لم تعد التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية التي تجمدت خطوطها الرئيسية منذ هدنة 2022. ففي أقل من عشرة أيام، انتقل الحوثيون من شن هجوم واسع على جبهات متفرقة إلى تحقيق اختراق استراتيجي على الساحل الغربي، انتهى بالسيطرة على مدينة المخا، والوصول إلى ذباب، ثم السيطرة على جزيرة بريم، المعروفة أيضا باسم ميون، داخل مضيق باب المندب.
وهذه النقلة هي التي تجعل الجولة الحالية مختلفة عن معظم جولات القتال السابقة؛ فالمعركة لم تعد تدور فقط حول مدينة أو محافظة يمنية، وإنما حول موقع جغرافي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل إحدى أهم بوابات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وأكدت رويترز، نقلا عن أربعة مصادر حكومية يمنية، أن الحوثيين سيطروا الجمعة على جزيرة بريم الاستراتيجية داخل باب المندب، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى مدينة ذباب الواقعة على الساحل اليمني للمضيق؛ كما أكدت وكالة أسوشيتد برس السيطرة على بريم، نقلا عن مسؤول عسكري يمني رفيع المستوى.
وبذلك، فإن السؤال الذي كان قبل أيام: هل يستطيع الحوثيون الوصول إلى باب المندب؟ تحول إلى سؤال أكثر خطورة: كيف ستتغير المعادلة إذا تمكنوا من تثبيت وجودهم العسكري على المضيق؟.
المخا: نقطة التحول الأولى
بدأت العملية الحالية في أوائل سبتمبر مع تصاعد واسع للقتال بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية، وكان الساحل الغربي هو المحور الأكثر حساسية،سيطر الحوثيون في 10 سبتمبر، على مدينة المخا، الميناء التاريخي الواقع جنوب غربي اليمن، في أكبر مكسب إقليمي يحققونه منذ هدنة 2022.
وتصف وكالة أسوشيتد برس سقوط المخا بأنه تحول كبير في مسار الحرب، لأن المدينة تقع على بعد نحو 80 كيلومترا من باب المندب، بينما رأت رويترز أن السيطرة عليها فتحت الطريق أمام الحوثيين للتحرك جنوبا باتجاه المضيق وجزر البحر الأحمر.
لم تكن أهمية المخا عسكرية فقط؛ فالمدينة كانت إحدى أهم نقاط تمركز القوات المناهضة للحوثيين على الساحل الغربي، والسيطرة عليها تعني أن هذه القوات فقدت قاعدة متقدمة كانت تحمي الطريق المؤدي إلى باب المندب، بدأ الانهيار المتسارع من هنا؛ في الخط الدفاعي الساحلي.
ذباب: الوصول إلى حافة المضيق
بعد سقوط المخا، لم يتوقف الهجوم، إذ أكدت رويترز في 11 سبتمبر أن القوات الحوثية وصلت إلى ذباب، وهي بلدة تقع مباشرة على باب المندب بالقرب من جزيرة بريم، وفق مصادر حكومية يمنية تحدثت إليها الوكالة، فإن السيطرة على ذباب وبريم معا تمنح الطرف الذي يسيطر عليهما موقعا شديد الحساسية للضغط على حركة الملاحة.
هنا يظهر البعد الجغرافي للعملية، فالمسار الذي قطعته القوات الحوثية خلال أيام يمكن قراءته على النحو الآتي:
المخا → الساحل الجنوبي للبحر الأحمر → ذباب → بريم → باب المندب، وهذا ليس مجرد تقدم تكتيكي على الخريطة، إنه انتقال من السيطرة على مدينة ساحلية إلى الاقتراب من مركز الممر البحري نفسه.
بريم: الجزيرة التي غيرت المعادلة
الحدث الأهم في الساعات الأخيرة كان السيطرة على جزيرة بريم/ميون، والتي تقع داخل مضيق باب المندب نفسه، وتقسمه إلى ممرين بحريين، لهذا فإن موقعها يمنحها قيمة عسكرية وجغرافية تفوق كثيرا قيمة معظم الجزر الواقعة في جنوب البحر الأحمر.
