يشهد إقليم كردستان العراق واحدة من أكثر مراحله السياسية تعقيدا منذ سنوات، في ظل تصاعد الخلافات بين القوى الكردية الرئيسية وتعثر عمل المؤسسات الدستورية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على العلاقة مع بغداد، وعلى الملفات الاقتصادية والخدمية التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ومع استمرار الانقسام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بدأت المخاوف تتزايد من تحوّل الأزمة من خلاف سياسي قابل للاحتواء إلى حالة إنهاك مؤسسي تهدد التجربة الكردية التي طالما وُصفت بأنها النموذج الأكثر استقرارا داخل العراق بعد عام 2003.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برزت مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني بوصفها محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الأطراف المتصارعة، وإحياء المسار السياسي الذي دخل في حالة جمود طويلة خلال الأشهر الماضية.
انسداد سياسي يتجاوز الخلافات التقليدية
لم تعد الأزمة القائمة داخل إقليم كردستان مجرد تنافس حزبي اعتيادي على النفوذ أو توزيع المناصب، بل باتت تعكس خللا بنيويا في طبيعة النظام السياسي القائم على التوازن الثنائي بين الحزبين الرئيسيين.
فعلى مدى سنوات طويلة، حافظت المعادلة السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على قدر من الاستقرار النسبي، إلا أن هذه الصيغة ظلت مرتبطة دائما بمستوى التفاهم بين الطرفين، ما جعل مؤسسات الحكم عرضة للاهتزاز كلما تصاعدت الخلافات السياسية.
ومع تعثر التفاهمات الأخيرة، دخل البرلمان الكردستاني في حالة تعطيل، وامتدت الخلافات إلى ملفات إدارية وأمنية واقتصادية، في وقت بدأت فيه العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد تواجه مزيدا من التعقيد، خصوصا في القضايا المرتبطة بالموازنة العامة والنفط والمناصب السيادية.
ويرى مراقبون أن استمرار الانقسام الكردي أضعف قدرة القوى الكردية على التفاوض داخل بغداد، وفقدها جزءا مهما من حضورها الموحد في الملفات المصيرية، وهو ما انعكس على مستوى المكاسب السياسية والاقتصادية التي اعتاد الإقليم تحقيقها خلال السنوات الماضية.
كما أن أزمة اختيار رئيس الجمهورية العراقية تحولت خلال المرحلة الماضية إلى واحدة من أبرز صور هذا الانقسام، بعدما دخل الحزبان الكبيران في صراع سياسي مفتوح أضعف الموقف الكردي داخل العملية السياسية العراقية.
مبادرة تبحث عن إعادة التوازن
في هذا السياق، جاءت مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني محاولة لإعادة التهدئة إلى المشهد السياسي، عبر فتح قنوات اتصال مباشرة مع مختلف القوى المؤثرة داخل الإقليم.
الأمين العام للاتحاد الإسلامي، صلاح الدين محمد بهاء الدين، أجرى سلسلة لقاءات مع أبرز القيادات الكردية، شملت رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، إضافة إلى زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني.
وتركز المبادرة، بحسب ما تداولته وسائل إعلام كردية، على عدة ملفات أساسية، أبرزها:
- إعادة تفعيل البرلمان.
- إطلاق حوار سياسي شامل.
- وقف التصعيد الإعلامي.
- توحيد الموقف الكردي في بغداد.
- معالجة الخلافات المتعلقة بالنفط والموازنة والملفات الدستورية.
لكن أهمية المبادرة لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في طبيعة الجهة التي تقودها؛ إذ لا يتحرك الاتحاد الإسلامي الكردستاني باعتباره طرفا يسعى إلى الهيمنة على المشهد أو كسر التوازنات القائمة، بل يقدم نفسه بوصفه وسيطا سياسيا يحاول منع مزيد من التآكل داخل التجربة الكردية.
