كيف ساهمت الدولة القومية ببناء ثقافة رفض النقد في العالم الاسلامي؟

✍: محمد صادق أمين

 تعاني معظم مجتمعات العالم الاسلامي اليوم من ضعف شديد في ثقافة النقد والمراجعة، الامر لايقتصر على مؤسسات الدولة والحكم، بل داخل مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، وخصوصا الجماعات والحركات ذات المرجعية الإسلامية. ويلاحظ أن رفض النقد لم يعد سلوكا إداريا عارضا، بل تحول إلى نمط ثقافي عام يتكرر في البنى الرسمية وغير الرسمية على السواء. 

وهذا يدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام خلل أخلاقي فردي، أم أمام نتاج تاريخي بنيوي تشكل مع قيام الدولة القومية الحديثة؟ يحاول هذا المقال تتبع جذور هذه المشكلة، وتحليل آثارها، وبيان بعض مظاهرها المعاصرة داخل الحركات الإسلامية، بوصفها جزءا من البناء الكلي للمجتمع، تتأثر به وتؤثر فيه.

*من سقوط الخلافة إلى احتكار الشرعية*

لم يكن سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 حدثا سياسيا رمزيا فحسب، بل لحظة قطيعة بنيوية أعادت تشكيل المجال العام في العالم الإسلامي؛ ففي البنى الإمبراطورية السابقة كان توزيع الشرعية متعددا؛ الدولة تملك أدوات الحكم، والعلماء يملكون جزءا من الشرعية الدينية، والأوقاف تمول مجالات معرفية وخدمية خارج سيطرة الدولة المباشرة، بينما يحتفظ المجتمع بقنوات نقد ديني وثقافي متراكمة.

وهو ما أقره محمد عابد الجابري، في كتابه تكوين العقل العربي، حيث اشار الى انه ومع ميلاد الدولة القومية الحديثة، بدأ مسار جديد يقوم على تجميع أدوات السلطة والشرعية في مركز واحد، وهو ما جعل النقد – في نظر الدولة الناشئة – منافسا على الشرعية لا أداة إصلاح داخلها¹.

توضح أدبيات بناء الدولة الحديثة أن الدولة حين تتشكل ضمن سباق على السيطرة والاستخراج (الجباية، التجنيد، الإدارة) تميل بالضرورة إلى توحيد أدوات القهر والمال في يد مركز واحد، وتحييد كل مراكز القوة المنافسة². ويقدم تشارلز تيلي في كتابه الموسوم (الإكراه ورأس المال والدول الأوروبية) إطارا تفسيريا مفيدا حين يربط تشكل الدولة الأوروبية تاريخيا بتوسيع قدرة المركز على تعبئة الموارد وفرض النظام عبر مؤسسات قسرية وإدارية، وهو منطق – وإن لم يتكرر حرفيا في الشرق الأوسط – يساعد على فهم لماذا تتوتر الدولة الحديثة بنيويا مع النقد عندما تعرفه كتهديد للتماسك لا كأداة تعلم³.

وفي العالم الإسلامي لم تأت الدولة القطرية بوصفها تطورا عضويا من داخل المجتمع، بل تشكلت غالبا ضمن لحظة استعمارية وما بعد استعمارية حملت معها جهازا إداريا مركزيا حديثا، شديد الحساسية تجاه الاضطراب. 

وتوضح ليزا أندرسون، في دراساتها عن تشكل الدولة في شمال أفريقيا، كيف يمكن أن تتكون دولة قوية إداريا لكنها ضعيفة تمثيليا، أي تمتلك جهازا فعالا للضبط دون أن تمتلك عقدا سياسيا متينا يؤسس للمساءلة⁴. هذا التكوين ينتج تلقائيا ثقافة سياسية تكافئ الصمت وتجرم الاعتراض، لأن الدولة ترى في النقد علامة انقسام لا علامة حيوية.

*الدولة الحديثة وإعادة تعريف المجتمع*

لم يقتصر التحول على السياسة، بل طال طريقة تصور المجتمع نفسه، يشرح تيموثي ميتشل في تحليله لخبرة مصر الحديثة أن مشروع التحديث لم يكن مجرد إصلاحات إدارية، بل عملية إعادة ترتيب تجعل المجتمع قابلا للرؤية والقياس والتصنيف، ومن ثم قابلا للإدارة⁵. 