وأكدت رويترز أن أربعة مسؤولين حكوميين يمنيين أفادوا بأن الحوثيين استولوا على الجزيرة الجمعة. كما أكدت AP التطور نفسه، ووصفت بريم بأنها جزيرة استراتيجية تقع في قلب واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وهنا يجب تصحيح واحدة من أهم النقاط التي كانت تحتاج إلى تحديث في التقرير السابق؛ لم يعد الحديث عن احتمال وصول الحوثيين إلى بريم افتراضا مستقبليا؛ السيطرة على الجزيرة أصبحت، وفق رويترز وAP، تطورا وقع بالفعل.
لكن ذلك لا يعني أن الحوثيين أصبحوا قادرين تلقائيا على إغلاق المضيق، فالسيطرة على بريم لا تعني إغلاق باب المندب، القيمة الحقيقية لبريم لا تكمن في أن الجزيرة تستطيع وحدها “إغلاق” باب المندب، وإنما في أنها تمنح القوة المسيطرة عليها موقعا متقدما داخل المضيق يمكن استخدامه للمراقبة والضغط والتهديد.
إغلاق ممر بحري بهذا الحجم بصورة كاملة يتطلب منظومة متكاملة من الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والاستطلاع والتوجيه وربما الألغام، فضلا عن القدرة على مواجهة عمليات بحرية مضادة، لكن الحوثيين لا يحتاجون إلى تحقيق إغلاق كامل كي يفرضوا أثرا اقتصاديا كبيرا.
يكفي أن تصبح السفن التجارية أمام احتمال التعرض للاستهداف حتى ترتفع كلفة التأمين والحماية، وتعيد شركات الملاحة حساباتها، وتختار بعض السفن طرقا أطول وأكثر كلفة، وهذا تحديدا هو السيناريو الذي يجعل بريم خطرا استراتيجيا، فالتهديد الملاحي قد يكون كافيا لإحداث اضطراب اقتصادي حتى لو بقي المضيق مفتوحا من الناحية القانونية والمادية.
حنيش: من رواية “الاقتراب” إلى تقارير السيطرة
التطورات الأخيرة غيرت أيضا وضع جزر حنيش، كانت التقارير في بداية الهجوم تتحدث عن وصول الحوثيين إلى منطقة حنيش وتقدمهم نحو الأرخبيل، دون تأكيد مستقل للسيطرة الكاملة على حنيش الكبرى والصغرى.
لكن تقارير أحدث، بينها تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، تحدثت عن سيطرة الحوثيين على بريم وزقر وحنيش، بالتزامن مع سيطرتهم على المخا. مع ذلك، فإن مستوى التأكيد المستقل على كل جزيرة ليس متساويا.
لذلك، في الصياغة الصحفية الدقيقة، يمكن القول إن تقارير متقاطعة تحدثت عن سيطرة الحوثيين على جزر حنيش وزقر إلى جانب بريم، بينما التأكيد الأقوى من رويترز وAP ينصب على بريم والمخا وذباب، وهذا التفريق مهم حتى لا تتحول الروايات الميدانية المتسارعة إلى حقائق قطعية قبل التحقق منها.
ماذا يحدث على بقية الجبهات؟
الخطأ في قراءة المعركة الحالية باعتبارها معركة باب المندب فقط هو تجاهل اتساع القتال في بقية اليمن، فالهجوم الحوثي تزامن مع اشتباكات عنيفة في محافظات أخرى، خصوصا تعز والحديدة والجوف.
وتشير التقارير إلى أن الحوثيين حققوا تقدما على الساحل وفي مناطق من محافظتي تعز والحديدة، بينما حاولت القوات الحكومية تنفيذ عمليات مضادة في مناطق أخرى، من بينها الجوف.
كما أفادت مصادر موالية للحكومة بتحقيق تقدم في بعض المواقع على جبهات الجوف، في مؤشر على أن القوات المناهضة للحوثيين لا تزال قادرة على شن عمليات مضادة خارج المحور الساحلي.
وتشير متابعة النزاع إلى أن القتال الحالي هو الأعنف منذ انهيار الهدوء الذي أعقب هدنة 2022، مع انتقال المعارك من اشتباكات محدودة إلى عمليات هجومية واسعة متعددة المحاور.
