إسحاق هرتسوغ وقمة سيكا في باكو وسط توتر العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني وإيران

 هرتسوغ يعبر اﻻجواء التركية “خلسة” بطائرة تجارية للوصول إلى “باكو”

انسحاب الوفود يكشفان صراع النفوذ بين الكيان وتركيا وإيران

تقرير تحليلي استقصائي | 16 أكتوبر 2026

لم تكن مشاركة رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتسوغ في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا “سيكا”، التي استضافتها العاصمة الأذربيجانية باكو في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مجرد حضور بروتوكولي لرئيس دولة في اجتماع إقليمي.

 حيث تزامن وصوله مع تقارير عن عبوره المجال الجوي التركي على متن رحلة تجارية، ثم تحولت لحظة إلقائه كلمته إلى مشهد احتجاج دبلوماسي، بعدما غادرت وفود عدة القاعة، بينها وفود تركيا وإيران والكويت وباكستان والسلطة الفلسطينية، فيما بقي أمير قطر في مقعده.

تكشف هذه الوقائع، إذا وضعت في سياقها الإقليمي، عن ثلاث مسائل مترابطة؛ حدود القيود التركية على حركة طيران الكيان، وإصرار اﻷخير على كسر عزلته الدبلوماسية، ودور أذربيجان في إدارة علاقاتها المتعارضة مع أنقرة وطهران وتل أبيب.

لكن الدلالة الأهم لا تكمن في الصور وحدها، بل في السؤال الذي تطرحه؛ هل كانت باكو مجرد مكان لانعقاد القمة، أم أنها تحولت إلى ساحة لإظهار التباينات داخل شبكة التحالفات الإقليمية؟

 أولا: كيف وصل هرتسوغ عبر الأجواء التركية؟

أثار وصول هرتسوغ إلى أذربيجان اهتماما خاصا بعدما أفادت تقارير صحفية بأنه استقل رحلة تجارية تابعة لشركة الطيران الأذربيجانية “أزال” (AZAL)، بدلا من السفر على متن طائرة حكومية إسرائيلية.

وبحسب تقرير نشره موقع “Turkish Minute” في 15 أكتوبر، استقل هرتسوغ الرحلة J222 من تل أبيب إلى باكو، على متن طائرة بوينغ 787-8 دريملاينر، في رحلة عبرت المجال الجوي التركي. 

وربط التقرير بين استخدام الرحلة التجارية والقيود التي تستهدف الطائرات التابعة للكيان الغاصب. 

تكتسب هذه الرواية أهميتها من خلفية العلاقات التركية الصهيونية، فأنقرة اتخذت مواقف شديدة الانتقاد للكيان على خلفية الحرب في غزة، وفرضت قيودا على العلاقات التجارية معها، كما أصبحت حركة الطيران الرسمي للكيان عبر المجال الجوي التركي مسألة ذات حساسية سياسية وأمنية.

نقل تقرير “Turkish Minute”، استنادا إلى تغطية إعلامية سابقة، أن أنقرة لم تكن على علم بوجود رئيس الكيان  على متن الطائرة، وأن القيود لا تشمل بالضرورة الرحلات المدنية الأجنبية. لكن هذه التفاصيل لا تكفي وحدها لإثبات أن السلطات التركية لم تكن تعلم بهوية الراكب، أو أن الرحلة صممت خصيصا لتجاوز إجراءاتها.

وهنا تكمن المسألة؛ هل كان اختيار الرحلة التجارية إجراء عاديا فرضته ترتيبات السفر، أم وسيلة لتفادي القيود السياسية المفروضة على طيران الحكومي الكيان؟. 

وصول هرتسوغ عبر مسار جوي يمر بتركيا، وفق التقارير المنشورة، يبرز الفرق بين تدهور العلاقات السياسية وإمكانية استمرار بعض قنوات الحركة المدنية وفق قواعد منفصلة.

 ثانيا: أربعة مقاعد بين الكيان وإيران

داخل قاعة القمة، برز مشهد آخر عندما جلس هرتسوغ في الجهة نفسها من الطاولة التي جلس إليها نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، مع وجود عدد من المسؤولين بينهما.

