تلسكوب نانسي جريس رومان الفضائي ومشاركة العالم المصري أحمد سوليمان في تطوير تقنيات تصوير الكواكب الخارجية

عالم مصري يقود حلم تصوير عوالم شبيهة بالأرض عبر  تلسكوب رومان الذي تطلقه ناسا اليوم

تتجه أنظار علماء الفلك إلى ولاية فلوريدا الامريكية اليوم، الأحد 30 أغسطس/آب 2026، حيث تستعد وكالة الفضاء الأمريكية NASA لإطلاق تلسكوب “نانسي جريس رومان” الفضائي (Nancy Grace Roman Space Telescope)، على متن صاروخ (Falcon Heavy) التابع لشركة SpaceX.

أهمية تلسكوب رومان لا تختصر في لحظة إطلاق صاروخ جديد؛ فالمهمة تمثل محاولة لبناء صورة أوسع للكون، ودراسة أحد أكبر ألغاز الفيزياء الحديثة؛ ما الذي يسبب تسارع تمدد الكون؟. 

كما ستفتح مجالا جديدا لدراسة الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وستختبر تقنيات يمكن أن تصبح أساسا لمراصد مستقبلية تبحث عن كواكب شبيهة بالأرض.

ظهر اسم عالم مصري يعمل في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، هو أحمد محمد سوليمان، الذي شارك في تطوير تقنية التصوير المباشر للكواكب الخارجية، ثم شارك في بحث علمي نشر في مجلة (Nature Astronomy) واقترح مفهوما مستقبليا لمظلة فضائية عملاقة يمكن أن تساعد التلسكوبات الأرضية على تصوير عوالم شبيهة بالأرض.

تلسكوب يرى مساحة من السماء أكبر 100 مرة من هابل

يحمل التلسكوب اسم نانسي جريس رومان، أول كبيرة علماء الفلك في وكالة الفضاء الامريكية “ناسا”، والتي لعبت دورا أساسيا في تطوير برنامج تلسكوب هابل الفضائي.

لكن رومان لا يأتي ليحل محل هابل أو تلسكوب جيمس ويب؛ فالمهمة مختلفة في تصميمها وأهدافها.

يمتلك رومان مرآة رئيسية قطرها “2.4 متر”، أي بحجم مرآة هابل تقريبا، لكنه مصمم بقدرة مختلفة جذريا: مجال رؤية واسع للغاية.

وتقول NASA إن مجال رؤية رومان سيكون أكبر بما لا يقل عن 100 مرة من مجال رؤية هابل، مع قدرة تصوير حادة تسمح بإنتاج مسوحات واسعة للكون؛ وتقدر الوكالة أن التلسكوب يمكن أن يقيس ضوء ما يصل إلى مليار مجرة خلال مهمته.

وهنا تكمن إحدى أهم مزايا رومان

فهابل اشتهر بصوره العميقة والدقيقة لمناطق محددة من السماء، بينما صمم رومان ليجمع بين العمق واتساع مجال الرؤية، ما يسمح للعلماء بإجراء مسوح ضخمة للكون خلال فترة زمنية أقصر.

بمعنى مبسط: إذا كان هابل يشبه نافذة شديدة الدقة تطل على جزء صغير من المشهد، فإن رومان يحاول فتح نافذة أوسع بكثير مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الدقة.

من برنامج استخباراتي إلى مرصد فلكي

وراء مرآة رومان قصة غير مألوفة؛ فالتلسكوب يستخدم مرآة بقطر 2.4 متر تعود جذورها إلى برنامج فضائي طوره مكتب الاستطلاع الوطني الأمريكي NRO، وهي الوكالة المسؤولة عن الأقمار الصناعية الاستطلاعية الأمريكية.

وفي عام 2012، أتاح NRO لوكالة NASA مرآتين فضائيتين بقطر 2.4 متر، ضمن تحول تقني انتهى إلى الاستفادة من إحداهما في تطوير مهمة رومان.

لكن ما وصل إلى NASA لم يكن تلسكوبا فلكيا جاهزا، وإنما مرآة ومنصة تقنية احتاجت إلى إعادة تصميم وتطوير لتصبح جزءا من مرصد علمي قادر على تنفيذ أهداف مختلفة تماما عن الاستخدامات التي طورت من أجلها في الأصل.

وهكذا انتقلت إحدى تقنيات الفضاء ذات الجذور الاستخباراتية إلى مشروع هدفه دراسة المجرات والكواكب والطاقة المظلمة.

كاميرا فضائية بقوة 300 ميغابكسل

يعتمد رومان بصورة أساسية على أداة التصوير واسعة المجال، تتكون الكاميرا المزود بها من “18 كاشفا” للأشعة تحت الحمراء، وتوصف في مواد ناسا بأنها كاميرا فضائية بدقة تقارب “300 ميغابكسل”.

