شاب مصري يدرس الهندسة على سطح منزل في الإسكندرية أواخر السبعينيات استعداداً للهجرة إلى أمريكا

أبو عبدول.. كيف صنعت أمريكا من ابن الإسكندرية سيناتورا؟ حكاية أب هاجر بحثا عن مستقبله فغير مصير ابنه

من منزل متواضع في الإسكندرية، حيث كان شاب يذاكر الهندسة على ضوء مصابيح الشارع، إلى أروقة السياسة الأمريكية.. 

قصة محمد السيد الذي غادر مصر عام 1978، ولم يكن يعرف أن قراره سيصنع مستقبلا مختلفا لابنه عبد الرحمن، ويكشف مفارقة الفرص بين بلدين.

وقبل أن نبدأ الحكاية؛ ثمة سؤال قد يغير نظرتك إلى قصص النجاح كلها.. 

ماذا لو ولدت في بلد آخر؟ هل كنت ستصبح الشخص نفسه؟ وهل كان مستقبلك سيتخذ المسار ذاته لو أنك نشأت في بيئة مختلفة، وذهبت إلى مدرسة أخرى، وعشت في مجتمع يفتح أمامك أبوابا لا تستطيع الوصول إليها في مجتمعك الأصلي؟.

هذا السؤال ليس افتراضيا بالنسبة إلى عبد الرحمن السيد، لقد وجد إجابته في حياته الشخصية وفي المقارنة بين مساره ومسارات أبناء عمومته في مصر.

فالرجل الذي أصبح جزءا من المشهد السياسي الأمريكي ووصل إلى مجلس الشيوخ، يدرك أن قصته لم تبدأ من قدراته وحدها، ولا من تفوقه الشخصي على الآخرين؛ ثمة قرار اتخذه والده قبل ولادته بست سنوات كان كافيا ليضعه على طريق مختلف تماما.

والده محمد السيد لم يكن رجل أعمال ولا صاحب نفوذ ولا وريثا لعائلة ميسورة. كان شابا إسكندرانيا جاء من أسرة بسيطة، وحمل معه إلى أمريكا يحلم حلما لم يكن يتجاوز استكمال تعليمه وصناعة حياة أفضل.

لكن ما بدأ بوصفه رحلة بحث عن مستقبل شخصي تحول، بعد سنوات، إلى قصة عن الفرص والعدالة الاجتماعية والهجرة، وعن المسافة التي قد تفصل بين طفل يصبح سيناتورا وآخر ينتهي به الأمر سائق سيارة أجرة، رغم أن كليهما ربما امتلك القدر نفسه من الذكاء والطموح.

ابن الإسكندرية الذي رفض أن يرث الفقر

لو عدنا إلى الإسكندرية في سنوات طفولة محمد السيد، فسنجد أنفسنا أمام عائلة لا تشبه عائلات أصحاب الامتيازات.

جده رجل بسيط يعمل في بيع الخضراوات داخل سوق السمك، ويعيش من عائد عمله اليومي، فيما لم تتح لجدته فرصة دخول المدرسة أو تعلم القراءة والكتابة؛ مع ذلك كانت تدير شؤون أسرتها الكبيرة بحكمة وخبرة اكتسبتهما من مدرسة الحياة.

أنجبت الجدة ثمانية أبناء، لكن الأسرة عرفت مبكرا معنى الفقد؛ إذ مات طفلان قبل بلوغ عامهما الأول. وكان محمد صغيرا حين شهد رحيل اثنين من إخوته، وهي ذكرى ظلت حاضرة في وجدانه سنوات طويلة.

قد يصبح هم الإنسان الأول في مثل هذه البيئات هو تدبير احتياجات يومه، لكن محمد كان يفكر بطريقة أخرى، لم يكن يريد أن يقضي حياته داخل الدائرة الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي عاش فيها أبوه وجده، بل اختار التعليم طريقا للخروج.

لم تكن لديه غرفة مستقلة ينعزل فيها للمذاكرة، ولا مكتب مجهز أو ظروف تساعد على التركيز، يصعد إلى سطح منزل الأسرة ويفتح كتبه الهندسية، ويستغل الضوء القادم من مصابيح الشارع المقابل ليستكمل دراسته.