كان المشهد رمزيا أكثر منه دليلا على وجود اتصال سياسي مباشر. فاجتماع مسؤولين إسرائيليين وإيرانيين في قاعة واحدة ضمن مؤتمر متعدد الأطراف لا يعني أن الطرفين دخلا في حوار ثنائي، ولا يثبت أن ترتيب المقاعد كان مقصودا لاستفزاز أي منهما.

ومع ذلك، فإن وجودهما في المكان نفسه يعكس طبيعة المنصات الدبلوماسية متعددة الأطراف، التي تجمع دولا متخاصمة ضمن إطار مؤسسي واحد، حتى عندما تكون العلاقات الثنائية بينها مقطوعة أو شديدة التوتر.

وتزداد أهمية المشهد في ضوء تنافس الكيان مع إيران، الذي يتجاوز الملف النووي إلى النفوذ الإقليمي، والعمليات الأمنية والعسكرية، ومستقبل ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط.

أما الجلوس المتقارب، فيبقى تفصيلا بروتوكوليا لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل؛ فلا تتوافر في التقارير المشار إليها أدلة على أن هرتسوغ تعمد اختيار مقعد مجاور للوفد الإيراني، أو أن طهران اعتبرت ترتيب المقاعد بحد ذاته رسالة سياسية مستقلة.

 ثالثا: الانسحاب من القاعة احتجاج منظم أم تعبير عن عزلة الكيان؟

عندما بدأ هرتسوغ إلقاء كلمته، غادر ممثلو عدة دول القاعة. وأكدت تقارير نشرتها وكالة الأناضول و”الجزيرة” ووسائل إعلام أخرى أن الانسحاب شمل ممثلين عن أكثر من عشر دول وفق بعض التغطيات، فيما حددت تقارير أخرى خمس وفود رئيسية هي تركيا وإيران والكويت وباكستان والسلطة الفلسطينية. 

هذا الاختلاف في عدد الدول لا يلغي وقوع الانسحاب، لكنه يفرض التمييز بين الوفود التي ثبتت مغادرتها في التقارير المحددة، والدول التي أدرجتها تغطيات أخرى ضمن قائمة أوسع. كما ينبغي عدم الخلط بين مغادرة الوفد الرسمي بكامله وخروج بعض ممثليه.

سياسيا، حمل الانسحاب رسالة واضحة؛ مشاركة الكيان في مؤتمر إقليمي لا تعني قبول خطابها أو تطبيع العلاقات معها، وأن بعض الدول أرادت إظهار رفضها العلني لمنح رئيس الكيان الغاصب منصة يخاطب منها المشاركين، في ظل استمرار الاعتراضات على السياسات الإسرائيلية والحرب في غزة.

ولتركيا خصوصية إضافية في هذا المشهد؛ فقد غادر وزير الخارجية هاكان فيدان والوفد التركي القاعة عند بدء خطاب هرتسوغ، في خطوة ذات دلالة سياسية واضحة، بالنظر إلى التوتر بين أنقرة وتل أبيب.

أما الانسحاب الإيراني، فينسجم مع الخصومة الاستراتيجية بين البلدين، وبالنسبة إلى الكويت وباكستان والسلطة الفلسطينية، فقد أتاح الانسحاب التعبير عن موقف سياسي من دون الانسحاب من القمة بأكملها أو تعطيل أعمالها.

لكن من المهم عدم اعتبار المشهد دليلا تلقائيا على وجود تنسيق مسبق بين جميع الوفود المغادرة، فالتزامن قد يعكس موقفا مشتركا من مشاركة الكيان، لكنه لا يثبت وحده وجود خطة جماعية أو اتفاق سري على توقيت الانسحاب.

الدلالة الأوسع: تمكن الكيان ورئيسه من المشاركة في القمة وإلقاء خطابه، لم تستطع منع تحول المناسبة إلى منصة مرئية لإظهار رفض دبلوماسي متعدد الأطراف، وهذه مفارقة بين الحضور الرسمي والقبول السياسي.

