تحولت حفلات موسيقية في الولايات المتحدة مطلع سبتمبر/أيلول 2026، إلى ساحة جديدة للجدل حول حرب غزة، بعدما عبر مغني الراب الأميركي الشهير ماكلمور عن دعمه لفلسطين خلال مشاركته في جولة المغني البريطاني العالمي إد شيران، أحد أشهر نجوم البوب في العالم. ماكلمور،
ماكلمور؛ واسمه بن هاغرتي، معروف في الولايات المتحدة بمواقفه السياسية المؤيدة للفلسطينيين، حيث أصدر عام 2024 أغنية “Hind’s Hall” دعما للاحتجاجات الطلابية المناصرة لفلسطين.
“إد شيران” يعد من أنجح نجوم الموسيقى العالميين، وتباع حفلاته في أكبر الملاعب الأميركية، وتعود ملكية عدد من هذه الملاعب إلى مليارديرات يملكون فرقا في دوري كرة القدم الأميركية NFL، ومن أبرزهم روبرت كرافت، مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس، وأحد أبرز رجال الأعمال الأميركيين الداعمين للكيان الغاصب.
بعد أن قال ماكلمور خلال حفلاته “فلسطين حرة” تصاعد الخلاف، ودخل ملاك الملاعب على خط الأزمة، وانتهى باستبعاده من بقية الجولة، قبل أن ينسحب عدد من الفنانين تضامنا معه وتتحول القضية إلى حملة أوسع شملت تبرعات معلنة بملايين الدولارات لدعم الفلسطينيين.
لم يعد ما حدث لماكلمور مجرد قصة عن مغن أميركي قال “فلسطين حرة” فوق مسرح في الولايات المتحدة ثم خسر مكانه في جولة موسيقية كبرى.
فخلال أقل من أسبوع، تحولت القضية إلى مواجهة علنية بين الفنانين وملاك الملاعب والمليارديرات، وانسحب أربعة من الفنانين المشاركين في جولة إد شيران تضامنا معه، ثم أعلن ماكلمور التبرع بمليون دولار من عائداته للفلسطينيين، قبل أن تعلن شخصيات أخرى عن تبرعات إضافية، بينها إد شيران وروبرت كرافت، ثم انضمت نجمة الأطفال الأميركية “مس رايتشل” بتعهد مليون دولار آخر لصندوق إغاثة أطفال فلسطين؛ وبحسب التعهدات المعلنة حتى الآن، أصبح اسم ماكلمور مرتبطا بموجة مساعدات تبلغ نحو 6 ملايين دولار.
وهكذا، تحولت العبارة التي أراد البعض إسكاتها داخل الملاعب الأميركية إلى حملة تضامن أوسع من الجولة نفسها.
البداية كانت من “فلسطين حرة”
بدأت الأزمة عندما شارك مغني الراب الأميركي ماكلمور في جولة إد شيران، وقدم حفلتين افتتاحيتين في ملعب MetLife في نيوجيرسي، خلال الحفل الذي أقيم في 4 سبتمبر/أيلول، لم يكتف ماكلمور بأداء أغانيه، بل ألقى كلمة سياسية واضحة تحدث فيها عن فلسطين وغزة، ثم قال: “فلسطين حرة”.
كما أدى أغنيته الاحتجاجية Hind’s Hall، التي أصدرها عام 2024 تضامنا مع الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين.
ثم عاد في اليوم التالي إلى الحديث عن القضية، وخاطب اليهود الأميركيين مؤكدا أن انتقاد الكيان أو معارضة الإبادة الجماعية لا يعني انتقاد اليهود؛ لكن الكلمات التي قيلت أمام الجمهور لم تبق داخل الملعب، فقد أثارت انتقادات من جماعات مؤيدة للكيان الغاصب، من بينها المجلس الإسرائيلي الأميركي، الذي طالب بإبعاده من الجولة؛ ومن هنا بدأت القصة تأخذ مسارا مختلفا.
عندما دخل المليارديرات إلى المسرح
كان أحد أبرز الأسماء التي دخلت على خط الأزمة روبرت كرافت، مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس وملعب Gillette Stadium، حيث أعلن أنه رفض السماح لماكلمور بالأداء في ملعبه، وقال إن موقفه مرتبط بما وصفه بتاريخ المغني من “خطاب وصور معادية للسامية”، وليس برفض المساعدات للفلسطينيين.
أما ماكلمور، فقال إن كرافت ضغط على إد شيران، وإن ملاك ملاعب آخرين أبلغوا منظمي الجولة بأن استمرار مشاركته قد يجعلهم يرفضون استضافة الحفلات؛ أعلنت شركة Messina Touring Group في النهاية أن ماكلمور لن يشارك في بقية مواعيد الجولة الأميركية بعد “مناقشات مع الأطراف المعنية”.
