تزامنت خلال الأيام الأخيرة في الولايات المتحدة إجراءات جنائية وتحقيقات اتحادية ونزاعات تنظيمية تستهدف أو تشمل شخصيات سياسية ومؤسسات إعلامية على خلاف مع إدارة الرئيس دونالد ترمب. وبينما تخضع كل قضية لمسار قانوني مستقل، فإن اجتماعها في مرحلة واحدة يطرح سؤالا يتجاوز تفاصيل كل ملف: هل تشهد الولايات المتحدة اتساعا في استخدام أدوات الدولة ضمن الصراع السياسي، وما الأدلة التي يمكن أن تثبت وجود نمط من الضغط المؤسسي أو تنفيه؟
برز السؤال مجددا في 12 أكتوبر، عندما فتش عملاء اتحاديون منزل النائبة الديمقراطية إلهان عمر في واشنطن، ضمن تحقيق جنائي مرتبط بادعاءات تتعلق بأوراق الهجرة التي تعود إلى طفولتها. وجاءت العملية قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر بنحو ثلاثة أسابيع، وسط خلاف سياسي بشأن دوافعها وتوقيتها. وأكدت وزارة العدل أن التفتيش جرى بموجب إذن قضائي، لكن الإذن لا يعني ثبوت الاتهامات، كما أن عمر نفت الادعاءات المتعلقة بالاحتيال.
لم تكن هذه الواقعة معزولة عن سياق أوسع من النزاعات بين الإدارة وخصومها. ففي 10 أكتوبر، كشف عن تحقيق لوزارة العدل يشمل خمس شبكات تلفزيونية كبرى، هي ABC وCBS وCNN وNBC وفوكس نيوز، على خلفية تعليقها التغطية المشتركة للبيت الأبيض تضامنا مع مؤسسات سحبت اعتمادات مراسليها. وفي مسار مواز، تخوض ديزني نزاعا قضائيا مع هيئة الاتصالات الفيدرالية بشأن مراجعة مبكرة لتراخيص ثماني محطات تابعة .
هذه الملفات لا تثبت، بمجرد تزامنها، وجود خطة مركزية واحدة. لكنها تتيح فحص سؤال أكثر تحديدا: هل تستخدم الصلاحيات الجنائية والتنظيمية وقواعد المنافسة الاقتصادية بطريقة متسقة مع أغراضها القانونية، أم أن بعض الإجراءات قد تؤدي، بصرف النظر عن نتائجها النهائية، إلى زيادة الكلفة القانونية والاقتصادية على الخصوم والمؤسسات الإعلامية؟.
من نزاع مع الصحافة إلى تحقيق بموجب قوانين المنافسة
بدأ أحد أبرز فصول المواجهة الأخيرة في سبتمبر، عندما سحبت إدارة ترمب اعتمادات مراسلي CNN وبوليتيكو وMS NOW. وردت الشبكات الخمس التي تشارك في تنظيم التغطية التلفزيونية المشتركة للبيت الأبيض بتعليق مشاركتها، قبل أن تأمر محكمة اتحادية بإعادة الاعتمادات، معتبرة أن استبعاد المؤسسات المعنية يرجح أن يخالف التعديل الأول للدستور الأمريكي.
لاحقا، فتحت وزارة العدل تحقيقا لمعرفة ما إذا كان التنسيق بين الشبكات يشكل مقاطعة جماعية غير قانونية بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار. وقالت الوزارة إن الاتفاقات الجماعية بين المنافسين التجاريين قد تخالف القانون، وإن التحقيق يهدف إلى تحديد ما إذا كانت الشبكات قد ارتكبت مخالفة بالفعل.
هنا تظهر المفارقة التي تستحق التحليل. فالشبكات ليست مجرد مؤسسات متنافسة على سوق الإعلانات والمشاهدين؛ إنها تشارك أيضا في آلية مهنية لتوزيع تكاليف تغطية أنشطة الرئيس ومشاركة اللقطات مع مؤسسات أخرى. ويمكن، من حيث المبدأ، إخضاع التنسيق بين الشركات لقواعد المنافسة، لكن تحديد ما إذا كان هذا التنسيق يشكل مخالفة يتطلب فحص طبيعة الاتفاق، وأثره، والأساس القانوني لتطبيق القانون عليه.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل السياق الذي سبق التحقيق: فقد جاء بعد نزاع حول دخول الصحفيين إلى البيت الأبيض، وبعد تحرك قضائي ضد قرار سحب الاعتمادات. وهذا التسلسل لا يثبت أن التحقيق انتقامي، لكنه يجعل دوافعه ومعايير تطبيقه موضوعا مشروعا للفحص العام.
