رجل متسلط يتحكم بخيوط تحرك مجموعة من أصحاب الخبرات والعقول، في مشهد يرمز إلى الهيمنة وتعطيل التفكير المستقل داخل المؤسسات. نسخ النص البديل

 قوة شخص تحتاج إلى غباء شخص آخر

ليس من الضروري أن يكون الحاكم أكثر ذكاء من المحكومين، ولا أن يكون قائد الحزب أعلم من أعضائه، ولا أن يمتلك رئيس الجماعة خبرات تفوق خبرات جميع العاملين معه. 

مع ذلك، قد يجد شخص واحد نفسه في موقع يهيمن فيه على جماعة تضم أساتذة جامعات، وأصحاب شهادات عليا، وخبراء في الإدارة والاقتصاد والسياسة، وأشخاصا يمتلكون من القدرات العقلية ما يؤهلهم لقيادة مؤسسات أكبر من تلك التي يخضعون فيها لسلطته.

كيف يحدث ذلك؟

كيف يستطيع فرد واحد أن يتحكم في قرارات حزب، أو يفرض إرادته على جماعة، أو يختزل مؤسسة كاملة في شخصه، بينما يقف حوله عشرات ممن يفترض أنهم قادرون على التفكير والتحليل والمناقشة واتخاذ القرارات؟.

هل يعود الأمر دائما إلى قوة القائد وذكائه وقدرته على التأثير؟ أم أن جزءا من هذه القوة يأتي من استعداد الآخرين للتخلي عن عقولهم، وتعطيل خبراتهم، والتنازل عن حقهم في الاعتراض؟.

الحقيقة التي تستحق التأمل أن قوة بعض الأشخاص لا تفسر بما يمتلكونه وحدهم، بل بما يقبله الآخرون منهم أيضا.

 حين يصبح شخص واحد أكبر من المؤسسة

تبدأ الحكاية غالبا بصورة تبدو طبيعية. شخص يمتلك كاريزما، أو خبرة، أو تاريخا من الإنجازات، أو قدرة على التواصل والتأثير. تنجح المؤسسة في مرحلة ما تحت قيادته، فيحظى بالاحترام والتقدير، وربما يكون هذا التقدير مستحقا بالفعل.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاحترام إلى حصانة، والقيادة إلى امتياز دائم، والثقة إلى تفويض غير مشروط.

في البداية، يستشار القائد لأنه يمتلك الخبرة. ثم تقبل قراراته لأن الآخرين يثقون به. وبعد ذلك، يصبح الاعتراض عليه موضع استغراب، ثم يتحول إلى مصدر للقلق، وربما إلى تهمة بعدم الوفاء أو التشكيك في النيات.

شيئا فشيئا، تتغير طبيعة المؤسسة.

لم يعد السؤال: ما القرار الأفضل؟

بل أصبح: ما القرار الذي يرضي القائد؟

ولم يعد الأعضاء يناقشون الأفكار بحثا عن الحقيقة، بل يحاولون معرفة ما يريده الشخص صاحب النفوذ، ثم يصوغون مواقفهم بما يتوافق مع إرادته.

هنا لا يعود القائد مجرد فرد داخل المؤسسة؛ بل تصبح المؤسسة نفسها أسيرة له، وتتحول خبرات أعضائها إلى أدوات لتبرير قراراته بدلا من أن تكون وسائل لتصحيحها.

 كيف يخضع أصحاب العقول لشخص واحد؟

قد يبدو الأمر متناقضا: كيف يقع المتعلم في الخطأ نفسه الذي يقع فيه الجاهل؟ وكيف يعجز الخبير عن رؤية ما يراه الإنسان العادي بوضوح؟

لكن الشهادات العلمية لا تمنح صاحبها حصانة من الخوف، والخبرة المهنية لا تمنع الإنسان من البحث عن القبول، والذكاء لا يضمن الاستقلال في اتخاذ القرار.

فثمة فرق كبير بين أن يمتلك الإنسان عقلا قادرا على التفكير، وأن يمتلك الشجاعة لاستخدام هذا العقل عندما يكون التفكير المستقل مكلفا.

قد يعرف عضو الحزب أن قرارا معينا خاطئ، لكنه يخشى أن يؤدي اعتراضه إلى خسارة موقعه. وقد يدرك أحد أعضاء مجلس الإدارة أن المؤسسة تسير في اتجاه خطير، لكنه يفضل الصمت حفاظا على مصالحه. وقد يرى أحد العاملين في جمعية أن رئيسها يتجاوز صلاحياته، لكنه يخشى أن يتهم بإثارة الخلاف أو شق الصف.