لعل البعض يعتبره مشهد بسيطا في ظاهره، لكنه كان يحمل بذرة تحول كبير؛ شاب من أسرة محدودة الدخل يحاول أن يصنع لنفسه مكانا في عالم لم يكن يمنح أبناء طبقته الكثير من الخيارات… تمكن محمد السيد بجده واجتهاده من الوصول إلى كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، وبدأ يقترب من حلمه المهني.

غير أن الجامعة فتحت أمامه بابا آخر غير باب المعرفة؛ فقد أصبح مهتما بالحياة السياسية، وشارك في النشاط الطلابي، ولم يكتف بدور الطالب الذي يحضر المحاضرات ويغادر القاعات.

كانت لديه أسئلة عن طبيعة السلطة، وحدود الحرية، وحق الطلاب في التعبير والمشاركة. وفي مرحلة كانت مصر تشهد فيها تجاذبات سياسية حادة خلال عهد أنور السادات، لم تكن هذه الأسئلة دائما موضع ترحيب.

كانت اتفاقية السلام مع الكيان الغاصب لارض فلسطين قد أحدثت انقساما واسعا في المجتمع، وظهرت اعتراضات على اتجاهات النظام وسياساته، هنا واجه محمد وفق ما رواه ابنه السيناتور عبدالرحمن عن سيرته، ضغوطا ومضايقات مرتبطة بنشاطه ومواقفه داخل الجامعة.

بدأ الشاب يشعر بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بصعوبة الظروف المادية وحدها؛ فهناك أيضا حدود سياسية ومؤسسية تقف أمام طموحاته.

هو نجح بامتياز في تجاوز عائق الفقر بالتعليم، لكنه اكتشف أن الشهادة الجامعية وحدها لا تضمن له البيئة التي يريد أن يعيش ويعمل فيها.

1978 مغادرة الوطن الى امريكا

 قد تعرف محمد في الإسكندرية على فاتن الكومي، وهي مصرية تلقت تدريبها الطبي في المدينة؛ ونشأت بينهما علاقة انتهت بالزواج، وبدأ الاثنان يفكران في بناء أسرة ومستقبل مشترك.

لكن مستقبل محمد المهني والعلمي كان يتجه إلى منعطف جديد، في عام 1978، حزم الشاب الإسكندراني أمتعته وغادر مصر إلى الولايات المتحدة.

لم تكن وراء الرحلة ثروة عائلية أو شبكة علاقات تنتظره هناك؛ كان يحمل مؤهلاته وطموحه ورغبته في مواصلة الدراسة، اختار ديترويت في ولاية ميشيغان، حيث التحق بجامعة “واين ستيت” لاستكمال دراساته العليا في الهندسة الميكانيكية، مع اهتمام بهندسة السيارات.

بالنسبة إلى شاب جاء من أسرة بائع خضراوات كان الانتقال إلى هذه البيئة الأكاديمية والمهنية نقلة كبيرة، لقد انتقل من سطح منزل في الإسكندرية كان يذاكر عليه تحت ضوء الشارع، إلى جامعة أمريكية يستطيع فيها أن يواصل مشروعه العلمي.

والأهم أنه وجد نفسه في مجتمع مختلف من حيث مساحة التعبير والحركة الأكاديمية والسياسية.

لم يكن محمد ينظر إلى الهجرة باعتبارها قطيعة نهائية مع مصر؛ بل يتحدث عن إقامته باعتبارها مرحلة قد تنتهي بالعودة، ولم يكن يتوقع أن تتحول الولايات المتحدة إلى موطن دائم له ولابنه.

فبعض القرارات لا تتضح أهميتها إلا بعد سنوات طويلة.

القدر يختار الولايات المتحدة مسقط رأس لعبد الرحمن

بعد انتقال محمد إلى أمريكا لحقت به زوجته فاتن واجتمع الزوجان مجددا في ميشيغان، بعيدا عن المدينة التي عرفا فيها بعضهما بعضا؛ وفي عام 1984، ولد طفلهما عبد الرحمن.

