في عصر تتزايد فيه أمراض القلب والسكري والسمنة والاضطرابات النفسية، يبحث كثير من الناس عن حلول معقدة وبرامج رياضية مكلفة للحفاظ على صحتهم؛ لكن المفارقة أن إحدى أكثر الوسائل فعالية لتحسين الصحة العامة متاحة للجميع، ولا تحتاج إلى أجهزة أو اشتراكات أو مدربين، إنها: المشي.
ولم يعد المشي مجرد نشاط يومي عادي، بل أصبح موضوعا لعشرات الآلاف من الدراسات العلمية التي تناولت تأثيره على القلب والدماغ والعضلات والمناعة والصحة النفسية وطول العمر.
فماذا يقول العلم الحديث عن المشي؟ ولماذا يصفه بعض الباحثين بأنه “الدواء الذي لا يباع في الصيدليات”؟
المشي مؤشر على الصحة العامة وطول العمر
أظهرت دراسة واسعة نشرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) وشملت أكثر من 34 ألف شخص تجاوزوا الخامسة والستين من العمر أن سرعة المشي ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة الصحية العامة ومعدلات البقاء على قيد الحياة.
ويرى الباحثون أن المشي ليس مجرد حركة للقدمين، بل هو انعكاس مباشر لكفاءة أجهزة الجسم المختلفة، ومنها:
الجهاز العصبي، القلب والأوعية الدموية، الجهاز التنفسي، العضلات والعظام، أجهزة التوازن والإدراك الحسي.
لذا فإن تراجع القدرة على المشي أو بطء المشية قد يكون في بعض الأحيان مؤشرا مبكرا على وجود مشكلات صحية تحتاج إلى متابعة.
ماذا يحدث داخل جسم الانسان أثناء المشي؟
قد يبدو المشي عملية بسيطة، لكنه في الحقيقة نشاط بيولوجي معقد؛ فعندما يخطو الإنسان خطوة واحدة فقط تعمل عشرات العضلات ومئات الأوتار والأربطة بصورة متناسقة، بينما يستقبل الدماغ باستمرار معلومات من العينين والأذنين والأعصاب الطرفية لضبط التوازن واتجاه الحركة.
ويقدر العلماء أن الدماغ يجري عمليات معالجة عصبية مستمرة أثناء المشي للحفاظ على استقرار الجسم وتجنب السقوط أو فقدان التوازن.
تأثير المشي على صحة القلب والدورة الدموية
يجمع الأطباء على أن المشي المنتظم من أفضل الأنشطة لصحة القلب،، وقد أثبتت الدراسات أن المشي المنتظم يؤدي إلى:
-خفض ضغط الدم.
-تقليل الكوليسترول الضار.
-تحسين كفاءة الدورة الدموية.
-تقليل احتمالات الإصابة بأمراض القلب.
-خفض خطر السكتة الدماغية.
كما أن انقباض عضلات الساقين أثناء المشي يساعد على إعادة الدم الوريدي نحو القلب، وهو ما يخفف من الركود الوريدي ويحسن تدفق الدم في الأطراف.
كيف يحمي المشي الدماغ والذاكرة؟
من أكثر النتائج العلمية إثارة للاهتمام ما توصلت إليه أبحاث الأعصاب الحديثة حول العلاقة بين المشي وصحة الدماغ؛ حيث أظهرت دراسة أجرتها جامعة بيتسبرغ أن ممارسة المشي الهوائي بانتظام تسهم في الحفاظ على حجم منطقة الحصين (Hippocampus)، وهي المنطقة المسؤولة عن الذاكرة والتعلم.
كما تبين أن النشاط البدني المنتظم يساعد على تحسين التركيز ودعم الذاكرة، وتقليل التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر، إلى جانب تقليل خطر الإصابة بالخرف.
المشي والصحة النفسية
لا تقتصر فوائد المشي على الجسد فقط، بل تمتد إلى النفس والعقل، وقد أشارت الدراسات إلى أن المشي المنتظم يساعد على:
- تقليل التوتر.
- تخفيف أعراض القلق.
- تحسين المزاج.
- زيادة الشعور بالرضا النفسي.
- تحسين جودة النوم.
ويرجع ذلك جزئيا إلى زيادة إفراز بعض المواد الكيميائية الدماغية المرتبطة بالشعور بالسعادة والاستقرار النفسي.
المشي في الهدي النبوي
كان المشي جزءا أصيلا من حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد وصف الصحابة الكرام مشيته بأنها مشية قوية مفعمة بالنشاط والعزم، فقالوا: “كأنما ينحط من صبب”، وقالوا أيضا: “كأنما يتقلع من صخر”.
كما كان صلى الله عليه وسلم يزور مسجد قباء، ويسير في قضاء حوائج الناس، ويخالط أصحابه في أسفاره وتنقلاته، وهذه النصوص لا تقدم باعتبارها أدلة علمية، وإنما بوصفها نماذج عملية تعكس أهمية الحركة والنشاط في حياة المسلم.
كم نحتاج من المشي يوميا؟
توصي منظمة الصحة العالمية البالغين بالحصول على ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني المعتدل أسبوعيا، أو 75 دقيقة من النشاط المكثف، ويمكن تحقيق جزء كبير من هذه التوصيات من خلال المشي المنتظم.
أما الرقم الشائع “10000 خطوة يوميا” فهو هدف تحفيزي جيد، وإن كانت الدراسات الحديثة تشير إلى أن الفوائد الصحية تبدأ بالظهور حتى عند أعداد أقل من ذلك.
مختصر فوائد المشي
- تحسين صحة القلب.
- خفض ضغط الدم.
- تحسين الذاكرة والتركيز.
- تقوية العضلات والعظام.
- المساعدة في ضبط الوزن.
- تحسين النوم.
- تقليل التوتر والقلق.
- خفض خطر الإصابة بالخرف.
- تعزيز الصحة العامة وطول العمر.
ختاما أقول:
حين يتأمل الإنسان في حياته اليومية، يكتشف أن المشي ليس مجرد وسيلة للانتقال من مكان إلى آخر، بل هو إحدى أعظم النعم التي أنعم الله بها عليه. فهذه الحركة التي تبدو عادية وبسيطة تخفي وراءها منظومة مدهشة من التناسق بين الدماغ والأعصاب والعضلات والعظام والقلب والرئتين، حتى أصبحت موضع دراسة واسعة في الطب الحديث وعلوم الحركة.
في زمن تتعقد فيه وسائل العلاج وتتزايد تكاليف الرعاية الصحية، يبقى المشي واحدا من أبسط وأعظم العادات التي يمكن للإنسان أن يداوم عليها.
إنه نشاط مجاني، متاح للجميع، ومدعوم بآلاف الدراسات العلمية التي تؤكد أثره الإيجابي على القلب والدماغ والنفس والجسد.
ولعل أجمل ما في المشي أنه لا يحتاج إلا إلى خطوة أولى، ثم خطوة أخرى، لتبدأ رحلة طويلة نحو صحة أفضل وحياة أكثر نشاطا، فهو ليس مجرد حركة للأقدام، بل هو حوار متكامل بين الجسد والعقل والروح. وكل خطوة يخطوها الإنسان هي رسالة حياة تبعثها أعضاؤه إلى بعضها بعضا، تؤكد أن الحركة صحة، وأن السعي سنة من سنن الله في خلقه.