هنا أصبحت مؤسسات مثل التعليم، والسجل المدني، والشرطة، أدوات لإنتاج مجتمع منضبط، وتحديد ما هو مقبول وما هو خارج. وهنا يتغير معنى النقد؛ بدل أن يكون جزءا من العقل العام، يصبح تشويشا على هندسة النظام.

وتربط “إيفا بيلين” في كتابها القيم (متانة الاستبداد في الشرق الأوسط) بين استمرار السلطوية في الشرق الأوسط وما تسميه بـ”متانة الجهاز القسري” واستعداده لسحق المبادرات الديمقراطية، وهو ما يعني أن بيئة النقد لا تقاس بالنوايا بل بالبنية المادية للمؤسسات القسرية وإرادتها السياسية⁶.

*من الدولة إلى الدين: احتواء المجال الديني*

من أخطر ما ترتب على هذه القطيعة البنيوية أن المجال الديني نفسه لم يعد فضاء مستقلا ينتج النقد من الداخل، بل صار هدفا لإعادة التنظيم والاحتواء. 

فالدولة الحديثة لم تكتف ببناء وزارة داخلية، بل بنت وزارة أوقاف، ومؤسسات إفتاء رسمية، ونظم ترخيص للوعظ والتعليم الديني. وهو ما يعني أن النقد الديني للسلطة فقد كثيرا من استقلاله البنيوي لأن مصادره المؤسسية باتت مرتبطة بالترخيص والوظيفة والميزانية.

 وتساعدنا تحليلات طلال أسد في فهم الظاهرة، حول تشكل “العلماني” في فهم كيف تعيد الدولة الحديثة تعريف الدين وحدوده ووظائفه داخل المجال العام⁷.

ثم جاء عامل أكثر حدة: صعود الدولة العسكرية/الحزبية في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وفي هذا النمط لا تكون الدولة مجرد إدارة، بل مشروعا شموليا يطالب بالولاء ويعيد تعريف الوحدة باعتبارها انضباطا لا مشاركة، فتشكلت نظم سلطوية تقلص التعددية وتحتكر المجال العام وتنتج “إجماعا موجها”، وهو ما يجعل النقد في ظلها مكلفا دائما حتى لو كان إصلاحيا.

*انعكاس داخل الحركات الإسلامية*

وهنا نصل إلى نقطة حساسة؛ كثير من الحركات والمؤسسات ذات المرجعية الإسلامية لم تبق خارج هذا السياق، بل تشكلت داخله وتأثرت به. 

فمع ضغط الملاحقة والإغلاق، تتكون داخل التنظيمات بنى دفاعية: مركزية القرار، تضييق دوائر الثقة، تقدس الانضباط، وتحول وحدة الصف إلى ذريعة لتعطيل المراجعة.

وهو ما أشارت إليه الباحثة والأكاديمية الأمريكية المتخصصة في العلوم السياسية، وبشكل أدق في شؤون الشرق الأوسط والحركات الإسلامية والسياسة المقارنة، كاري ويكهام في كتابها عن (الإخوان المسلمين) حين تحدثت عن تطور الجماعة مفسرة كيف تتحول التنظيمات تحت الضغط السياسي من فضاءات تعلم إلى فضاءات حماية ذاتية ترى النقد تهديدا وجوديا⁹.

ولا يعمل هذا العامل وحده، بل يتغذى على بنية ثقافية أعمق تقوم على الوصاية الأبوية، ويقدم هشام شرابي مفهوم “النيوبطريركية” بوصفها نمطا حديثا يعيد إنتاج البنى الأبوية داخل شكل حديث من الدولة والمجتمع، بحيث يظهر التحديث شكليا بينما تبقى العلاقات السلطوية عميقة¹⁰.

وتبين دراسة كاري ويكهام لتطور جماعة الإخوان المسلمين أن فترات القمع الشديد دفعت التنظيم إلى تشديد الانضباط، وتضييق دوائر القرار، وتحويل النقد الداخلي إلى ملف حساس. وهذا لا يفهم بوصفه “انحرافا أخلاقيا” بقدر ما يفهم بوصفه استجابة بنيوية للضغط.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الاستجابة المؤقتة إلى ثقافة دائمة، فالتنظيم الذي بني على منطق الطوارئ، إذا لم يراجع نفسه بعد زوال الطوارئ، يتحول إلى بنية مغلقة بطبيعتها، وهنا يقع ما يسميه علم التنظيم بــ”تكلس القواعد” (Rule Rigidity)، حيث تصبح القواعد غاية لا وسيلة، ويصبح الحفاظ على الشكل أهم من تحقيق المقصد.

