قراءة تحليلية في إشكالية العلاقة مع الدول غير الإسلامية في ظل النظام الدولي المعاصر
مقدمة
كلما أقامت دولة إسلامية أو حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية علاقة مع دولة غير مسلمة، أو مع دولة تتهم بارتكاب انتهاكات بحق المسلمين، عاد الجدل من جديد. ويكاد يتكرر السؤال ذاته في كل مرة: هل تجيز الشريعة مثل هذه العلاقات؟ وهل مجرد التواصل السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي مع تلك الدول يعد مخالفة شرعية، أم أن الأمر يخضع لضوابط أكثر تعقيدا؟.
وتتجاوز هذه الأسئلة حدود النقاش الفقهي التقليدي، لأنها ترتبط بطبيعة النظام الدولي المعاصر، وبموقع الدول الإسلامية فيه، وبالتمييز بين المبادئ الشرعية الثابتة والاجتهادات السياسية المتغيرة. فكثير من الأحكام التي يتداولها الناس اليوم صيغت في ظروف تاريخية تختلف اختلافا جوهريا عن الواقع الدولي الحالي، الأمر الذي يجعل إعادة قراءة هذا الملف ضرورة علمية، لا محاولة لتجاوز النصوص أو تعطيلها.
تكمن الإشكالية الأساسية في أن النقاش العام غالبا ما ينطلق من سؤال: هل العلاقة مع الدولة الفلانية جائزة أم محرمة؟ بينما يسبق هذا السؤال سؤال أكثر أهمية، وهو: ما المنهج الذي وضعته الشريعة أصلا لتقويم العلاقات الدولية؟ فإذا لم يتحدد المنهج، تحولت الأحكام إلى مواقف انفعالية تتأرجح بين الرفض المطلق أو القبول المطلق، بعيدا عن القواعد الكلية التي جاءت بها الشريعة.
الشريعة لم تضع قائمة بالدول المباح التعامل معها
عند العودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية لا نجد نصا يحدد الدول التي يجوز إقامة العلاقات معها أو يمنعها، كما لا نجد تقسيما ثابتا للعالم يلزم المسلمين في كل عصر. وإنما نجد مجموعة من المبادئ العامة التي تشكل الإطار الحاكم لأي علاقة خارجية، من أبرزها إقامة العدل، والوفاء بالعهود، وتحريم الغدر، ومنع الإعانة على الظلم، وتحقيق مصالح الأمة، ودفع المفاسد عنها.
وهذا يعني أن الشريعة لم تجعل السياسة الخارجية قائمة على تصنيفات جامدة، وإنما ربطتها بقواعد كلية تطبق على الوقائع المختلفة بحسب ظروفها. فالوسائل السياسية ليست مقصودة لذاتها، وإنما تقاس بآثارها ومدى انسجامها مع مقاصد الشريعة.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: هل يجوز إقامة علاقة مع دولة غير مسلمة؟ وإنما: ما طبيعة هذه العلاقة؟ وما آثارها؟ وهل تحقق مصلحة مشروعة؟ أم تؤدي إلى إعانة على ظلم أو عدوان؟
بين الأمة والدولة… ضرورة التمييز
من أكثر أسباب الخلط في هذا الباب عدم التمييز بين مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم الدولة.
فالأمة في التصور الإسلامي رابطة عقدية وحضارية تجمع المسلمين أينما كانوا، وهي حقيقة ثابتة بنصوص الشرع. أما الدولة فهي كيان سياسي له حدود وسيادة ومؤسسات ومصالح والتزامات دولية.
وفي العصور الأولى كان هذا التمييز أقل ظهورا بسبب وحدة الدولة الإسلامية في أغلب المراحل التاريخية، أما اليوم فإن العالم الإسلامي يتكون من عشرات الدول المستقلة، لكل منها نظامها السياسي، والتزاماتها الدولية، وأوضاعها الاقتصادية والأمنية المختلفة.
ولهذا لا يمكن افتراض وجود سياسة خارجية واحدة تمثل جميع المسلمين، كما لا يمكن إلزام جميع الدول الإسلامية بموقف سياسي موحد في كل القضايا، لأن الواقع الدولي لا يعمل بهذه الصورة.
فالسياسة التي تناسب دولة تمتلك قوة اقتصادية وعسكرية وإقليمية قد لا تكون ممكنة لدولة تعاني من أزمات داخلية أو احتلال أو انهيار اقتصادي. كما أن القدرة على التأثير تختلف من دولة إلى أخرى، وهو ما يجعل الاجتهاد السياسي مرتبطا بالاستطاعة، شأنه شأن كثير من التكاليف الشرعية.