لم يكن المولود الجديد مجرد إضافة إلى أسرة مهاجرة؛ فقد كان أول جيل في العائلة يبدأ حياته داخل المجتمع الأمريكي، ويحصل على فرصة النمو في بيئة مختلفة عن تلك التي عاش فيها والده وأجداده.

لكن الأقدار لم تمنح الأسرة استقرارا طويلا، فقد انتهى الزواج بين محمد وفاتن بالانفصال عندما كان عبد الرحمن في الثالثة تقريبا… وتزوج محمد لاحقا من امرأة أمريكية تدعى جاكي، تولت تربية ابنه في ميشيغان، بينما انتقلت فاتن إلى ولاية ميزوري.

وهكذا أصبح عبد الرحمن ابن تجربتين ثقافيتين، إحداهما مصرية حملها إليه والده، والأخرى أمريكية تشكلت حوله منذ طفولته.

رغم ذلك لم تنقطع صلته بمصر. كانت الإجازات الصيفية تعيده إلى الإسكندرية، حيث الأجداد والأقارب وبيت العائلة، وهناك بدأ يكتشف أن العالم الذي يعيش فيه ليس هو العالم الوحيد الممكن.

بابا نويل أمريكا

من المشاهد التي بقيت راسخة في ذاكرة عبد الرحمن رحلته إلى مصر وهو في الثالثة عشرة من عمره، زيارته الى مصر ووصوله إلى المطار في مناسبة عائلية كبيرة. حضر عدد من الأقارب لاستقباله، وكان هو يحمل حقيبتين؛ واحدة لأغراضه الشخصية، والثانية محملة بالهدايا التي اشتراها لأفراد الأسرة.

وقد استعاد تلك اللحظة بروح الدعابة، مشبها نفسه ببابا نويل صغير قادم من أمريكا؛ لكن الهدية التي تلقاها في تلك الزيارة لم تكن داخل إحدى الحقيبتين. كانت درسا من جدته.

اقتربت منه الجدة وبدأت تستعرض أمامه صفات أبناء عمومته. لم تترك له فرصة للاعتقاد بأنه الأفضل بينهم؛ فهذا يتفوق عليه في الذكاء، وذاك أطول قامة، وآخر أكثر وسامة، وغيرهم أكثر نشاطا واجتهادا.

استغرب عبد الرحمن من طريقة المقارنة، وسألها في النهاية عن الميزة التي تجعله مختلفا عن بقية أحفادها، لم تحتج الجدة إلى التفكير طويلا، قالت له، بمعنى كلامها، إن ميزته الكبرى أنه سيعود إلى أمريكا بعد انتهاء الإجازة، بينما سيبقى أبناء عمومته في مصر.

إجابة تختزل خبرة امرأة عاشت حياة صعبة، ولم تحصل على فرصة التعليم، لكنها أدركت أن العالم لا يمنح أبناءه فرصا متساوية، لم تقل له إن أبناء عمومته أقل منه قدرة، بل أوضحت له أن امتلاكه فرصة العودة إلى أمريكا هو الامتياز الحقيقي، تلقى عبد الرحمن في تلك اللحظة، درسا لم يكن موجودا في مناهجه الدراسية؛ قد يتساوى الناس في المواهب، لكنهم لا يتساوون بالضرورة في البيئة التي تسمح لتلك المواهب بالنمو.

ابن العم الذي قاد سيارة أجرة.. والسيناتور الذي كان يمكن أن يكون مكانه

مرت السنوات، وأصبحت المقارنة بين عبد الرحمن وأقاربه أكثر وضوحا.

بعض أبناء عمومته يعملون في مهن بسيطة ومن بينهم قريب انتهت حياته سائقا لسيارة أجرة، وتوفي في حادث سير عندما كان في السابعة والعشرين من عمره.