وبالتالي فإن الخريطة العسكرية الحالية لا يمكن اختزالها في سقوط المخا وحدها.
هناك هجوم حوثي على الساحل من جهة، ومحاولات حكومية لاستعادة المبادرة في جبهات أخرى من جهة ثانية.
السعودية تدخل المعركة من الجو
أمام هذا التقدم، عادت السعودية إلى استخدام قوتها الجوية بصورة مباشرة، وأفادت جماعة الحوثيين خلال الأيام الماضية بتنفيذ عشرات الغارات السعودية على مواقع في عدة محافظات، بينما أكدت تقارير أخرى وقوع ضربات جوية على مواقع حوثية.
قالت وسائل إعلام حوثية في 11 سبتمبر، إن طائرات سعودية نفذت غارتين على مطار المخا، لكن السعودية لم تكن قد أكدت هذه الرواية بصورة مستقلة في حينها.
كما تحدثت تقارير عن ضربات جوية على مناطق أخرى من الجبهة الغربية، لكن المشكلة بالنسبة إلى السعودية ليست في القدرة على تنفيذ الغارات، المشكلة هي هل تستطيع القوة الجوية وحدها إعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض بعد أن تحركت القوات الحوثية بسرعة وسيطرت على عقد جغرافية متقدمة؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
الرياض تطلب دعما أميركيا
أكثر المؤشرات دلالة على صعوبة الموقف السعودي جاء من واشنطن، فوفق رويترز، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعما عسكريا ضد الحوثيين بعد التقدم السريع الذي حققوه على الساحل الغربي.
لكن ترامب لم يوافق على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، واكتفى الجانب الأميركي بعرض دعم استخباري ومعلومات استهداف، وفق المصادر التي نقلت عنها رويترز.
هذا التطور مهم لسببين:
أولا، لأنه يكشف أن الرياض ترى أن الوضع تجاوز مجرد اشتباك يمني داخلي.
ثانيا، لأنه يعني أن الولايات المتحدة تحاول في الوقت الراهن تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة مباشرة ضد الحوثيين، رغم أهمية باب المندب للملاحة الدولية.
لماذا أصبحت المعركة أكثر خطورة الآن؟
السبب هو تزامن ثلاثة تطورات استراتيجية:
الأول: اضطراب مضيق هرمز بسبب الحرب الإقليمية.
الثاني: تقدم الحوثيين إلى باب المندب وبريم.
الثالث: تراجع قدرة السعودية على استخدام البحر الأحمر بوصفه بديلا عمليا عن الخليج.
وفي 12 سبتمبر، أكدت رويترز أن السعودية أغلقت مؤقتا خط أنابيب الشرق-الغرب، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر ويمكنه نقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميا، بعد هجوم بطائرات مسيرة قالت بغداد والرياض إنه انطلق من الأراضي العراقية، مع استمرار التحقيق في الجهة المنفذة.
وهكذا أصبحت الرياض أمام مشكلة مزدوجة: الخليج مضطرب، والبحر الأحمر أصبح مهددا من الجنوب، هذه هي النقطة التي تجعل السيطرة الحوثية على بريم أكثر من مجرد انتصار تكتيكي في الحرب اليمنية.
ماذا يعني ذلك لإيران؟
من السهل سياسيا القول إن “إيران سيطرت على باب المندب”؛ لكن هذه العبارة غير دقيقة عسكريا وسياسيا.
الحوثيون قوة يمنية لها قرارها ومصالحها الخاصة، حتى مع الدعم الإيراني الكبير الذي حصلت عليه الحركة على مدى سنوات.
الأدق أن نقول إن إيران باتت تملك، عبر حليفها الحوثي، ورقة ضغط أقوى على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وهذه الورقة تزداد أهمية في ظل اضطراب هرمز.
فإذا كانت طهران قادرة على التأثير في حركة الملاحة في هرمز بصورة مباشرة، وأصبح حليفها الحوثي قادرا على تهديد باب المندب من موقع جغرافي متقدم، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يواجهون ضغطا متزامنا على الطرفين الشرقي والجنوبي لشبكة الطاقة والملاحة في المنطقة.
