دروس الكهف: قصة ذي القرنين قراءة حضارية في فقه التمكين

قصة ذي القرنين في سورة الكهف لم ترد كلوحة عجائبية، ولا بوصفها سردا تاريخيا محضا، إنما جاءت نموذجا قرآنيا لمنهج التمكين القائم على السنن والأسباب، وبناء القوة عبر العمل الجماعي، لا عبر انتظار الخوارق والمعجزات.

الامر الذي لم تدركه الحركة الإسلامية المعاصرة بعد مائة عام من العمل؛ نجحت فيه ببناء الصحوة الإيمانية في الأمة، وأعادت الإسلام إلى الضمائر، بعد ان نجحت أدوات الاستعمار في إقصائه، لكنها فشلت فشلا ذريعا في تحويل الصحوة الى قوة تغيير، لتجاهلها سنن التمكين؛ القائمة على عالم السببية (فأتبع سببا).

وقد افتتح الباري عزوجل في سورة الكهف، وعند قصة ذي القرنين بتقرير أصل مركزي في فلسفة النهوض: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا) [الكهف: 84]، وأعقب ذلك مباشرة بقوله جل جلاله: (فأتبع سببا)، في إشارة واضحة إلى أن التمكين لم يكن نتيجة اصطفاء مجرد، بل ثمرة وعي بالسنن وحسن توظيف للأسباب.

وقد نبه الطاهر بن عاشور في تفسيره إلى هذا المعنى حين قال؛ إن ذكر إيتاء الأسباب عقب ذكر التمكين “تنبيه إلى أن دوام السلطان وبقاء الملك إنما يكون بحسن استعمال الوسائل التي أودعها الله في الكون.

ولنا أن نعدد هنا دروسا بليغة من وحي هذه القصة، يمكن أن نعتبرها شذرات في فقه التمكين الحضاري..

الدرس الأول: الأخذ بالأسباب شرط التمكين

تؤكد عبارة (وآتيناه من كل شيء سببا) أن الله تعالى زود ذي القرنين بمفاتيح الحركة وقوانين الفعل في الواقع، ولم يمنحه نتائج جاهزة.

وما اجمل تعليق الشيخ الشعراوي رحمه الله وغفر له على هذه الجزئية حيث قال: “السبب هو ما يوصلك إلى المسبب، ومعنى الآية أن الله أعطاه القوانين والوسائل، لكنه لم يقل فانتفع بها، بل قال: (فأتبع سببا) أي تحرك وسعى ولم ينتظر أن تأتيه الثمرة من غير عمل”.

وهذا المعنى ينسجم بشكل كبير مع القاعدة القرآنية الكلية التي جاءت في الآية 11 من سورة الرد: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

فالتمكين في المنظور القرآني سنة تاريخية لا منحة استثنائية، وهو مشروط بحركة واعية داخل نواميس الكون.

الدرس الثاني: المصلح يسعى للشراكة ويرفض الأجر بالمطلق

مسألة التفرغ والعمل للدعوة بالاجر؛ قضية مؤصلة واشبعت بحثا من أهل التخصص، ولست بصدد الخوض في تفاصيلها الفقهية، غير أن القاعدة الاجمالية في القصة تشير بوضح الى أن الدعوة لا يمكن أن تتعامل مع الإصلاح كعملية مشاركة بالاجرة، بل يكون الإصلاح لأجل البناء والنهوض الذي يسعى لعبودية حضارية تسمو بالأمم الى منزلة العبودية الجماعية، وهو ما ينسحب على الداعية الفرد.

فحين اشتكى القوم عند مجمع البحرين لذي القرنين فساد يأجوج ومأجوج، عرضوا عليه منطق الحل السريع: (فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) وهنا يشير الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله إلى أن “هذا العرض يمثل طلب العمل على جهة الإجارة لا على جهة الرسالة والإصلاح”، فجاء رد ذي القرنين حاسما: (قال ما مكني فيه ربي خير)، ويرى ابن عاشور أن هذا “فيه تنزيه لنفسه عن ابتغاء العوض وتعليم للأمة، أن الولايات والقدرات العامة لا تتخذ وسائل للكسب الشخص”.

ثم انتقل إلى جوهر المنهج بقوله: (فأعينوني بقوة) ويعلق القرطبي رحمه الله بالقول: الآية “فيها دليل على أن إقامة المصالح العظمى لا تكون إلا بمعاونة الأمة، وأن القائد لا يستبد بالعمل دون رعيته”.

إذ نحن إزاء قاعدة حضارية قرآنية مطردة: النهضة ليست مشروع إنقاذ فردي، بل هي شراكة جماعية..

