ما الذي لم تعلنه نوبل بعد؟

حتى تاريخ 8 أكتوبر 2026، لم تكتمل الصورة النهائية

-الأدب: الإعلان اليوم 8 أكتوبر.

-السلام: الإعلان الجمعة 9 أكتوبر الساعة 11 صباحا بتوقيت وسط أوروبا.

-الاقتصاد: الإعلان الاثنين 12 أكتوبر.

 نوبل 2026 بجملة واحدة

إذا كان لا بد من اختزال جوائز هذا العام في فكرة واحدة، فهي؛ العلم يقترب أكثر من الأشياء التي كانت تبدو عصية على الرؤية والسيطرة: خلية عصبية داخل الدماغ، جسيم شبح يعبر الكون، وجزيء لا يكشف اختلافه إلا عندما ننظر إليه من زاوية مجهرية.

لكن في الجهة الأخرى، تواجه نوبل نفسها سؤالا من نوع مختلف، كيف تحافظ المؤسسة التي تمنح الشرعية العلمية والرمزية على الثقة بها في عالم أصبحت فيه السياسة والمال والإعلام والتمثيل والشفافية جزءا من المعركة على صناعة المكانة؟.

هنا تكمن القصة الأهم في نوبل 2026، فالجائزة لا تقول لنا فقط من اكتشف ماذا.

إنها تكشف أيضا إلى أين يتجه العلم، وكيف تتغير المؤسسة التي تختار من سيدخل التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top