قراءة استشرافية في صعود منصة (UpScrolled) وإمكانات تحولها لمنافس عالمي

لا يندر في تاريخ المنصات الرقمية أن تظهر تطبيقات جديدة تحظى فجأة بزخم إعلامي واندفاعة وتنزيلات، يأتي ذلك في لحظات اضطراب سياسي أو تنظيمي تضرب إحدى المنصات الكبرى.

وهو ما حدث مع (UpScrolled)، غير أنها لم تظهر بوصفها بديلا تقنيا فحسب، بل بوصفها مشروعا سرديا مضادا لمنطق الخوارزميات المغلقة الذي بات موضع شك واسع في البيئة الرقمية العالمية والغربية على وجه الخصوص.

الصعود السريع للمنصة في يناير 2026، جاء بالتزامن مع أزمة (TikTok) في الولايات المتحدة، لا يطرح فقط سؤال عدد التنزيلات، بل يطرح سؤالا أعمق:

هل نحن أمام موجة احتجاج رقمية عابرة؟ أم أمام نواة نموذج اجتماعي بديل قابل للتبلور؟.

هذا التقرير يحاول الانتقال من توصيف الظاهرة إلى تحليل إمكاناتها البنيوية، وحدود تحولها إلى منافس حقيقي للمنصات العملاقة.

(UpScrolled) والتحولات البنيوية لمنصات التواصل

شهد العقد الأخير من الالفية الجديدة، انتقال المنصات الاجتماعية من كونها شبكات تواصل إلى كونها أنظمة توجيه معرفي وسلوكي عبر الخوارزميات، وهو ما نتج عنه ثلاث نتائج مركزية:

1-احتكار الانتباه عبر أنظمة توصية معقدة.

2-تضاؤل شفافية توزيع المحتوى.

3-تصاعد الشعور العام بالتحيز والرقابة غير المرئية (Shadow Banning).

في هذا السياق تقدم منصة (UpScrolled) ميزات نادي بها المستخدمون أهمها؛ عدالة الوصول، غياب التلاعب الخوارزمي، إلغاء الحظر الخفي.

وهنا تظهر أول نقطة تحليلية مهمة:

المنصة لا تدخل السوق باعتبارها منصة تقنية، بل باعتبارها منصة أيديولوجية رقمية تقدم نفسها بوصفها تصحيحا أخلاقيا لمسار التواصل الاجتماعي.

لهذا التموضع ميزة وهي؛ القدرة على جذب شريحة احتجاجية واسعة من المستخدمين والناشطين وصناع المحتوى الناقمين على المنصات الكبرى.

لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام مأزق بنيوي؛ في الانتقال من منصة احتجاج إلى منصة حياة رقمية هو أصعب تحول يمكن أن تمر به أي شبكة اجتماعية.

الإمكانات التقنية وحدودها البنيوية

من حيث البنية الوظيفية، لا تقدم (UpScrolled) حتى الآن قفزة تقنية نوعية، فهي تعتمد نموذجا هجينا يجمع بين عدة مزايا:

-خلاصة زمنية (Feed)

-محتوى مرئي قصير

-قصص يومية

-رسائل مباشرة

وهذا النموذج أصبح معيارا صناعيا منذ توحيد أشكال المنصات الكبرى (Instagram / TikTok / X / Threads)، فالاختلاف الحقيقي لا يكمن في الواجهة، بل في طبقة الخوارزميات الخلفية.

غير أن تحليل تصريحات المنصة نفسها يكشف أمرين مهمين:

1-اعتمادها الحالي على بنية سحابية تقليدية (Cloud-based).

2-غياب نموذج توصية متقدم واسع النطاق حتى الآن.

وهنا نصل إلى نقطة حاسمة:

المنافسة في سوق المنصات لم تعد تحسم في الواجهة، بل في أنظمة التوصية والتوزيع الذكي.

“تيك توك” مثلا؛ لم يهزم إنستغرام لأنه يملك كاميرا أفضل، بل لأنه طور أقوى نظام توصية سلوكي في تاريخ المنصات الاستهلاكية.

وبناء نظام توصية قادر على التخصيص الدقيق، ومنع التلاعب، والحفاظ على العدالة وضبط المحتوى الضار، 

يتطلب استثمارات هائلة في؛ علم البيانات، وتعلم الآلة، وهندسة النزاهة (Integrity Engineering)، وهي بنية لم تظهر أي مؤشرات حتى الآن على امتلاك، (UpScrolled) لها في صورتها الناضجة.

بعبارة أدق؛ المنصة تملك خطابا خوارزميا، لكنها لم تثبت بعد امتلاكها قدرة خوارزمية حقيقية.

القدرة التنافسية بين منطق الشبكة ومنطق الاحتجاج السوقي

من أهم القوانين غير المكتوبة في اقتصاد المنصات ما يسمى بتأثير الشبكة (Network Effects)، وهو يعني أن قيمة المنصة ترتفع كلما ارتفع عدد المستخدمين وصناع المحتوى، وهذا القانون يخلق حاجزا شبه مستحيل أمام الداخلين الجدد.