لم يكن عبد الرحمن ينظر إلى هذا القريب باعتباره أقل منه شأنا أو قدرة، بل كان يستحضر قصته ليشرح كيف يمكن للظروف الاجتماعية أن تعيد تشكيل حياة الإنسان، حتى لو كانت نقطة البداية متشابهة من حيث الإمكانات الفردية.

أطلق عبارة شديدة الدلالة،وفي حديث سياسي له، قال فيها إنه لو لم يهاجر والده إلى الولايات المتحدة، لربما كان هو نفسه يعمل سائق سيارة أجرة في مصر.

لم تكن العبارة مجرد افتراض عابر؛ لقد كانت اعترافا بأن المسار الذي انتهى به إلى عالم الطب والبحث والسياسة لم يكن حتميا.

كان يمكن أن يكون شخصا آخر، في مهنة أخرى، وفي ظروف مختلفة، لو أن والده لم يتخذ قرار الهجرة.

وقد أثارت العبارة ردود فعل متباينة في مصر. فهناك من تعامل معها باعتبارها تقليلا من شأن مهنة سائق التاكسي، وهناك من فهمها باعتبارها نقدا للفجوة بين الفرص المتاحة في المجتمعات المختلفة.

لكن جوهر الفكرة لم يكن في قيمة المهنة، بل في السؤال الذي أراد عبد الرحمن طرحه: لماذا لا يحصل أبناء المجتمع الواحد على فرص متقاربة لتحقيق ما يمتلكونه من إمكانات؟

ولماذا قد يصبح شخص مؤهل للعمل في البحث العلمي أو الطب أو السياسة مضطرا إلى ممارسة عمل آخر، ليس لأنه يفتقر إلى الذكاء، وإنما لأن الطريق إلى طموحه لم يكن متاحا؟

لم يكن يرى مصر بعين واحدة

على الرغم من هذه المقارنات، لم تكن علاقة عبد الرحمن بمصر علاقة خصومة أو إنكار للجذور.

لقد احتفظ بذكريات عائلية وإنسانية عميقة عن الإسكندرية، وكان يقدر ما وجده في المجتمع المصري من دفء اجتماعي وتماسك أسري.

كان يرى أن الأمريكيين، رغم ما يتمتعون به من إمكانات واستقلالية، يمكنهم تعلم شيء مهم من المصريين: ألا يتحول الاستقلال إلى عزلة، وألا تصبح الحياة الفردية بديلا عن العلاقات الإنسانية.

في مصر، وجد أن العائلة ليست مجرد مجموعة أشخاص تربطهم صلة القرابة، بل شبكة اجتماعية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

أما سياسيا، فقد كان أكثر انتقادا. تحدث عن الديمقراطية وحرية التعبير، وانتقد الأوضاع السياسية واستخدام المساعدات الأمريكية لدعم سياسات لا تراعي حقوق المواطنين.

ومن الوقائع التي رواها عن إحدى زياراته إلى مصر تعرضه لاستجواب من الشرطة بعد أن أطلق عبارات مسيئة بحق الرئيس حسني مبارك، وهي تجربة استحضرها في سياق حديثه عن القيود المفروضة على التعبير السياسي.

هكذا جمع عبد الرحمن بين موقفين قد يبدوان متناقضين للبعض، لكنهما في الحقيقة يعكسان تجربته: ارتباط عاطفي وثقافي بمصر، وانتقاد سياسي لمؤسساتها وأوضاعها.

فهو لا يريد التخلي عن جذوره، لكنه لا يرى أن الانتماء يلزمه بالصمت عن المشكلات.

الأب الذي صنع الفرصة.. والابن الذي وصل إلى السياسة

حين ننظر إلى المسار الذي قطعه عبد الرحمن، من دراسة الطب والصحة العامة إلى البحث الأكاديمي والعمل السياسي، ثم الوصول إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، قد نميل إلى التركيز على إنجازاته الشخصية.

لكن العودة إلى سيرة محمد السيد تكشف جانبا آخر من القصة.

فالأب الذي بدأ من أسرة متواضعة في الإسكندرية، واستطاع أن يشق طريقه إلى الهندسة والدراسات العليا والعمل الأكاديمي في أمريكا، كان قد غير بالفعل المسار الذي ستبدأ منه حياة ابنه.