كما أن دخول فوكس نيوز ضمن الشبكات الخمس يوضح أن نطاق التحقيق لا يقتصر على المؤسسات التي تصنف عادة ضمن الإعلام الليبرالي أو المعارض. غير أن هذه النقطة لا تحسم وحدها حياد التحقيق؛ فالمعيار الأهم هو الأدلة التي تستند إليها وزارة العدل، وطريقة تطبيق القانون على الحالات المتشابهة، وما إذا كانت هناك مؤشرات على تدخل سياسي في مساره.
تراخيص ABC: عندما تصبح الصلاحيات التنظيمية موضع نزاع دستوري
يمثل النزاع بين ديزني وهيئة الاتصالات الفيدرالية مسارا مختلفا عن التحقيق الجنائي، لكنه يفتح سؤالا مشابها حول الحدود الفاصلة بين التنظيم الحكومي والتأثير في المحتوى الإعلامي.
في جلسة قضائية عقدت في 6 أكتوبر، قالت محامية ديزني إن المراجعة المبكرة لتراخيص ثماني محطات تابعة لABC تمثل محاولة لمعاقبة الشبكة على خياراتها التحريرية. وكانت التراخيص المعنية سارية حتى فترات تتراوح بين عامي 2028 و2031، بينما دافعت الهيئة عن الإجراء باعتباره مرتبطا بطلبات وثائق تتعلق بسياسات التنوع. كما أثارت القاضية تساؤلات بشأن مبررات المراجعة وتوقيتها.
تنبع أهمية هذه القضية من طبيعة الأداة المستخدمة. فالجهات التنظيمية تمتلك صلاحيات ضرورية لضمان الامتثال للقانون، لكن المؤسسات الإعلامية تعتمد أيضا على قراراتها في مسائل تمس استمرار البث وتكاليف التشغيل والتخطيط التجاري. وإذا اعتقدت مؤسسة أن نقدها للرئيس قد يعرضها لمراجعات تنظيمية استثنائية، فقد تتولد لديها حوافز لتجنب محتوى مثير للخلاف، حتى من دون صدور أمر مباشر بحذف مادة أو منع بثها.
ويعرف هذا الأثر في دراسات حرية التعبير باسم «الأثر المثبط»: أي أن التهديد المحتمل بالعقوبات أو الإجراءات القانونية قد يدفع الأفراد أو المؤسسات إلى تقييد سلوك مشروع خشية العواقب. لكن إثبات وقوع هذا الأثر في حالة بعينها يحتاج إلى أدلة، مثل مراسلات داخلية أو شهادات موثقة أو تغييرات تحريرية يمكن ربطها بالضغط التنظيمي.
في المقابل، لا يكفي أن تصف ديزني الإجراء بأنه انتقامي لإثبات ذلك قانونيا. فالمسألة تتطلب فحص سجل الهيئة، والأساس الذي استندت إليه، ومدى اتساق الإجراء مع ممارساتها السابقة، فضلا عن الأدلة المتعلقة بالتصريحات السياسية التي سبقت القرار.
وبذلك، لا تنحصر القضية في مصير تراخيص ثماني محطات، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن منع الصلاحيات التنظيمية المشروعة من التحول إلى وسيلة ضغط على المؤسسات التي تمارس حقها في النقد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الدولة على تطبيق القانون؟
«المؤامرة الكبرى»: حين تتحول الملاحقات السابقة إلى تحقيق واسع
يقدم التحقيق المعروف باسم «المؤامرة الكبرى» بعدا آخر لفهم العلاقة بين السياسة وإنفاذ القانون في إدارة ترمب. ووفق تحقيق نشرته نيويورك تايمز في 9 أكتوبر، سعى مسؤولون إلى إثبات فرضية تربط تحقيق التدخل الروسي في انتخابات 2016 بالملاحقات اللاحقة التي قادها المحقق الخاص جاك سميث، باعتبارها أجزاء من مؤامرة ممتدة ضد ترمب. لكن التحقيق واجه اضطرابات في فريقه وصعوبات في العثور على أدلة تدعم النظرية الواسعة التي انطلق منها.
