الحاضر يستدعي ذاكرة التاريخ.. تصريحات وزير تعكس مكانة القدس بالوجدان التركي

أثارت كلمات وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، التي التي اشار فيها الي أمنيته بأن يحظى بشرف إدارة القدس ولو ليوم واحد، تفاعلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.

قال الوزير: “اللهم ارزقني ولاية القدس”، هو لم يكن يتحدث عن منصب إداري أو طموح سياسي عابر، بل عن شعور يسكن وجدان ملايين المسلمين الذين يرون في القدس أكثر من مدينة، وأكثر من قضية سياسية، وأكثر من عنوان في نشرات الأخبار اليومية.

كلمات صادرة من قلب يستحضر التاريخ قبل أن يستحضر السياسة، ويستدعي الذاكرة قبل أن يتحدث عن المستقبل؛ فالقدس بالنسبة للأتراك ليست مدينة بعيدة جغرافياً بل جزء من تاريخ طويل امتدت فصوله لأربعة قرون تحت راية الدولة العثمانية، حين كانت المدينة المقدسة تحظى بمكانة خاصة في قلب إسطنبول كما في قلب العالم الإسلامي كله.

وبعيداً عن الجدل الذي يرافق عادة أي حديث يتعلق بالمدينة المقدسة، فإن تصريحات الوزير تعكس حقيقة لا يمكن إنكارها وهي أن القدس لا تزال تحتل مكانة خاصة في الوجدان التركي، تماماً كما تحتل مكانة مركزية في وجدان المسلمين حول العالم.

فالقدس بالنسبة لكثير من المسلمين وفي مقدمتهم الترك؛ ليست مجرد قضية سياسية معاصرة، بل جزء من ذاكرة تاريخية ممتدة لقرون تعود إلى الحقبة التي كانت فيها المدينة تحت إدارة الدولة العثمانية..وخلال ما يقرب من أربعة قرون، شكلت القدس إحدى أهم الحواضر في الدولة العثمانية؛حيث ارتبط اسمها بالسلاطين العثمانيين الذين أولوا عناية خاصة بمقدساتها وأسوارها وأوقافها ومؤسساتها الدينية.

ويستحضر الأتراك بصورة خاصة عهد السلطان العثماني سليمان القانوني الذي شهدت القدس خلاله أعمالاً عمرانية بارزة، من أشهرها إعادة بناء أسوار المدينة الحالية وترميم العديد من المعالم التاريخية التي ما زالت شاهدة على تلك المرحلة حتى يومنا هذا.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم تصريحات الوزير تشيفتشي بوصفها تعبيراً عن ارتباط وجداني وتاريخي أكثر من كونها مجرد أمنية إدارية أو سياسية. فالقدس ظلت عبر التاريخ رمزاً دينياً وحضارياً يتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة، وتحمل في الذاكرة التركية دلالات مرتبطة بفترة طويلة من الاستقرار النسبي والإدارة المتواصلة للمدينة ضمن الدولة العثمانية.

كما أن حديث الوزير عن “حرية القدس” يعكس رؤية سياسية وثقافية تتبناها قطاعات واسعة من المجتمع التركي ترى أن قضية القدس ليست قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل قضية ذات بعد إنساني وحضاري وديني عالمي، وبناء على ما تقدم غالباً ما تحضر المدينة في الخطاب السياسي التركي بوصفها رمزاً للهوية والتاريخ والمسؤولية الأخلاقية تجاه المقدسات.

ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، والتي أعادت إحياء النقاش حول مستقبل الشرق الأوسط ودور القوى الإقليمية فيه.

وفي هذا السياق، يبدو أن الوزير أراد التأكيد على أن القدس ستبقى حاضرة في الوعي السياسي التركي وأن الأمل بمستقبل أفضل للمدينة لا يزال قائماً مهما تعقدت الظروف.

lلقد كانت القدس على مدى قرون نقطة التقاء للأديان والثقافات والحضارات، وكانت خلال العهد العثماني نموذجاً للتعايش بين مكوناتها الدينية المختلفة وفق ما تذكره العديد من المصادر التاريخية؛ لذا فإن استحضار تلك المرحلة لا يُنظر إليه لدى كثيرين باعتباره حنيناً إلى الماضي فحسب، بل استدعاء لقيم الاستقرار والاهتمام بالمقدسات والحفاظ على الطابع المتعدد للمدينة.

وفي النهاية سواء اتفق المرء أو اختلف مع المواقف السياسية المرتبطة بالقدس، فإن كلمات الوزير التركي تذكر بحقيقة ثابتة هي:

 أن هذه المدينة لم تكن يوماً مجرد بقعة جغرافية، بل كانت وما تزال رمزاً حياً في ذاكرة الشعوب، ومكاناً تتقاطع فيه العقيدة والتاريخ والسياسة، وتستحضر فيه الأمم صفحات من ماضيها وهي تتطلع إلى مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top