لم يكن محمد قادرا على أن يضمن لابنه النجاح، لكنه استطاع أن يمنحه نقطة انطلاق مختلفة.

وهذا الفارق جوهري؛ فالفرصة لا تصنع النجاح وحدها، لكنها قد تحدد إن كان الإنسان سيجد الطريق مفتوحا أمامه أصلا.

كان بإمكان عبد الرحمن أن يرث عن والده الثقافة المصرية والذكريات الإسكندرانية، لكنه ورث أيضا نتيجة قرار الهجرة، أي حق النمو في بيئة تتيح له فرصا واسعة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

لقد حمل الأب معه من الإسكندرية حلما، وحمل الابن من ميشيغان مشروعا أكبر مما كان والده يتصور.

بلاد الفرص.. السؤال الذي تتركه حكاية أبو عبدول

إن قصة محمد السيد وابنه عبد الرحمن ليست حكاية انتصار أمريكي على مصري، ولا دليلا على أن كل من يهاجر إلى أمريكا سيصبح طبيبا أو سياسيا. فالولايات المتحدة نفسها تعاني تفاوتا اجتماعيا وعنصرية ومشكلات اقتصادية وتعليمية، ولا يحصل جميع أبنائها على الفرص ذاتها.

لكن الحكاية تكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: البيئة التي يولد فيها الإنسان قد تكون عاملا حاسما في رسم حدود مستقبله.

محمد السيد لم يكن أكثر حظا من أقرانه في الإسكندرية عندما بدأ حياته. كان ابن أسرة بسيطة، وكان عليه أن يعمل ويتعلم ويجتهد مثل كثيرين غيره.

لكن قرار انتقاله إلى أمريكا غير نقطة البداية بالنسبة إلى ابنه.

ولو بقي محمد في مصر، لكان عبد الرحمن قد ولد ونشأ في مجتمع آخر، ودخل مدارس مختلفة، وسلك طريقا مهنيا ربما لم يكن ليقوده إلى الموقع الذي وصل إليه في أمريكا.

وربما كان أحد أبناء عمومته، الذي بقي في مصر وعمل سائقا، يمتلك القدرات نفسها التي امتلكها عبد الرحمن.

هذه ليست مسألة تفاضل بين الأشخاص، بل مقارنة بين مجتمعات تستطيع استثمار طاقات أبنائها ومجتمعات تهدر جزءا كبيرا منها.

والأهم أن الحكاية لا تتعلق فقط بمن يهاجر ومن يبقى، بل بما ينبغي أن تكون عليه الأوطان حتى لا تصبح الهجرة شرطا لتحقيق الأحلام.

فليس المطلوب أن يغادر كل شاب مصري بلده كي ينجح، وإنما أن يجد في بلده مؤسسات تعليمية ومهنية عادلة، ومساحة من الحرية، وفرصة حقيقية للصعود الاجتماعي.

في نهاية المطاف، لم يكن محمد السيد يعرف وهو يغادر الإسكندرية عام 1978 أنه يضع حجر الأساس لقصة سياسية أمريكية. كان يريد فقط أن يحصل على فرصة لم يجدها بالقدر الذي كان يطمح إليه في وطنه.

لكن ابنه عبد الرحمن، بعد سنوات طويلة، أعاد رواية القصة بطريقة أخرى، وكشف من خلالها أن نجاحه لم يكن قصة تفوق فردي فحسب، وإنما قصة امتياز صنعته الجغرافيا وقرار الهجرة.

من سطح منزل في الإسكندرية إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، لم تكن المسافة مجرد آلاف الكيلومترات؛ كانت مسافة بين فرصتين، وبين مستقبلين، وبين مجتمعين.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا؛ كم شابا مصريا اليوم يمتلك قدرات عبد الرحمن، لكنه لا يجد البيئة التي تسمح له بتحويلها إلى إنجاز؟ وكم “محمد السيد” لا يزال يحلم فوق أسطح المنازل، منتظرا فرصة لا تأتي؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top