الدرس الثالث: من بناء السد إلى بناء الإنسان

لم تكن أوامر ذي القرنين تقنية محضة، بل كانت عملية نقل للخبرة، كي يكتسب القوم خبرة تراكمية تؤهلهم لمواجهة أي عدو مستقبلي، ومن ثم بناء للقدرة؛ أي ان الجماعة المعنية بالمواجهة ستكتسب الى جانب الخبرة، القدرات والمقدرات المادية التي تمكنها من الدفاع عن النفس، فالخبرة بلا قدرة لا تغني عن الأمم شيئا، والقدرة بلا خبرة ضياع للطاقات وإهدار للأوقات، (آتوني زبر الحديد)  ثم (أفرغ عليه قطرا)، يقول ابن كثير في تفسيره الكبير: “أشركهم في العمل ليكون السد من صناعتهم فيعرفوا طريقته، وتقوم لهم به قوة بعده”.

وهذا يشير إلى أن الغاية لم تكن مجرد إقامة حاجز مادي، بل تأسيس مجتمع قادر على حماية نفسه مستقبلا، فالخبرة التي اكتسبها القوم أثناء بناء السد تمثل رأس مال حضاريا يفوق قيمة السد ذاته.

الدرس الرابع: أطروحة معاصرة في فقه النهضة

ولقد وقفت على التجليات الحضارية لقصة ذي القرنين بوضوح في ضوء تشخيص الدكتور عبد الرزاق المقري لمسار الحركة الإسلامية الحديثة، في كتابه القيم (الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور) ولا سيما تحليله للانتقال من مرحلة الصحوة والانتشار إلى مرحلة التمكين والعبور الحضاري.

يرى المقري أن القرن الأول من عمر الحركة الإسلامية المعاصرة؛ كان في جوهره مرحلة إحياء الهوية وبناء الوعي واستعادة الحضور في وجدان الأمة، بينما يفترض أن يكون القرن الثاني قرن التمكين وبناء القوة وتحقيق الاستخلاف الحضاري.

ثم يقرر بناء على ذلك؛ أن إنجازات مرحلة الصحوة على أهميتها تبقى تمهيدية، ما لم تتوج بالانتقال إلى بناء أدوات القوة وإدارة العمران والشأن العام، وهذا التشخيص ينسجم بعمق مع المنهج القرآني في قصة ذي القرنين؛ فكما أنه لم يتحقق له التمكين بالوعظ ولا بالدعاء وحده بل بالأسباب والسير في السنن، فإن ما يعبر عنه المقري بـ”العبور الحضاري” لا يمكن أن تدار بخطاب الصحوة وحده ولا بمنطق التعبئة العاطفية المستمرة.

ويؤكد أن إحدى أزمات المشروع الإسلامي تكمن في الخلط بين فقه الدعوة وفقه الدولة، وبين منطق الاستنهاض ومنطق التمكين، مشيرا إلى أن المنهج الذي يصلح لبناء الهوية لا يصلح بالضرورة لإدارة السلطة وبناء القوة.

وهنا يظهر التقاطع العميق بين أطروحة مقري ومنهج ذي القرنين في القصة القرآنية؛ فالقائد الصالح لم يكتف بحل تقني سريع، ولم يتقمص دور “المنقذ الخارق”، بل نقل القوم من حالة الاتكال إلى حالة المشاركة، ومن منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج.

ويشدد الكاتب في معرض حديثه عن تحدي العبور على أن النهضة لا تتحقق بالشعارات ولا بخطاب المظلومية، وإنما ببناء الإنسان المنتج وامتلاك أدوات القوة المعرفية والاقتصادية والتقنية، وتعلم إدارة الاختلاف داخل المجتمع والدولة.

وهو المعنى نفسه الذي ترسخه الآية المركزية في القصة: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا) إذ لا تمكين بلا أسباب، ولا عبور حضاري بلا التزام صارم بسنن الله في التاريخ.

واختم بالإشارة إلى أن؛ قصة ذي القرنين في سورة الكهف لا تقدم بطلا أسطوريا، ولا خارقا، بل مشروعا حضاريا قابلا للتكرار متى التزمت الأمة بسنن الله في النهوض.

حيث تكشف القصة عن نموذج قرآني متكامل في فقه التمكين، يقوم على ثلاث قواعد أساسية:

القاعدة الأولى: التمكين مشروط بالأخذ بالأسباب لا بانتظار المعجزات.

القاعدة الثانية: الخلاص لا يشترى بالمال بل يبنى بالشراكة والعمل الجماعي.

القاعدة الثالثة: أعظم إنجاز هو صناعة الإنسان القادر بعد القائد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top