تغير النظام الدولي وتغير مناط الاجتهاد
نشأ معظم الفقه السياسي الإسلامي في عالم كانت تهيمن عليه الإمبراطوريات، وكانت العلاقات الخارجية تقوم في الغالب على الحرب أو الهدنة أو المعاهدات الثنائية. ولم تكن هناك منظمات دولية، ولا قانون دولي بصورته المعاصرة، ولا اقتصاد عالمي مترابط، ولا وسائل اتصال تجعل حدثا يقع في أقصى الأرض يؤثر في دولة تبعد آلاف الكيلومترات خلال ساعات.
أما اليوم فقد أصبح العالم شبكة متداخلة من المصالح والالتزامات. فالاقتصاد، والطاقة، والأمن، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والاتفاقيات الدولية، كلها جعلت من العزلة السياسية خيارا شديد الكلفة، بل قد يكون مستحيلا في كثير من الأحيان.
وهذا التحول لا يعني تغير الأحكام الشرعية، وإنما يعني تغير الواقع الذي تنزل عليه تلك الأحكام. فالاجتهاد لا يدور مع الزمان في ذاته، وإنما يدور مع تغير المناط الذي يبنى عليه الحكم.
ومن هنا فإن إعادة قراءة العلاقات الدولية في ضوء النظام العالمي الجديد ليست خروجا على قواعد فقه السياسة الشرعية، وإنما امتداد للمنهج الذي سار عليه الفقهاء أنفسهم، إذ كانوا يجتهدون في تنزيل النصوص على واقعهم، ولم يدعوا أن اجتهاداتهم تمثل الصورة الوحيدة الممكنة في جميع الأزمنة.
العلاقة السياسية ليست إعانة على الظلم بالضرورة
من أكثر الأخطاء شيوعا الخلط بين إقامة العلاقة والإعانة على الظلم.
فقد تقيم دولة إسلامية علاقة دبلوماسية أو اقتصادية مع دولة ترتكب سياسات ظالمة، دون أن يعني ذلك تأييد تلك السياسات أو المشاركة فيها. وفي المقابل قد تتحول العلاقة إلى عمل محرم إذا أصبحت وسيلة مباشرة لدعم العدوان أو تمكين الظالم من ظلمه أو الإضرار بمصالح المسلمين.
وعليه فإن الحكم لا يتعلق بمجرد وجود العلاقة، وإنما بطبيعتها وآثارها ونتائجها.
ولهذا تختلف الأحكام باختلاف الوقائع، فقد تكون العلاقة مشروعة في ظرف معين، وغير مشروعة في ظرف آخر، تبعا لما تحققه من مصالح أو تفضي إليه من مفاسد.
القدرة تصنع اختلاف الأحكام
من القواعد الكبرى في الشريعة أن التكليف مرتبط بالاستطاعة، وهذا الأصل لا يقتصر على العبادات، بل يمتد إلى الشأن العام.
فالدولة التي تمتلك نفوذا سياسيا أو اقتصاديا كبيرا قد يصبح من واجبها استخدام هذا النفوذ للدفاع عن قضايا المسلمين، أو الضغط من أجل وقف اعتداء أو حماية أقلية مضطهدة، إذا كانت قادرة على ذلك.
أما الدولة التي لا تملك أدوات التأثير نفسها، فلا تكلف بما تعجز عنه، وإن بقيت مطالبة بالعمل في حدود قدرتها وإمكاناتها.
وهذا يفسر اختلاف السياسات بين الدول الإسلامية دون أن يعني بالضرورة اختلافا في المرجعية الشرعية، لأن مناط الحكم قد يختلف باختلاف القدرة والظروف.
هل تختلف الحركات الإسلامية عن الدول؟
يثور سؤال آخر يتعلق بالحركات والأحزاب الإسلامية: هل تخضع للقواعد نفسها التي تخضع لها الدول؟
من حيث الأصل، فإن القواعد الكلية للشريعة تشمل الجميع، غير أن تنزيلها يختلف باختلاف طبيعة الفاعل السياسي.
فالدولة تمتلك سلطة قانونية، وتمثيلا دوليا، وأجهزة دبلوماسية، وقدرة على إبرام الاتفاقيات، بينما لا تمتلك الحركات السياسية هذه الصلاحيات في الغالب.