لكن هذا لا يعني أن إيران “تسيطر” بصورة مباشرة على المضيقين.
الفارق بين السيطرة الإيرانية المباشرة والنفوذ عبر حليف مسلح محلي مهم جدا في أي تحليل عسكري جاد.
هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة.
الإجابة القصيرة: ليس بالضرورة، ولا يحتاجون إلى ذلك حتى يحققوا مكاسب استراتيجية.
المضيق سيظل مفتوحا من الناحية الجغرافية، والممر الغربي واسع بما يكفي لمنع تحويل الجزيرة وحدها إلى حاجز مادي.
لكن وجود الحوثيين في بريم، إذا تمكنوا من تثبيته وتحصينه، قد يسمح لهم بتوسيع نطاق المراقبة والتهديد ضد السفن.
وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الحوثيين لا يحتاجون إلى السيطرة على الممر البحري بالكامل كي يؤثروا في حركة التجارة.
فالهجمات السابقة على السفن دفعت جزءا كبيرا من حركة الملاحة إلى تجنب البحر الأحمر، وتشير AP إلى أن حركة الشحن عبر البحر الأحمر انخفضت بنحو 60% مقارنة بالمستويات السابقة بسبب المخاطر الأمنية.
وبالتالي فإن التهديد المستدام قد يكون أكثر أهمية من الإغلاق الكامل.
المعركة الاقتصادية بدأت بالفعل
لم تنتظر الأسواق نتيجة المعركة العسكرية النهائية؛ ارتفعت أسعار النفط فوق حاجز 100 دولار للبرميل وسط المخاوف من اضطراب الإمدادات، فيما أصبحت المخاوف من الجمع بين هرمز وباب المندب أكثر وضوحا في حسابات أسواق الطاقة.
وفي حال استمرار الخطر، سيكون أمام شركات النقل البحري خياران رئيسيان؛ إما مواصلة المرور مع زيادة تكاليف التأمين والحماية، أو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول بكثير بين آسيا وأوروبا، والنتيجة في الحالتين واحدة تقريبا، ارتفاع تكلفة النقل والطاقة والتأمين، وتأخر سلاسل الإمداد، لهذا فإن المعركة اليمنية يمكن أن تتحول سريعا من أزمة أمنية محلية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
الثمن الإنساني يتصاعد
خلف الخريطة العسكرية توجد أزمة أكثر مباشرة، فالتقدم الحوثي السريع دفع عشرات الآلاف من المدنيين إلى الفرار من مناطق القتال.
أفادت تقارير اليوم السبت بأن نحو 50 ألف مدني فروا من مناطق في محافظتي تعز والحديدة خلال التصعيد الأخير، فيما تحدثت تقارير عن سقوط مئات القتلى منذ بداية الجولة الجديدة من القتال. وتقول منظمة الهجرة الدولية إن حركة النزوح تتسارع مع تغير خطوط الجبهة بصورة متواصلة.
هذا يعني أن انهيار خطوط التماس التي حافظت على مستوى نسبي من الهدوء منذ 2022 لا يعيد الحرب إلى شكلها السابق فقط، بل يهدد بإنتاج موجة نزوح جديدة في بلد يعاني أصلا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
تقدر الأمم المتحدة أن نحو 19.3 مليون شخص في اليمن كانوا بحاجة إلى المساعدة الإنسانية في 2026 حتى قبل التطورات العسكرية الأخيرة.
ماذا بعد بريم؟
المعركة الآن أمام مفترق طرق.
السيناريو الأول: تثبيت السيطرة الحوثية
إذا نجح الحوثيون في تثبيت مواقعهم في المخا وذباب وبريم، وتحويل التقدم السريع إلى منظومة دفاعية متماسكة، فإنهم سيكونون قد انتقلوا من مجرد تهديد باب المندب إلى امتلاك موقع متقدم داخله، وهذا سيجعل أي محاولة لطردهم من المنطقة عملية عسكرية أكثر تعقيدا بكثير.