وفي كل مرة يختار فيها هؤلاء الصمت، تزداد سلطة الشخص الذي يخشون الاعتراض عليه.

ليس بالضرورة أن يقتنعوا بصحة قراراته؛ يكفي أن يتصرفوا كما لو كانوا مقتنعين بها.

وهكذا يمكن أن يجتمع في المؤسسة الواحدة أشخاص يعرفون الحقيقة، وآخرون يشكون فيها، وفريق ثالث يملك القدرة على كشفها، لكن الجميع يواصلون السير في الاتجاه نفسه لأن أحدا لا يريد أن يكون أول من يقول: إننا نسير في الطريق الخطأ.

 صناعة الطاعة: من الخوف إلى التبرير

لا تحتاج الهيمنة دائما إلى القوة المباشرة. فقد تكون أكثر نجاحا عندما تجعل الخاضعين لها يشاركون في حمايتها، بل ويدافعون عنها.

وتحدث هذه العملية عبر آليات متداخلة.

أولا: احتكار تفسير المصلحة العامة.

يقنع القائد المحيطين به بأنه الأقدر على فهم مصلحة الحزب أو الجماعة أو الجمعية. ومع الوقت، يصبح موقفه الشخصي مرادفا لمصلحة المؤسسة، ويصبح نقده اعتراضا على المؤسسة نفسها.

ثانيا: تحويل الولاء إلى معيار للكفاءة.

بدلا من تقييم الأشخاص على أساس خبراتهم وإنجازاتهم، يبدأ تقييمهم وفق قربهم من مركز النفوذ. يتقدم المطيع، ويتراجع المستقل، ويجد صاحب الرأي المختلف نفسه خارج دائرة التأثير، حتى لو كان أكثر كفاءة من أولئك الذين يحظون بالثقة.

ثالثا: تخويف الجماعة من البديل.

قد يقال للأعضاء إن المؤسسة ستنهار إذا غادر القائد، وإن الخلاف معه سيؤدي إلى الانقسام، وإن أي تغيير في القيادة يهدد تاريخ الجماعة ومستقبلها.

وبذلك يصبح الخوف من الفراغ وسيلة لإدامة الوضع القائم، حتى عندما يكون هذا الوضع هو نفسه سبب تراجع المؤسسة.

رابعا: توزيع المسؤولية حتى تختفي.

حين يتخذ القائد قرارا خاطئا، يستطيع كل فرد أن يجد لنفسه مبررا: لم أكن صاحب القرار، الجميع وافقوا، لم أرد إثارة المشكلة، أو لم يكن أمامي خيار آخر.

لكن اجتماع هذه المبررات الفردية ينتج مسؤولية جماعية لا يريد أحد تحملها، ويمنح صاحب السلطة فرصة للاستمرار دون مساءلة حقيقية.

 الغباء الذي يصنع القوة

ليس المقصود بالغباء هنا نقص الذكاء أو ضعف التحصيل العلمي، بل حالة يتوقف فيها الإنسان عن استخدام قدرته على الحكم المستقل، ويستبدل بها الطاعة العمياء أو التبرير المتعمد أو التسليم لما تقرره الجماعة.

قد يكون الإنسان ذكيا في إدارة أعماله، بارعا في تخصصه، واسع الاطلاع في مجاله، لكنه حين يتعلق الأمر بقائده أو حزبه أو جماعته، يصبح مستعدا لقبول ما يرفضه في أي سياق آخر.

يرى التناقض، لكنه يبحث عن تفسير يخفف منه. يسمع الحجة، لكنه ينشغل بالطعن في صاحبها. يكتشف الخطأ، لكنه يخشى الاعتراف به لأن ذلك قد يجبره على مراجعة سنوات من الولاء والدفاع والتبرير.

وهنا تظهر المفارقة: قد لا يحتاج الشخص المهيمن إلى أن يكون عبقريا؛ فقد تكفيه جماعة من الأذكياء الذين لا يستخدمون ذكاءهم في مساءلته.