ولذلك فإن العلاقة التي تحقق مصلحة راجحة لدولة قد لا تحقق أي مصلحة لحركة سياسية، بل قد تتحول إلى عبء سياسي أو أخلاقي أو إعلامي إذا لم يكن لها أثر عملي حقيقي.
ومن هنا فإن نجاح العلاقة لا يقاس بمجرد وجودها، وإنما بقدرتها على تحقيق مقصد مشروع ضمن الإمكانات المتاحة.
فقه المآلات… الحلقة الأكثر إهمالا
لا يكفي أن يكون القرار السياسي صحيحا من حيث الأصل، بل ينبغي النظر في مآلاته ونتائجه.
فقد يكون الفعل مشروعا في ذاته، لكن توقيته أو طريقة إعلانه أو الظروف المحيطة به تؤدي إلى مفاسد تفوق المصالح المتوقعة منه.
ولهذا اعتبر العلماء النظر في المآلات جزءا أصيلا من الاجتهاد، لأن السياسة لا تتعامل مع الأحكام المجردة، وإنما مع وقائع متحركة تتداخل فيها المصالح والمخاطر وردود الأفعال.
وفي عالم الإعلام الرقمي أصبحت الكلمة السياسية جزءا من صناعة القرار، وقد تنتج بعض التصريحات أضرارا لا تنتجها القرارات نفسها، وهو ما يجعل إدارة الخطاب السياسي جزءا من فقه العلاقات الدولية، لا قضية منفصلة عنه.
لا يمكن قياس الدول على بعضها… ولا الحركات على الدول
من الأخطاء المنهجية التي تتكرر في النقاشات السياسية مقارنة سياسات الدول الإسلامية بعضها ببعض، أو مقارنة تصرفات الحركات الإسلامية بسياسات الدول، مع إغفال الفوارق الجوهرية في البيئة السياسية والقدرات والإمكانات.
فالسياسة الخارجية ليست قرارا أخلاقيا مجردا، وإنما هي نتاج تفاعل معقد بين الموقع الجغرافي، والقدرة العسكرية، وحجم الاقتصاد، والتحالفات الدولية، والالتزامات القانونية، وطبيعة التهديدات الداخلية والخارجية.
ولهذا فإن الحكم على قرار سياسي لا يكون بمجرد النظر إلى صورته الظاهرة، وإنما بفهم السياق الذي صدر فيه.
فالدولة التي تمتلك اقتصادا قويا، ومؤسسات مستقرة، وقدرة على التأثير في القرار الدولي، ليست كالدولة الخارجة من حرب أهلية، أو التي تعاني احتلالا، أو أزمة اقتصادية خانقة. كما أن الحركة السياسية التي لا تمتلك سلطة تنفيذية لا يمكن مطالبتها بما يطالب به رئيس دولة أو حكومة.
ومن هنا فإن المقارنات السطحية كثيرا ما تؤدي إلى أحكام مضللة، لأنها تغفل اختلاف المناطات التي ينبني عليها الحكم الشرعي والسياسي معا.
الواقعية السياسية ليست تنازلا عن المبادئ
كثيرا ما ينظر إلى الواقعية السياسية باعتبارها مرادفا للتنازل عن المبادئ، بينما يكشف التأمل في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم مارس أعلى درجات الواقعية السياسية دون أن يفرط في أصل من أصول الدين.
ففي صلح الحديبية قبل شروطا بدت في ظاهرها مجحفة، لكن نظره لم يكن مقصورا على المكاسب الآنية، وإنما تجاوزها إلى النتائج البعيدة. وقد أثبتت الأحداث لاحقا أن ذلك القرار كان نقطة تحول في تاريخ الدعوة الإسلامية، حتى وصف القرآن ذلك الصلح بأنه فتح مبين.
وهذا يدل على أن السياسة الشرعية لا تبنى على ردود الأفعال، ولا على الانفعالات الشعبية، وإنما على تقدير المصالح والمفاسد في ضوء رؤية بعيدة المدى.
وليس معنى ذلك إباحة كل تنازل باسم المصلحة، بل إن المصلحة نفسها مقيدة بالنصوص القطعية، وبمقاصد الشريعة، وبحفظ الضرورات الخمس، فلا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتبرير الظلم أو التفريط بحقوق الأمة أو تمكين المعتدين.
الرأي العام وأثره في القرار السياسي
قد يظن بعض الناس أن الرأي العام لا قيمة له في الفقه السياسي؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بتغير رغبات الجماهير، وهذا صحيح من حيث أصل الحكم، لكنه لا يمنع من اعتبار موقف المجتمع عند تنزيل الأحكام السياسية.