ومن منظور تربوي المؤسسات التي لا تربي أعضاءها على السؤال والنقد، بل على التلقي والطاعة، تنتج “وعيا مكمما” عاجزا عن المبادرة، وهذا التحليل ينطبق بوضوح على كثير من البيئات الدعوية التي تركز على الامتثال أكثر من التفكير، وعلى السمع أكثر من الفهم. 

وهنا يتكون جيل صالح لكنه غير ناقد، متحمس لكنه غير بصير، مخلص لكنه غير قادر على التصويب، وهذه واحدة من أخطر نتائج غياب ثقافة المراجعة.

ومن أخطر آليات التحول إلى بنية مضادة للنقد؛ شخصنة المؤسسة، فبدل أن تكون المؤسسة منظومة أدوار وقواعد، تصبح امتدادا لشخص أو مجموعة ضيقة من الاشخاص، وفي هذه الحالة، يتحول النقد من كونه مراجعة للأداء إلى كونه هجوما على الشخص، ومن ثم يقابل بالدفاع لا بالتفكير. 

وإذا جمعنا هذه العناصر معا، نجد أن المؤسسة في كثير من السياقات الشرق اوسطية تعيش داخل مثلث ضاغط:

-دولة سلطوية تجرم النقد.

-ثقافة أبوية تشيطن السؤال.

-تنظيم دفاعي يقدس الانضباط.

وفي هذا المثلث، يصبح النقد فعلا مكلفا نفسيا، اجتماعيا، وتنظيميا. فيقصى الناقد لا لأنه مخطئ، بل لأنه “مربك”. 

وتهمش المراجعة لا لأنها غير مفيدة، بل لأنها “تفتح بابا لا نريده”. 

وهنا يحدث التحول الخطير: من ثقافة ترى النقد أداة إصلاح، إلى ثقافة تراه خطرا وجوديا.

والأخطر من ذلك أن هذا النمط يعاد إنتاجه جيلا بعد جيل، فالعضو الجديد يتعلم منذ البداية أن السلامة في الصمت، وأن القبول في الامتثال، وأن التقدم في الولاء، ومع الزمن، لا يعود التنظيم بحاجة إلى قمع النقد، لأن الأعضاء يقمعونه ذاتيا، وهذا ما يمكن ان نسميه بـ”الضبط الداخلي”، حيث تتحول السلطة من جهاز خارجي إلى آلية داخل الوعي، بل ان الاعضاء انفسهم يعملون على قمع اي مظهر من مظاهر النقد، ويشيطنون الناقد تحت ذريعة حماية الوحدة، وحصانة القيادة.

بهذا المعنى، فإن قيام الدولة القومية في العالم الإسلامي لم ينتج فقط دولا قطرية، بل أنتج نمطا جديدا من العلاقة بالنقد:

 -دولة تعتبر النقد منافسا على الشرعية.

 -مجتمعا يخلط بين النصيحة والفضيحة.

 -تنظيمات دفاعية تخلط بين المراجعة والانشقاق.

وهذه ثلاثية تفسر لماذا تتكرر أخطاء المؤسسات في المنطقة رغم كثرة الوعظ وقلة التغيير؛ لأن الآليات التي تحول النقد إلى تعلم تم تفكيكها تاريخيا، واستبدلت بآليات تجعل الصمت شرطا للاستمرار.

*ملاحظة*

هذا المقال مستل دراسة اعمل عليها *(المنظور الإسلامي للنقد والمراجعات) وهي الجزء الثاني من دراستي التي نشرت تحت عنوان: *(كيف يساهم النقد في تحسين عمل المؤسسات؟)* يمكن الاطلاع على الجزء الاول من الدراسة من خلال الرابط أدناه:

 *رابط الدراسة كاملة:*

https://mohammadsadk.com/كيف-يساهم-النقد-في-تحسين-عمل-المؤسسات؟/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top