 رابعا: لماذا بقي أمير قطر؟ وما الذي لا يمكن استنتاجه من ذلك؟

 بقي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في القاعة واستمع إلى خطاب هرتسوغ في مقابل الوفود التي غادرت، وفق تقارير نشرتها “جيروزاليم بوست”.

سرعان ما اكتسب هذا التفصيل أهمية إعلامية، خصوصا أن قطر تؤدي دورا بارزا في الوساطات المرتبطة بغزة، ولها قنوات اتصال سياسية تتصل بملفات الرهائن ووقف إطلاق النار والمفاوضات الإقليمية.

لكن بقاء الأمير في القاعة لا يكفي لإثبات تغير في السياسة القطرية تجاه الكيان، ولا يبرهن بمفرده على وجود تفاهم جديد بين الدوحة وتل أبيب. 

فالاستمرار في جلسة متعددة الأطراف قد يرتبط بالأعراف الدبلوماسية، أو بطبيعة المشاركة في القمة، أو بتقدير أن الانسحاب ليس الوسيلة الأنسب لإيصال الموقف السياسي.

كذلك لا يجوز اختزال موقف دولة في تصرف بروتوكولي واحد، بمعزل عن سياستها المعلنة وممارساتها الفعلية.

ومن هنا، فإن المقارنة بين قطر والدول المنسحبة تفتح بابا للتحليل، لكنها لا تمنح أساسا كافيا للحديث عن انقسام قطري تركي إيراني في ملف إسرائيل، ما لم تظهر أدلة أخرى على اختلاف المواقف أو وجود تفاوض مستقل.

أما بقاء ممثلين من الإمارات ومصر والبحرين، كما أوردت بعض التغطيات، فيحتاج إلى تحديد مستوى التمثيل في كل وفد، وما إذا كان الباقون مسؤولين سياسيين مخولين باتخاذ مواقف باسم حكوماتهم أم دبلوماسيين يواصلون المشاركة في الجلسة بحكم مهماتهم. ولا يصح التعامل مع بقائهم وحده باعتباره تأييدا لمضمون خطاب هرتسوغ.

 خامسا: أذربيجان بين أنقرة وتل أبيب وطهران

لا يمكن فهم دلالات القمة من دون التوقف عند موقع أذربيجان في شبكة العلاقات الإقليمية، فباكو ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع تركيا، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكة مهمة مع إسرائيل، بينما تواجه حسابات أمنية وجغرافية حساسة في علاقتها مع إيران.

تمنح هذه العلاقات أذربيجان مساحة للمناورة، لكنها تفرض عليها أيضا إدارة تناقضات يصعب تجاهلها. فالتقارب مع تركيا لا يلغي استقلال القرار الأذربيجاني، والشراكة مع إسرائيل لا تعني تطابق مصالح الطرفين في كل الملفات، كما أن الجوار مع إيران يجعل أي تحول في ميزان القوى الإقليمي مسألة تمس الأمن الأذربيجاني مباشرة.

في هذا السياق، تمثل استضافة هرتسوغ في قمة متعددة الأطراف إشارة إلى أن باكو لا تريد حصر سياستها الخارجية في محور واحد، وأنها مستعدة لمنح إسرائيل مساحة للحضور الدبلوماسي رغم الاعتراضات التي أثارها ذلك لدى دول أخرى.

لكن من غير الدقيق اعتبار الاستضافة وحدها دليلا على أن أذربيجان تنفذ خطة إسرائيلية لمواجهة إيران أو أنها تتحدى تركيا بصورة متعمدة. فإثبات مثل هذا التوجه يحتاج إلى قرائن تتعلق بالتنسيق الأمني والعسكري، أو تصريحات رسمية، أو قرارات عملية تتجاوز الاستنتاج من صورة القمة.

 التوتر مع تركيا: أزمة الحجاب تكشف حدود التحالف

تزامنت القمة مع توتر في الخطاب السياسي والإعلامي بين تركيا وأذربيجان بشأن تطبيق قواعد الزي المدرسي في المدارس الحكومية الأذربيجانية، وما نتج عنه من منع بعض الطالبات المحجبات من دخول مدارسهن وفق تقارير صحفية.