أما شيران فقال بوضوح إن قرار استبعاد ماكلمور لم يكن قراره، وإنه اتخذه منظمو الجولة؛ وهنا دخلت الأزمة مرحلة جديدة.
الفنان الذي خرج من الجولة لم يخرج من المعركة
كان من الممكن أن ينتهي الأمر باستبعاد ماكلمور، لكن ما حدث كان العكس، فبعد خروجه، أعلن الفنانون المشاركون في بقية الجولة انسحابهم تباعا، حيث انسحب Finneas، شقيق بيلي آيليش وشريكها الموسيقي، معلنا وقوفه مع فلسطين، وانسحب Lukas Graham، كما انسحب الفنان الأيرلندي Aaron Rowe، ثم انسحبت فرقة Beoga الأيرلندية التي كانت تؤدي مع شيران خلال أجزاء من حفلاته.
وبذلك أصبح ماكلمور، الذي أخرج من الجولة بحجة احتواء الأزمة، سببا في فقدان الجولة جميع فناني الدعم الأساسيين تقريبا، وقالت فرقة Lukas Graham في رسالتها إن المال لا ينبغي أن يحدد من يملك حق الكلام، بينما قال Aaron Rowe إنه لا يستطيع الوقوف متفرجا على استخدام المليارديرات لقوتهم لإسكات الأصوات التي تتحدث عن معاناة الفلسطينيين، أما Finneas فأعلن صراحة: “أقف مع فلسطين وشعبها”.
وهكذا، لم يعد الأمر يتعلق بفنان واحد، لقد أصبح اختبار تضامن داخل صناعة الموسيقى نفسها.
ماكلمور يحول خسارته إلى مليون دولار لغزة
لكن التطور الأكثر أهمية جاء من ماكلمور نفسه، فبعد استبعاده، أعلن أنه سيتبرع بكامل صافي ما كسبه من جولة إد شيران، وقدره مليون دولار، إلى ست منظمات تعمل على دعم الفلسطينيين.
والمنظمات الست التي حددها هي:
Palestine Children’s Relief Fund – PCRF
HEAL Palestine
Gaza Soup Kitchen
Medical Aid for Palestinians – MAP
UNRWA USA National Committee
American Near East Refugee Aid – ANERA
ثم وجه ماكلمور تحديا مباشرا إلى روبرت كرافت؛ طابق المليون دولار، ولم يكن التحدي مجرد مناورة إعلامية.
فقد رد كرافت بأن إد شيران اتصل به وطلب منه الالتزام بمبلغ مليوني دولار للمساعدة الإنسانية في المنطقة.
وهكذا أصبح شيران وكرافت مرتبطين بتعهد مالي يبلغ 4 ملايين دولار، وإن لم يحدد كرافت في إعلانه الجهات التي ستتلقى الأموال؛ وهنا حدثت مفارقة شديدة الدلالة؛ الرجل الذي دخل في صدام مع ماكلمور بسبب مشاركته في حفلات ملعبه، انتهى به الأمر إلى الإعلان عن تمويل مساعدات للفلسطينيين.
لكن الطرفين لا يتفقان على تفسير القضية، كرافت يقول إن اعتراضه كان على ما يعتبره خطابا معاديا للسامية، وإنه لا يعارض مساعدة الفلسطينيين، أما ماكلمور فيرى أن القضية الأساسية هي حق الفلسطينيين في الحرية والأمن والكرامة.
مليون آخر من “مس رايتشل”
ثم اتسعت دائرة التضامن خارج عالم الموسيقى؛ ففي 17 سبتمبر/أيلول أعلنت نجمة الأطفال الأميركية Rachel Accurso، المعروفة باسم Ms. Rachel، أنها ستطابق تبرع ماكلمور بمليون دولار، على أن يذهب المبلغ إلى Palestine Children’s Relief Fund – PCRF.
وقالت إنها تريد استخدام منصتها لحماية الأطفال وحقوق الإنسان، ودعت أثرياء ومشاهير آخرين إلى تقديم تبرعات مماثلة، وهنا أصبحت الصورة المالية المعلنة أكثر وضوحا:
1 مليون دولار من ماكلمور.
1 مليون دولار من مس رايتشل.
2 مليون دولار أعلن إد شيران تقديمها.
2 مليون دولار أعلن روبرت كرافت الالتزام بها.
أي 6 ملايين دولار من التعهدات المعلنة المرتبطة مباشرة بتداعيات القضية.
ماذا يعني ذلك على الأرض؟
المنظمات التي اختارها ماكلمور تعمل في مجالات مختلفة من الإغاثة الفلسطينية، PCRF تركز على الرعاية الطبية للأطفال الفلسطينيين، بما في ذلك العلاج والجراحات والأدوية، أما HEAL Palestine فتعمل في مجالات الإغاثة والصحة والتعليم.