وهذه النقطة تحديدا منحت المبادرة مساحة من القبول النسبي بين مختلف الأطراف، في ظل شعور متزايد داخل الشارع الكردي بأن استمرار الانقسام بدأ يتحول إلى عبء مباشر على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الإقليم.
هل تكشف الأزمة حدود النموذج السياسي القائم؟
تكشف التطورات الأخيرة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالخلافات الشخصية أو التنافس الحزبي، بل بطبيعة النظام السياسي نفسه، الذي ظل لعقود قائما على ثنائية سياسية مغلقة تتحكم بمفاصل السلطة والإدارة.
ومع تعطل هذه الثنائية، بدأت مؤسسات الحكم تفقد قدرتها على العمل بصورة مستقرة، الأمر الذي يفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي في الإقليم، وإمكانية الانتقال نحو صيغة أكثر مرونة تقوم على الشراكة السياسية الأوسع بدلا من منطق الاستقطاب الثنائي التقليدي.
ويرى متابعون أن أي تسوية سياسية حقيقية لن تكون قادرة على تحقيق الاستقرار ما لم تتجاوز فكرة إدارة الأزمات المؤقتة نحو إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، وتفعيل المؤسسات الدستورية بصورة تمنع تكرار حالات الشلل السياسي مستقبلا.
الاتحاد الإسلامي.. تجربة مختلفة داخل الإسلام السياسي
واحدة من أبرز النقاط التي تمنح مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني خصوصيتها، هي طبيعة التجربة السياسية للحزب نفسه.
فعلى خلاف نماذج عديدة من الحركات الإسلامية في المنطقة، اختار الاتحاد الإسلامي منذ تأسيسه العمل ضمن المسار السياسي السلمي، بعيدا عن الصدامات المسلحة أو منطق الإقصاء.
وخلال سنوات الصراع الداخلي الكردي في تسعينيات القرن الماضي، لعب الحزب دور الوسيط بين القوى المتصارعة، وفضّل دعم التهدئة والسلم الأهلي على محاولة استثمار الانقسام لتحقيق مكاسب سياسية سريعة.
كما أن الحزب حافظ خلال مسيرته على خطاب سياسي يقوم على فكرة “الإصلاح التدريجي” والعمل المؤسساتي، وهو ما ساعده على تقديم نفسه باعتباره قوة تسعى إلى حماية الاستقرار السياسي أكثر من كونها طرفا في معارك النفوذ التقليدية.
ويرى باحثون أن هذه المقاربة جعلت تجربة الاتحاد الإسلامي الكردستاني تختلف عن كثير من تجارب الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، التي دخلت في صدامات حادة مع الأنظمة السياسية أو تبنت خطابا قائما على الاستقطاب والمواجهة.
هل تنجح المبادرة في منع مزيد من التدهور؟
رغم حالة الترحيب النسبي التي حظيت بها المبادرة، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطا بمدى استعداد القوى الكردية لتقديم تنازلات متبادلة تسمح بإعادة تفعيل المؤسسات السياسية وإنهاء حالة الانقسام الحالية.
فالخلافات القائمة لم تعد مرتبطة بملف واحد يمكن احتواؤه بسهولة، بل تراكمت عبر سنوات من التنافس السياسي والصراع على النفوذ والصلاحيات.
ومع ذلك، تبدو المبادرة محاولة مهمة لإعادة إحياء فكرة الحوار السياسي في لحظة تشهد تصاعدا في المخاوف من دخول الإقليم مرحلة استنزاف طويلة قد تؤثر على موقعه داخل العراق وعلى مستوى الاستقرار الداخلي فيه.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والإقليمية المتزايدة، تبدو الحاجة إلى تفاهم سياسي كردي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خصوصا مع تنامي شعور الشارع بأن استمرار الانقسام لم يعد مجرد أزمة نخبوية، بل تحول إلى أزمة تمس حياة المواطنين اليومية ومستقبل التجربة السياسية الكردية بأكملها.