وأوضحت “دويتشه فيله” التركية في تقرير منشور في 13 أكتوبر/تشرين الأول أن الخلاف اتسع بعد انتقادات من شخصيات قريبة من حزب العدالة والتنمية التركي، وردود من حزب أذربيجان الجديدة الحاكم اتهمت الجانب التركي بالتدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان. كما أشارت التغطية إلى أن النص التنظيمي المتعلق بالزي المدرسي لم يتضمن حظرا صريحا عاما على الحجاب، لكن تطبيق بعض المدارس للقواعد أثار اعتراضات واسعة.

تكمن أهمية هذه الأزمة في أنها كشفت حدود الخطاب الذي يقدم تركيا وأذربيجان باعتبارهما كتلة سياسية متجانسة، فالعلاقات بينهما تقوم على روابط لغوية وتاريخية، وشراكة أمنية واقتصادية، وتقارب في ملفات استراتيجية، لكنها لا تلغي حساسية باكو تجاه أي خطاب تعتبره تدخلا في قراراتها الداخلية.

ولا يعني الخلاف حول الحجاب انهيار التحالف أو تراجع التعاون الدفاعي بين البلدين. فقد أشار تحليل “دويتشه فيله” إلى استمرار التعاون الدفاعي رغم التوتر السياسي والإعلامي. 

وتتجاوز المسألة بذلك حدود الزي المدرسي. فهي تضع أمام أنقرة معادلة دقيقة: كيف تدافع عن قضايا تحظى بحساسية داخلية لديها، من دون أن تتحول مواقفها إلى مصدر احتكاك مع دولة تعدها شريكا استراتيجيا؟

أما الربط بين أزمة الحجاب والعلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية، فينبغي التعامل معه بوصفه عاملا سياسيا متزامنا لا تفسيرا وحيدا للخلاف. فالمصادر المتاحة تشير إلى تداخل الملفين في النقاش العام، لكنها لا تثبت أن أحدهما كان السبب المباشر في الآخر.

 سادسا: هل يستثمر الكيان التباينات بين حلفاء الأمس؟

يملك الكيان الغاصب ﻷرض فلسطين المباركة؛ مصلحة واضحة في توسيع حضورها الدبلوماسي، خصوصا في الفترات التي تواجه فيها اعتراضات دولية على سياساتها. 

من هذا المنظور، فإن مشاركة رئيسها في قمة تستضيفها دولة ذات علاقات وثيقة مع تركيا، وتجمع مسؤولين من دول بينها وبين الكيان خلافات عميقة، تمنحها فرصة لتأكيد أنها لا تزال قادرة على الوصول إلى المنصات الدولية.

غير أن الاستنتاج بأن تل أبيب تعمدت استغلال التوتر التركي الأذربيجاني يحتاج إلى أدلة مباشرة، فالتزامن بين زيارة هرتسوغ والخلاف حول الحجاب لا يثبت أن الزيارة صممت لاستثمار الأزمة، كما أن انعقاد القمة وفق جدول متعدد الأطراف لا يعني أن كل تفاصيلها خضعت لحسابات في الكيان

مع ذلك، يمكن تحديد ثلاثة مكاسب محتملة للكيان من المشاركة:

أولها، كسر الصورة التي توحي بأنها مستبعدة تماما من المنصات الإقليمية، حتى عندما تواجه احتجاجا من وفود مشاركة.

وثانيها، إظهار استمرار العلاقة مع أذربيجان، وهي شراكة تتجاوز المجال الدبلوماسي إلى اعتبارات استراتيجية واقتصادية وأمنية.

وثالثها، نقل النقاش من سؤال قبول سياساتها إلى سؤال قدرتها على المشاركة في المحافل الدولية. فالانسحاب الاحتجاجي يحرج إسرائيل من جهة، لكنه يؤكد من جهة أخرى أنها حصلت على فرصة إلقاء خطابها أمام القمة.

وهنا يظهر الفرق بين الحضور والشرعية السياسية: تستطيع الدولة الوصول إلى المنصة، لكن ذلك لا يعني أن بقية المشاركين يمنحونها قبولا سياسيا أو أخلاقيا.