فحتى المنصات المدعومة من شركات عملاقة مثل (Threads) المدعومة من شركة (Meta ) احتاجت إلى استغلال شبكة إنستغرام نفسها للوصول سريعا إلى مئات الملايين من المستخدمين.

أما (UpScrolled ) فهي تدخل السوق؛ بلا شبكة سابقة، بلا منظومة منشئين، بلا نظام إعلانات أو أرباح واضح، وهنا تبرز مفارقة استراتيجية؛ المنصة تنجح حاليا لأنها منصة احتجاج، لكن لكي تستمر تحتاج أن تتحول إلى منصة عادة يومية.

وكما ذكرت سابقا؛ فان الانتقال من منصة احتجاج إلى منصة حياة رقمية أصعب تحول يمكن أن تمر به أي شبكة اجتماعية.

مأزق العدالة الخوارزمية

من أكثر وعود (UpScrolled ) جاذبية هو إلغاء الحظر الخفي، وضمان وصول عادل، لكن هذا الوعد يصطدم بمشكلة تقنية عميقة؛ وهي ان أي منصة بلا خوارزمية ترتيب صارمة ستتحول سريعا إلى فوضى محتوى، وسبام، وتلاعب منسق، وهيمنة حسابات ضخمة على المشهد.

بمعنى آخر؛ إما أن تطور (UpScrolled ) خوارزمية قوية فتقع في نفس مأزق المنصات الكبرى، أو تحافظ على الحياد الكامل فتخسر الجودة والاستقرار.

وهنا يكمن التحدي الأخطر في مشروع المنصة الجديدة، هل تستطيع تطوير نموذج جديد فعليا لما يمكن تسميته بخوارزمية شفافة وعادلة وقابلة للمساءلة؟.

إذا نجحت في ذلك، فستكون أمام اختراق تاريخي في هندسة المنصات، أما إذا فشلت، فستضطر عاجلا أو آجلا لاعتماد نفس منطق الكبار ولكن بخطاب مختلف.

الموارد المطلوبة للتحول إلى منافس حقيقي

بناء على تجارب المنصات السابقة، يمكن رسم تصور تقريبي؛ من حيث الزمن تحتاج المنصة من 2 إلى3 سنوات لتصبح مستقرة إقليميا، وتحتاج من 5 الى 7 سنوات، لتكون منافسة عالمية.

ومن حيث التمويل ستكون بحاجة في المتوسط الى 50–150 مليون دولار، للوصول الى مرحلة المنافسة العالمية بالفيديو والذكاء الاصطناعي:

من حيث الكفاءات البشرية؛ ستحتاج المنصة إلى فرق توصية وخوارزميات متقدمة، ومهندسي بث فيديو عالمي، وفرق نزاهة، وأمن معلومات، وخبراء سياسات وامتثال دولي، وهذه بنية المنصات المنافسة الاخرى الاشهر عالميا.

سيناريوهات استشرافية 

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل المنصة:

الأول: ان تصبح منصة احتجاج مؤقتة، وتزدهر خلال أزمة TikTok، ثم يتراجع استخدامها تدريجيا بعد استقرار السوق.

الثاني: ان تتحول الى منصة بديلة متخصصة، منصة حرية تعبير، مساحة للناشطين والسياسة، شبكة منشئين ناقمين، بحجم متوسط عشرات الملايين من المستخدمين.

الثالث: اختراق نموذجي تاريخي، إذ قد ينجح فريق المنصة في تطوير خوارزمية عادلة شفافة، وبناء اقتصاد منشئين جذاب، والحفاظ على الاستقرار التقني، فتتحول (UpScrolled ) إلى نموذج جديد للمنصات الاجتماعية في عصر ما بعد الخوارزميات المغلقة.

لاتكمن اهمية منصة (UpScrolled ) في عدد مستخدميها الحاليين، بل في السؤال الذي تطرحه على صناعة المنصات:

-هل يمكن بناء شبكة اجتماعية كبيرة بلا تلاعب خوارزمي؟.

-هل يمكن الجمع بين العدالة والجودة والاستدامة في آن واحد؟.

حتى الآن، تبدو منصة (UpScrolled ) تجربة سياسية تقنية مثيرة للاهتمام، لكنها لم تتحول بعد إلى مشروع هندسي مكتمل قادر على كسر احتكار المنصات العملاقة.

نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد التنزيلات، بل بقدرتها خلال السنوات الثلاث القادمة على؛ بناء خوارزمية مستقرة وعادلة، استقطاب منشئين كبار، وإنشاء نموذج دخل مستدام، والصمود أمام ضغوط التنظيم والسياسة، وعندها فقط يمكن الحديث عن منافس جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top