وذكرت الصحيفة أن جو ديجينوفا، الذي كلف بقيادة التحقيق، غادر منصبه في سبتمبر بعد خلافات داخلية مع مسؤولين في وزارة العدل، كما واجه الفريق صعوبات في استقطاب مدعين مهنيين للعمل في القضية. وأشار التحقيق الصحفي إلى أن اتساع الفرضية لم يقابله، حتى ذلك الوقت، ما يكفي من الأدلة لإثباتها بالصورة التي تصورها القائمون عليها.
تكمن الدلالة هنا في الفرق بين التحقيق في واقعة محددة وبين بناء فرضية شاملة تربط سلسلة من الأحداث السياسية والقضائية في مؤامرة واحدة. فكلما اتسعت الفرضية، ازدادت الحاجة إلى أدلة تربط الوقائع والأشخاص وتثبت عناصر الجريمة، بدل الاكتفاء بالتشابه السياسي أو الزمني بينها.
كما أن التعثر الإداري أو استقالة مسؤول لا يثبتان وحدهما أن التحقيق بلا أساس؛ لكنهما يثيران أسئلة حول معايير اختيار القضايا، ومدى استقلال المحققين، والضمانات التي تمنع توجيه الموارد العامة لخدمة رواية سياسية سابقة التجهيز.
وهنا تظهر الصلة التحليلية مع النزاع حول الإعلام: ليست المسألة أن جميع الملفات متطابقة، بل أن اختبار استقلال مؤسسات إنفاذ القانون والجهات التنظيمية يتطلب فحص ما إذا كانت القرارات تستند إلى أدلة ومعايير قابلة للتطبيق على الجميع، أم تتأثر بهوية المستهدف وموقفه السياسي.
توقيت الانتخابات: معيار مهم، لكنه ليس دليل إدانة
تضيف مداهمة منزل إلهان عمر حساسية خاصة إلى هذا المشهد، لأن العملية وقعت قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026. ويستوجب هذا التوقيت مراجعة القواعد التي تحكم تحركات وزارة العدل في الفترات الانتخابية.
ينص دليل وزارة العدل الأمريكية، في القسم 9-85.500، على أنه لا يجوز للمدعين الفيدراليين أو المحققين اختيار توقيت إجراء تحقيقي أو توجيه اتهام أو إصدار بيان بغرض التأثير في الانتخابات أو منح مرشح أو حزب أفضلية أو إلحاق الضرر به. كما يشير الدليل إلى ضرورة التشاور الداخلي في الإجراءات التي يمكن أن تثير إشكالا أو انطباعا بوجود تدخل انتخابي.
لكن هذه القاعدة لا تعني وجود حظر آلي على كل إجراء جنائي يقع قبل الانتخابات، ولا تثبت أن كل إجراء في هذه الفترة يخالف السياسة. فالمعيار الجوهري هو الغرض من القرار وظروفه، إلى جانب الإجراءات الرقابية المطلوبة.
لذلك، فإن الأسئلة الصحفية الصحيحة في قضية عمر ليست مقتصرة على سبب وقوع المداهمة في هذا التوقيت، بل تشمل أيضا: متى بدأ التحقيق؟ ما الأدلة التي استند إليها طلب التفتيش؟ هل خضع القرار للمراجعة المطلوبة؟ وهل توجد قرائن موثقة على أن توقيته اختير لتحقيق أثر سياسي؟
من دون إجابات موثوقة عن هذه الأسئلة، يظل التوقيت عنصرا يستدعي التدقيق، لا دليلا حاسما على وجود دوافع انتخابية.
من نزاع سياسي إلى اختبار مؤسسي
لا تقتصر المواجهة على التحقيقات الجنائية والتنظيم الإعلامي. ففي مسار مدني منفصل، سعى ترمب إلى مواصلة دعواه ضد هيلاري كلينتون وجيمس كومي وآخرين، متهما إياهم بالتآمر ضده. وتظهر سجلات المحكمة العليا الأمريكية وجود طلب في القضية التي تحمل اسم Donald J. Trump v. Hillary R. Clinton، مع تمديد الموعد النهائي لتقديم التماس المراجعة حتى 9 أكتوبر 2026.