 سابعا: ماذا تقول القمة عن مستقبل العلاقات التركية الأذربيجانية؟

قد يبدو التوتر الراهن مؤشرا إلى أزمة في العلاقة بين أنقرة وباكو، لكن قراءة المشهد تحتاج إلى التمييز بين الخلافات الظرفية والمصالح الاستراتيجية طويلة الأجل.

تربط البلدين مصالح دفاعية واقتصادية وطاقة ونقل، فضلا عن تقارب سياسي تاريخي. وهذه المصالح تجعل القطيعة الشاملة مكلفة للطرفين، حتى عندما تتصاعد الانتقادات المتبادلة.

في المقابل، لا يمكن افتراض أن قوة التحالف ستمنع الخلافات المستقبلية. فكلما اتسع هامش الحركة الخارجية لأذربيجان، زادت احتمالات اختلاف تقديراتها عن تقديرات أنقرة في التعامل مع الكيان وإيران وروسيا والغرب.

ويظهر ملف الحجاب جانبا آخر من هذا التباين: تركيا قد تنظر إلى القضية من زاوية دينية وسياسية داخلية، بينما تقدمها السلطات الأذربيجانية في إطار قواعد التعليم والعلمانية والسيادة الوطنية. ولا يحسم هذا الاختلاف طبيعة العلاقة، لكنه يكشف أن الهوية المشتركة لا تنتج بالضرورة سياسة داخلية أو خارجية متطابقة.

أما في ما يتعلق بالكبان الغاصب؛ فإن استمرار الشراكة الأذربيجانية معه قد يمنح باكو هامشا استراتيجيا إضافيا، لكنه يفرض عليها أيضا حساب ردود الفعل الإيرانية والتركية، وتقدير ما إذا كانت المكاسب الناتجة عن هذه العلاقة تفوق تكاليف الاحتكاك الإقليمي.

 ثامنا: السيناريوهات المحتملة بعد قمة باكو

 السيناريو الأول: احتواء الخلاف التركي الأذربيجاني

هذا هو السيناريو الذي تدعمه المصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين. وقد تظهر علاماته في تراجع حدة التصريحات، واستمرار التعاون الدفاعي والاقتصادي، وتجنب نقل الخلاف حول الحجاب إلى ملفات التحالف الأساسية.

ولا يعني هذا المسار اختفاء الاختلافات، بل إبقاءها ضمن حدود لا تهدد العلاقة الاستراتيجية.

 السيناريو الثاني: اتساع الخلاف السياسي مع بقاء التعاون الأمني

قد تستمر الانتقادات المتبادلة في الملفات الدينية والإعلامية، فيما تحافظ المؤسسات الأمنية والاقتصادية على التعاون القائم. ويعني ذلك نشوء علاقة أكثر براغماتية، تفصل بين الخلافات الداخلية والمصالح المشتركة.

وتزداد احتمالات هذا السيناريو إذا استمر الجدل حول الزي المدرسي، أو تكرر تدخل شخصيات سياسية من البلدين في النقاشات الداخلية للطرف الآخر.

 السيناريو الثالث: تصاعد التنافس على إدارة العلاقة مع الكيان

إذا أصبحت الشراكة الأذربيجانية مع الكيان أكثر حضورا في النقاش السياسي التركي، فقد تتحول إلى عنصر ضغط إض مع الكيان أكثر حضورا في النقاش السياسي التركي، فقد تتحول إلى عنصر ضغط إضافي على العلاقة بين أنقرة وباكو. لكن هذا الاحتمال لا يتوقف على التصريحات وحدها؛ بل يتطلب مؤشرات عملية، مثل تغيرات في التعاون الدفاعي، أو قرارات دبلوماسية، أو خلافات علنية بشأن ملفات أمنية إقليمية.

ولا توجد في وقائع القمة وحدها أدلة كافية للجزم بأن هذا المسار بدأ بالفعل.