وكلما ازداد عدد الذين يبررون قراراته، بدا أكثر قوة. وكلما خفتت الأصوات المستقلة، بدا أكثر حكمة. وكلما أقصي أصحاب الرأي المخالف، ظهر محاطا بأشخاص يؤكدون له أنه على صواب.

لكن هذه الصورة قد تكون خداعا متبادلا: القائد يظن أن صمت الآخرين دليل على صحة قراراته، والأعضاء يظنون أن قوة القائد تعني أنهم لا يستطيعون تغييره.

والنتيجة أن الجميع يسهمون، بدرجات مختلفة، في صناعة واقع قد يكون أول ضحاياه هم أنفسهم.

 لماذا تفشل المؤسسات رغم امتلاكها الكفاءات؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب حزبا أو جمعية أو مؤسسة ليس غياب الكفاءات، بل وجودها دون أن تكون قادرة على التأثير.

فالمؤسسة التي تضم خبراء في الإدارة، لكنها لا تسمح لهم بمراجعة قرارات القيادة، لا تستفيد من خبراتهم كما ينبغي. والحزب الذي يضم مفكرين وأصحاب تجارب، لكنه يجعل الولاء الشخصي شرطا للتقدم، يهدر رأس ماله البشري بيديه. والجمعية التي تملك أعضاء مخلصين ومبادرين، لكنها تربط كل قرار بموافقة شخص واحد، تحول العمل الجماعي إلى انتظار دائم.

وفي مثل هذه البيئات، لا تقاس قوة المؤسسة بقدرتها على إنتاج الحلول، بل بقدرتها على تجنب إغضاب صاحب السلطة.

ولا يعود أصحاب الكفاءة يتنافسون في تقديم أفضل الأفكار، بل في توقع رغبات القائد. ولا يصبح السؤال عن جدوى القرار أهم من السؤال عن هوية صاحبه.

ومع مرور الوقت، تتراجع المبادرة، وتضعف الرقابة، ويغادر بعض الأكفاء، أو ينسحبون إلى الصمت، بينما يتقدم أولئك الذين أتقنوا فن التكيف مع مركز النفوذ.

ثم يأتي التراجع الذي كان يمكن تجنبه، فتبحث المؤسسة عن أسبابه في الظروف الخارجية، أو في ضعف الموارد، أو في مؤامرات الخصوم، متجاهلة أن الخلل قد يكون قد بدأ من داخلها، يوم قررت أن تجعل سلامة موقع شخص واحد أهم من سلامة المؤسسة كلها.

 متى تصبح الطاعة خيانة للمؤسسة؟

ليس كل قائد مهيمن بالضرورة مستبدا، وليس كل خلاف معه دليلا على صواب المعترض. فالمؤسسات تحتاج إلى قيادة، والقرارات تحتاج أحيانا إلى الحسم، والعمل الجماعي لا يمكن أن يقوم على اعتراض دائم على كل تفصيل.

لكن الفارق الحاسم يكمن في طبيعة السلطة وحدودها.

القائد الواثق من مشروعه لا يخشى وجود أشخاص أقوياء في التفكير، بل يستفيد منهم. ولا يعتبر النقد انتقاصا من مكانته، بل وسيلة لاكتشاف أخطائه. ولا يحتاج إلى جعل المؤسسة ضعيفة حتى يبدو قويا.

أما حين تصبح القيادة معتمدة على إسكات الآخرين، وحين يكافأ المطيع لأنه مطيع، ويعاقب الناصح لأنه ناصح، فإن الطاعة تتوقف عن كونها أداة لتنظيم العمل، وتتحول إلى وسيلة لحماية النفوذ.

في هذه اللحظة، قد يصبح الصمت خيانة للمؤسسة، بينما يكون الاعتراض المسؤول شكلا من أشكال الوفاء لها.

فليس الوفاء أن تحمي القائد من نتائج أخطائه، بل أن تحمي المؤسسة من أن تتحول إلى امتداد لشخصه. وليس الإخلاص أن توافقه في كل شيء، بل أن تمنعه، ما استطعت، من الإضرار بالمشروع الذي ائتمنه الناس على قيادته.

 كيف تستعيد الجماعة عقلها؟

لا يكفي أن نطالب الأفراد بالشجاعة، وإن كانت الشجاعة ضرورية. فالمؤسسات التي تجعل الاعتراض مكلفا تدفع حتى أصحاب الضمائر الحية إلى الصمت.