غير أن هذا المسار يجب أن يقرأ وفق وضعه القضائي المحدد، لا باعتباره دليلا على صحة الادعاءات الواردة فيه. كما ينبغي التمييز بين طلب إعادة النظر في دعوى مدنية وبين تحقيق جنائي، لأن لكل منهما قواعد إثبات وإجراءات ونتائج محتملة مختلفة.
وعند جمع هذه الملفات، تظهر ثلاثة مستويات من النزاع: خلاف سياسي حول شرعية الملاحقات السابقة، ونزاع دستوري بشأن العلاقة بين الحكومة ووسائل الإعلام، وتساؤلات حول استقلال أجهزة إنفاذ القانون والجهات التنظيمية. ويكمن التحدي التحليلي في تحديد الروابط التي تثبتها الوثائق، بدل افتراض أن جميع الوقائع أجزاء من خطة واحدة لمجرد وقوعها في عهد الإدارة نفسها.
ما الذي يمكن أن تكشفه المرحلة المقبلة؟
يمكن متابعة ثلاثة مسارات لتقييم ما إذا كانت الوقائع تتجه نحو تصعيد مؤسسي أم نحو احتواء قانوني.
أولا، مسار الرقابة القضائية. ستكون القرارات الصادرة في النزاعات المتعلقة بالاعتمادات الصحفية وتراخيص البث والتحقيقات الجنائية مؤشرا على الحدود التي تضعها المحاكم أمام استخدام الصلاحيات التنفيذية. وينبغي قراءة كل قرار وفق نطاقه وأسبابه، لا تعميمه على ملفات أخرى.
ثانيا، مسار الأدلة والمساءلة. ستكتسب النتائج المعلنة للتحقيقات أهمية خاصة: هل تفضي إلى اتهامات تستند إلى أدلة قابلة للفحص، أم تتقلص الملفات الواسعة إلى قضايا محددة، أم تغلق بعض التحقيقات؟ كما أن استقالة مسؤول أو تعثر فريق لا يكفيان وحدهما للحكم على النتيجة القانونية.
ثالثا، مسار الاستقلال التحريري. يمكن رصد ما إذا كانت المؤسسات الإعلامية تجري تغييرات في سياساتها أو تغطيتها استجابة لضغوط تنظيمية أو مخاطر التقاضي. ويتطلب ذلك أدلة مباشرة، لا مجرد افتراض أن أي تغيير تحريري سببه الخوف من الإدارة.
هذه المؤشرات لا تسمح بالجزم مسبقا بمسار واحد، لكنها توفر إطارا قابلا للاختبار بدل الاكتفاء بوصف المشهد بأنه تصعيد سياسي.
الخلاصة: ما الذي تثبته الوقائع الأمريكية؟
تكشف الوقائع المتاحة عن تصاعد النزاعات بين إدارة ترمب وخصوم سياسيين ومؤسسات إعلامية، عبر أدوات قانونية وتنظيمية متعددة. ويشمل المشهد تحقيقا جنائيا طاول منزل إلهان عمر، وتحقيقا في التنسيق بين خمس شبكات تلفزيونية، ونزاعا بشأن مراجعة تراخيص محطات ABC، إلى جانب تحقيق واسع في مزاعم مؤامرة ضد ترمب واجه صعوبات داخلية.
لكن الأدلة المتاحة لا تبرر التعامل مع جميع هذه الملفات بوصفها عملية موحدة ثبتت إدارتها بهدف واحد. وفي المقابل، فإن اختلاف الأسس القانونية لا يلغي ضرورة فحص احتمال استخدام الصلاحيات بصورة انتقائية، أو تأثير الإجراءات في استقلال الإعلام، أو تدخل الاعتبارات السياسية في عمل أجهزة الدولة.
والسؤال الأهم ليس ما إذا كان الرئيس يملك صلاحيات قانونية واسعة فحسب، بل ما إذا كانت المؤسسات قادرة على ضمان استخدامها وفق معايير ثابتة، بصرف النظر عن هوية المستهدف أو موقفه السياسي. ففي النظام الديمقراطي، لا تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على ملاحقة المخالفات وحدها، بل أيضا بقدرتها على منع تحويل القانون إلى أداة في الصراع على السلطة.