وMedical Aid for Palestinians تقدم مساعدات صحية للفلسطينيين، بينما تعمل ANERA في مجالات الإغاثة والمياه والغذاء والصحة وغيرها.
أما Gaza Soup Kitchen فتعمل بصورة مباشرة في توفير الغذاء داخل غزة، وبذلك فإن تبرع ماكلمور، إذا نفذ وفق الخطة المعلنة، لا يذهب إلى جهة واحدة، وإنما يتوزع على مجموعة من المؤسسات ذات مجالات عمل مختلفة.
التضامن يتحول إلى قضية عامة
الأثر لم يتوقف عند الفنانين والتبرعات، ففي غزة نفسها ظهرت مظاهر تضامن مع ماكلمور، وأقيمت لوحة جدارية في غزة تصور المغني ملفوفا بالعلم الفلسطيني، في رسالة شكر له على موقفه من القضية الفلسطينية بعد استبعاده من جولة شيران.
وفي الولايات المتحدة، اتسع النقاش ليصل إلى شخصيات سياسية وفنية وإعلامية، بينما أثارت القضية نقاشا أوسع حول العلاقة بين ملكية الملاعب وحرية الفنانين في التعبير.
ظهرت في المقابل، أصوات تنتقد ماكلمور وتتهمه باستخدام خطاب تعتبره معاديا للسامية، بينما يصر هو على أن انتقاد الكيان الغاصب لا يعني استهداف اليهود؛ وهكذا أصبح الجدل نفسه جزءا من المعركة.
شيران يعود إلى المسرح.. ولكن بصورة مختلفة
عاد إد شيران إلى المسرح في فيلادلفيا يوم، 19 سبتمبر/أيلول، لكن الجولة التي كان يفترض أن تضم مجموعة من الفنانين أصبحت، بعد انسحاباتهم، مختلفة جذريا، وتشير التقارير إلى أن شيران سيواصل الجولة مع غياب فناني الدعم الذين انسحبوا تضامنا مع ماكلمور، وهذا يخلق مشهدا رمزيا لافتا.
الفنان الذي أخرج من الجولة أصبح خارج المسرح، لكن قضيته أصبحت داخله، فكل حفلة لاحقة لإد شيران أصبحت مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بالقصة التي بدأت من كلمة “فلسطين حرة”.
المعركة الحقيقية: من يملك المنصة؟
هنا تكمن أهمية القضية، فالمسألة لم تعد هل يحب الناس ماكلمور أم لا؟، ولا هل يتفقون مع إد شيران أم لا؟، المسألة أصبحت أكثر تعقيدا، من يملك المنصة يملك جزءا من شروط الكلام.
ملاك الملاعب يملكون المكان، منظمو الجولات يملكون العقود، الفنان يملك صوته، والجمهور يملك في النهاية القدرة على الحضور أو الانسحاب أو التعبير عن موقفه، وفي حالة ماكلمور، اصطدمت هذه القوى كلها بقضية واحدة، فلسطين.
ولهذا فإن استبعاده لم ينه الحديث عن فلسطين، بل ربما فعل العكس.
فقد نقل النقاش من الأغنية إلى المؤسسة، ومن المسرح إلى غرفة الاجتماعات، ومن الموقف الفردي إلى سؤال أوسع عن سلطة رأس المال داخل الثقافة الأميركية.
غزة تدخل قلب صناعة الترفيه
ما يحدث هنا ليس حربا عسكرية، لكنه جزء من معركة النفوذ حول صورة غزة في الوعي العام، فالحرب لا تخاض فقط بالصواريخ والعمليات العسكرية، هناك أيضا معركة على:
الرواية.
الصورة.
المشاهير.
الموسيقى.
المنصات.
والجمهور.
وعندما يقول مغني عالمي “فلسطين حرة” أمام عشرات الآلاف، ثم يتحول استبعاده إلى انسحابات فنية وتبرعات بملايين الدولارات ولوحات جدارية في غزة، فإن القضية تكون قد خرجت من حدود الأغنية، لقد أصبحت جزءا من الصراع على من يحدد الرواية التي يسمعها الجمهور الأميركي، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، أرادوا إبعاد ماكلمور عن المسرح، فإذا بقضيته تصبح أكبر من المسرح.
وما بدأ بكلمتين؛ “فلسطين حرة” تحول، خلال أيام، إلى أربعة فنانين ينسحبون، وستة ملايين دولار من التعهدات المعلنة، وموجة تضامن عابرة للحدود، وقضية وصلت إلى غزة نفسها، والسؤال الذي يبقى مفتوحا ليس فقط: ماذا خسر ماكلمور؟
بل ماذا كسبت قضية فلسطين عندما تحولت محاولة إسكات صوت واحد إلى قضية يتحدث عنها الملايين؟.