لذلك، يبدأ العلاج ببناء قواعد تجعل التفكير المستقل ممكنا، وتحول دون احتكار القرار:

– توزيع الصلاحيات، بحيث لا تتوقف المؤسسة كلها على إرادة شخص واحد.

– اعتماد معايير واضحة لاختيار القيادات ومحاسبتها وتجديد الثقة بها.

– حماية حق الأعضاء في الاعتراض وتقديم الآراء المخالفة دون تخوين أو انتقام.

– الفصل بين الولاء للمشروع والولاء للأشخاص، بحيث تبقى المؤسسة أكبر من قادتها.

– إنشاء آليات مستقلة للرقابة والتقييم، لا تخضع بالكامل لمن يفترض أن تراقب أداءه.

– تربية الأعضاء على تحمل مسؤولية قراراتهم، وعدم الاحتماء بموافقة الأغلبية لتبرير الخطأ.

والأهم من ذلك كله أن تدرك الجماعة أن نجاح القائد لا يقاس فقط بقدرته على اتخاذ القرار، بل أيضا بقدرته على بناء مؤسسة تستطيع تصحيح أخطائه، ومواصلة العمل في غيابه، واختيار من يخلفه دون أن تتعرض للانهيار.

فإذا كان رحيل شخص واحد كافيا لتفكيك المؤسسة، فهذه ليست علامة على عظمته وحده، بل قد تكون دليلا على فشلها في بناء نفسها.

 من يصنع الآخر: القائد أم أتباعه؟

قد يبدأ النفوذ بقدرة شخص على التأثير، لكنه لا يتحول إلى هيمنة دائمة إلا حين يجد بيئة تسمح له بذلك. وقد يبدأ الخلل بخوف فرد من الاعتراض، لكنه يصبح نظاما حين يكتشف الجميع أن الصمت أكثر أمانا من قول الحقيقة.

لهذا لا يكفي أن نسأل: كيف استطاع هذا الشخص أن يسيطر على الجماعة؟

بل ينبغي أن نسأل أيضا: من الذين منحوه هذه القدرة؟ ومن الذين شاهدوا التجاوزات وسكتوا؟ ومن الذين برروا الأخطاء؟ ومن الذين امتلكوا المعرفة والخبرة، لكنهم لم يستخدموهما عندما أصبحت الحاجة إليهما أكثر إلحاحا؟

لا يعني ذلك إعفاء القائد من مسؤوليته، ولا مساواة الضحية بمن يمارس الهيمنة عليها. فمسؤولية من يحتكر السلطة ليست كمسؤولية من يخضع لها، ولا سيما حين يكون خاضعا تحت الإكراه أو التهديد. لكنه يعني أن فهم الهيمنة يتطلب النظر إلى العلاقة كلها، لا إلى الشخص الموجود في قمة الهرم وحده.

فالقوة التي يمتلكها فرد قد تتضخم بفعل خوف الآخرين، وقد تستمر بفضل صمتهم، وقد تتحول إلى سلطة مطلقة حين يصبح التبرير الجماعي بديلا عن المحاسبة.

إن بعض الأشخاص لا يصبحون أقوياء لأنهم يمتلكون من العقل ما يفوق عقول الآخرين، بل

لأن الآخرين يتوقفون عن استخدام عقولهم حين يتعلق الأمر بهم.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله جماعة بنفسها ليس أن تختار قائدا مخطئا؛ فكل إنسان معرض للخطأ. بل أن تجعل خطأه غير قابل للتصحيح، وأن تحول الاعتراض عليه إلى جريمة، وأن تمنحه من الصلاحيات والحصانة ما يجعل مصير المؤسسة مرتبطا بقدرته على ألا يعترف بخطئه.

عندها لا تعود المشكلة في قوة شخص واحد فحسب، بل في جماعة كاملة ساعدته، بوعي أو بغير وعي، على أن يصبح أقوى من قدرتها على التفكير.

فكل سلطة لا تسمح بمراجعتها تبحث عن أتباع يبررونها، وكل جماعة تتخلى عن حقها في التفكير تمنح تلك السلطة فرصة للنمو. وقد تكون بداية استعادة المؤسسة لعافيتها هي اللحظة التي يجرؤ فيها أحد أعضائها على طرح السؤال الذي تجنب الجميع طرحه: هل نحن نخدم الفكرة التي اجتمعنا من أجلها، أم أصبحنا نخدم الشخص الذي تولى قيادتنا؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top