 السيناريو الرابع: توظيف القمم متعددة الأطراف في صراع الشرعية

قد يصبح المشهد الذي شهدته قمة “سيكا” نموذجا متكررا، بحيث يسعى الكيان إلى المشاركة في المحافل الدولية لإثبات استمرار حضورها، بينما تستخدم دول معارضة لسياساتها الانسحاب أو المقاطعة لإظهار رفضها.

تبقى قوة هذا السيناريو مرتبطة بتطور الحرب في غزة، ومواقف الدول المشاركة، ومدى استعداد الدول المضيفة للموازنة بين استضافة إسرائيل والحد من تداعيات الاحتجاجات على أعمال المؤتمرات.

 تاسعا: مؤشرات ينبغي مراقبتها للتحقق من اتجاهات المرحلة المقبلة

لا تكفي واقعة واحدة لإثبات وجود تحول استراتيجي، ولذلك ينبغي متابعة مجموعة من المؤشرات العملية:

– المؤشر الجوي: صدور توضيح رسمي تركي بشأن الرحلة J222، وطبيعة القيود المفروضة على الطائرات الحكومية التابعة للكيان وما إذا كانت هناك إجراءات إضافية تخص الرحلات المدنية.

– المؤشر الدبلوماسي: أي تغير في مستوى التمثيل أو طبيعة اللقاءات بين المسؤولين الأتراك والأذربيجانيين خلال الأسابيع التالية.

– المؤشر الدفاعي: استمرار الاتفاقات والتدريبات والتعاون العسكري بين أنقرة وباكو، أو ظهور إشارات موثقة إلى تعطيلها.

– مؤشر الكيان: أي تصريحات أو تحركات رسمية تكشف ما إذا كانت تل أبيب تنظر إلى المشاركة في “سيكا” باعتبارها جزءا من مسعى أوسع لتوسيع حضورها الإقليمي.

– المؤشر الإيراني: ردود الفعل الرسمية الإيرانية على استضافة هرتسوغ، وأي إجراءات دبلوماسية أو أمنية لاحقة مرتبطة بالعلاقة بين طهران وباكو.

– المؤشر المدرسي: كيفية تطبيق قواعد الزي في المدارس الأذربيجانية، وما إذا كانت السلطات ستصدر توضيحات أو تعديلات تخفف الخلاف مع تركيا.

هذه المؤشرات أكثر قيمة من المبالغة في قراءة ترتيب المقاعد أو مدة التصفيق أو مغادرة مسؤول بعينه للقاعة، لأنها تسمح بالتمييز بين الاحتجاج الرمزي والتحول الفعلي في السياسات.

رحلة واحدة وثلاث رسائل سياسية

جمعت قمة باكو بين ثلاثة مشاهد: وصول هرتسوغ إلى أذربيجان على متن رحلة تجارية عبر المجال الجوي التركي وفق التقارير المنشورة، وانسحاب وفود احتجاجا على خطابه، وبقاء أمير قطر وعدد من ممثلي الدول الأخرى في القاعة.

لا تثبت هذه الوقائع وحدها وجود خطة للكيان لتفكيك التحالف التركي الأذربيجاني، ولا تشير إلى تحول قطري مؤكد في التعامل مع إسرائيل. لكنها تكشف عن بيئة إقليمية تتعدد فيها المصالح، ولا تتطابق فيها التحالفات بالضرورة مع المواقف الدبلوماسية في كل ملف.

بالنسبة إلى الكيان وفرت القمة منصة للحضور رغم الاعتراضات. وبالنسبة إلى تركيا وإيران والوفود المنسحبة، كان الخروج من القاعة وسيلة لإظهار الرفض من دون الانسحاب من المؤتمر كله. أما أذربيجان، فاستضافت المشهد بما يعكس سياستها القائمة على إدارة علاقات متعددة، حتى عندما تتعارض حسابات شركائها.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع باكو مواصلة الموازنة بين أنقرة وتل أبيب وطهران من دون أن تتحول هذه العلاقات إلى مصدر ضغط متزايد عليها؟ الإجابة لن تقدمها صورة القمة، بل ما ستكشفه القرارات الدبلوماسية والأمنية التالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top