السيناريو الثاني: هجوم مضاد
القوات الحكومية والسعودية أمام خيار محاولة استعادة المبادرة قبل أن تتحول السيطرة الحوثية إلى أمر واقع، وسيكون المحور الأكثر حساسية هو ذباب وبريم، لأن استعادة هذه المنطقة ستفصل الحوثيين عن موقعهم المتقدم على المضيق.
لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب إعادة تنظيم القوات البرية، وليس مجرد زيادة الغارات الجوية.
السيناريو الثالث: حرب استنزاف حول باب المندب
قد يكون هذا السيناريو الأكثر ترجيحا إذا لم ينجح أي طرف في حسم سريع، عندها تتحول بريم وذباب والساحل المحيط بالمخا إلى منطقة استنزاف، بينما يستخدم الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيرة للضغط على الملاحة، وتستخدم السعودية القوة الجوية لدعم القوات المناهضة لهم، هنا يصبح باب المندب نفسه جزءا من الحرب، حتى لو بقي مفتوحا أمام الملاحة الدولية.
الخريطة الجديدة للحرب
حتى الأسبوع الماضي، كان يمكن وصف الحرب اليمنية بأنها صراع مجمد نسبيا بين مناطق نفوذ متنافسة، أما الآن، فقد ظهرت خريطة مختلفة:الحوثيون في الشمال والغرب؛ المخا، ذباب، بريم، باب المندب.
في الاتجاه الآخر:
السعودية، القوات الحكومية اليمنية، محاولات استعادة الساحل، حماية الممر البحري.
وفوق الطرفين:
إيران والولايات المتحدة، كل منهما يحاول التأثير في ميزان القوة دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب مباشرة جديدة في اليمن، وهذه الخريطة هي التي تجعل الجولة الحالية أخطر من مجرد هجوم حوثي جديد.
الحوثيون لم يغلقوا باب المندب، لكنهم وصلوا إلى المكان الذي يمكن أن يهددوه منه، التطور الأكثر أهمية حتى 12 سبتمبر 2026 ليس مجرد سقوط المخا، إنه أن الحوثيين نجحوا خلال أيام في الانتقال من السيطرة على مدينة ساحلية إلى الوصول إلى ذباب ثم السيطرة على بريم، وفق تأكيدات رويترز وAP/ وهذا يمنحهم لأول مرة في هذه الجولة موقعا متقدما داخل باب المندب نفسه.
لكن القراءة المهنية للمشهد يجب ألا تذهب إلى الطرف الآخر من المبالغة؛ الحوثيون لم يجعلوا باب المندب مغلقا، ولم تتحول إيران إلى مالكة للمضيق، ولم تنته الحرب اليمنية.
الذي حدث هو أخطر وأدق من ذلك:
انتقل الحوثيون من محاولة تهديد باب المندب إلى امتلاك موقع جغرافي داخل المضيق يمكن أن يجعل تهديد الملاحة أكثر استدامة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال القوات المناهضة لهم موجودة على جبهات أخرى، والسعودية تستخدم قوتها الجوية، والحكومة اليمنية تتحدث عن هجوم مضاد، بينما تتحرك الولايات المتحدة بحذر بين حماية الملاحة وتجنب توسيع الحرب.
لهذا فإن المعركة الحقيقية المقبلة لن تكون فقط على المخا أو بريم، ستكون على من يملك القدرة على تثبيت السيطرة بعد انتهاء الهجوم الأول.
فإذا تمكن الحوثيون من الاحتفاظ ببريم وذباب وربطهما بشبكة نيران واستطلاع على الساحل، فإن باب المندب سيدخل مرحلة استراتيجية جديدة.
أما إذا تمكنت القوات المناهضة لهم من استعادة هذه المواقع، فقد يتحول الهجوم الحالي إلى أكبر اندفاعة حوثية منذ هدنة 2022، لكنها لا تغير بصورة دائمة ميزان القوى.
في الحالتين، هناك حقيقة واحدة باتت واضحة:
الحرب اليمنية خرجت من حالة التجميد، وباب المندب أصبح مرة أخرى جزءا مباشرا من المعركة على النظام الإقليمي للطاقة والملاحة.