فالسياسة الشرعية لا تبحث فقط في صحة القرار، وإنما تبحث أيضا في كيفية تنفيذه، وتوقيته، ومدى استعداد المجتمع لتقبله، لأن تجاهل هذه العوامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصلحة التي قصدها القرار.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال الناس في بعض التصرفات، ويؤخر بعض الأعمال أو يتركها خشية أن يترتب عليها مفسدة أعظم، كما في ترك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ مراعاة لقرب عهد الناس بالإسلام وخشية وقوع الفتنة.
ويؤكد ذلك أن إدارة الرأي العام ليست خضوعا له، وإنما هي جزء من حسن تنزيل الأحكام وتحقيق مقاصدها.
العلاقات الدولية في عالم المصالح المتشابكة
لم تعد العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين قائمة على التحالفات العسكرية وحدها، بل أصبحت شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، والاستثمارات، والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والتبادل التجاري، والتعاون العلمي.
وقد يؤدي قرار سياسي في دولة بعيدة إلى اضطراب الأسواق العالمية، أو ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، أو تعطيل خطوط التجارة، وهو ما يجعل الانعزال الكامل عن النظام الدولي أمرا بالغ الصعوبة.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد: هل نتعامل مع العالم أم لا؟
بل أصبح: كيف نتعامل مع العالم مع الحفاظ على استقلال القرار، وصيانة المبادئ، ومنع الإعانة على الظلم؟
وهذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن ينشغل به الفقه السياسي المعاصر.
نحو منهج مقاصدي في إدارة العلاقات الدولية
إن القراءة المتأنية للنصوص الشرعية، ولسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وللاجتهادات الفقهية الكبرى، تقود إلى نتيجة مفادها أن الإسلام لم يجعل العلاقات الدولية قائمة على العداء الدائم، كما لم يجعلها قائمة على المصلحة المجردة من القيم، وإنما أقامها على توازن دقيق بين المبادئ والواقع.
فالعدل قيمة حاكمة.
والوفاء بالعهود أصل لا يسقط إلا بمسوغ شرعي.
ودفع الظلم واجب بحسب القدرة.
والتعاون مشروع إذا كان على البر والعدل، وممنوع إذا تحول إلى إعانة على الإثم والعدوان.
كما أن تقدير المصالح والمفاسد لا يترك للأهواء، وإنما يضبط بقواعد الشريعة ومقاصدها، وبفهم دقيق للواقع ومآلات القرارات.
وعلى هذا الأساس فإن العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي ليست قائمة على أحكام جامدة، بل على منهج اجتهادي يجمع بين ثبات المرجعية ومرونة الوسائل، ويمنح الدولة المسلمة القدرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن مبادئها.
الخلاصة
إن الجدل الدائر حول شرعية العلاقات الدولية في الإسلام لا يرجع في حقيقته إلى نقص في النصوص، وإنما إلى الخلط بين الثابت والمتغير، وبين المبادئ والوسائل، وبين الأحكام القطعية والاجتهادات التي نشأت في ظروف تاريخية محددة.
وقد بين هذا المقال؛ أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يفرضا نموذجا سياسيا جامدا للعلاقات الخارجية، وإنما أرسا منظومة من القواعد الكلية التي تقوم على العدل، والوفاء، وحفظ المصالح، ومنع الظلم، والنظر في المآلات.
كما أظهر أن؛ تغير النظام الدولي لا يقتضي تغيير أحكام الشريعة، بل يقتضي إعادة النظر في كيفية تنزيل تلك الأحكام على واقع مختلف في بنيته ومؤسساته وأدواته.
ومن ثم فإن نجاح الفقه السياسي الإسلامي في العصر الحديث لن يتحقق باستنساخ اجتهادات الماضي، ولا بإقصائها، وإنما باستيعاب مناهجها في فهم النصوص، وتحقيق المناط، والموازنة بين المصالح والمفاسد، ثم توظيفها في بناء سياسة خارجية تحفظ مصالح الأمة، وتلتزم في الوقت نفسه بالقيم التي قامت عليها الشريعة الإسلامية.
إن الحاجة اليوم ليست إلى فقه يبرر الواقع، ولا إلى فقه يتجاهله، وإنما إلى اجتهاد راسخ يجمع بين أصالة النص، وفقه المقاصد، ودقة قراءة التحولات الدولية، حتى يبقى الإسلام قادرا على تقديم رؤية أخلاقية وقانونية وسياسية تسهم في بناء نظام دولي أكثر عدلا واستقرارا.