هذه الإمكانات لا تعني أن رومان سيأخذ صورة واحدة ضخمة للكون، وإنما سيجمع كميات هائلة من البيانات والصور خلال مسوح منظمة للسماء، يمكن استخدامها في رسم خرائط للمجرات وتوزيع المادة ودراسة تطور البنية الكونية.

وتستهدف المهمة أيضا بناء إحصاء واسع للكواكب خارج المجموعة الشمسية، ودراسة مجموعة كبيرة من الظواهر الفلكية، من المجرات البعيدة إلى الثقوب السوداء والكواكب في مجرتنا.

لماذا تهتم ناسا بالطاقة المظلمة؟

واحد من الأهداف المركزية لرومان هو دراسة (الطاقة المظلمة)، وهي الاسم الذي يطلقه العلماء على المكون الغامض المرتبط بالتسارع المرصود في تمدد الكون.

الكون لا يتمدد فحسب؛ فالملاحظات الفلكية تشير إلى أن تمدده يتسارع على المقاييس الكونية.

ولا يعني ذلك أن هناك قوة بسيطة تدفع كل مجرة بعيدا عن الأخرى كما تدفع اليد كرة في الهواء؛ الصورة الفيزيائية أكثر تعقيدا، وما زالت طبيعة الطاقة المظلمة نفسها موضع بحث.

وتظهر القياسات الحالية أن المادة العادية التي تتكون منها النجوم والكواكب والبشر لا تمثل سوى جزء صغير من محتوى الكون، بينما يشكل كل من المادة المظلمة والطاقة المظلمة النسبة الأكبر وفق النموذج الكوني السائد.

وهنا تأتي أهمية رومان؛ فهو سيستخدم مسوحا واسعة للمجرات وقياسات العدسات الجاذبية وغيرها من الأدوات لرسم صورة أدق لتطور الكون، ومساعدة العلماء على اختبار النماذج المختلفة للطاقة المظلمة والمادة المظلمة.

حجب النجوم لرؤية الكواكب

إلى جانب أداة التصوير واسعة المجال، يحمل رومان جهازا مختلفا تماما هو “Roman Coronagraph Instrument (CGI”.

وظيفته الأساسية هي التعامل مع واحدة من أصعب مشكلات تصوير الكواكب الخارجية؛ النجم الذي يدور حوله الكوكب أكثر سطوعا منه بملايين أو مليارات المرات، لذلك يحاول النظام حجب ضوء النجم أو التحكم فيه بصريا حتى يصبح من الممكن التقاط الضوء الخافت القادم من جسم قريب منه.

لكن من المهم تصحيح فكرة شائعة: الـCoronagraph الموجود على رومان ليس مجرد “كاميرا ثانية”، كما أنه ليس أداة مصممة لكي تعثر مباشرة على نسخ من الأرض وتعلن أنها صالحة للحياة. NASA تصفه بأنه **عرض تقني Technology Demonstration، أي أن إحدى غاياته الأساسية هي إثبات تقنيات التصوير المباشر للكواكب الخارجية شديدة الخفوت.

وهذا الاختبار قد يكون بالغ الأهمية بالنسبة للأجيال المقبلة من التلسكوبات.

هنا يظهر دور العالم المصري أحمد سوليمان في هذا الجزء من قصة رومان، وتعرفه NASA/JPL بأنه عالم وتقني في مختبر الدفع النفاث JPL التابع لNASA وCaltech، وتوضح صفحته الرسمية أنه شارك أو قاد مساهمات في عدد من المشروعات العلمية والتقنية، من بينها “Roman Coronagraph Instrument”.

لكن قصة سليمان لا تتوقف عند رومان، ففي فبراير 2026 نشر إلى جانب عدد من الباحثين من بينهم عالم NASA الشهير (جون ماثر) والحائز على نوبل في الفيزياء (ميشيل مايور)، دراسة في مجلة “Nature Astronomy” حول إمكانية تصوير كواكب شبيهة بالأرض باستخدام تلسكوبات أرضية ضخمة مرتبطة بمظلة نجمية فضائية.

الدراسة نشرت في 27 فبراير 2026، واختيرت لاحقا لتظهر على غلاف عدد مارس من المجلة.

مظلة فضائية بقطر 99 مترا

الفكرة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال العلمي؛ فبدل وضع تلسكوب عملاق في الفضاء، تقترح الدراسة وضع “مظلة نجمية”، في مدار حول الأرض، وظيفتها أن تتموضع بين التلسكوب والنجم المستهدف، فتحجب ضوء النجم قبل وصوله إلى التلسكوب.

ووفق الدراسة يصل قطر المظلة المقترحة إلى نحو 99 مترا، ويمكن أن تعمل بالتعاون مع التلسكوبات الأرضية العملاقة وأنظمة البصريات التكيفية، بما يسمح نظريا بتصوير كوكب شبيه بالأرض يدور حول نجم قريب على مسافات فلكية مناسبة.

وتشير الدراسة إلى إمكانية وضع المظلة في مدار على ارتفاع يقارب 170 ألف كيلومتر، بحيث تصنع ظلا دقيقا فوق مراصد أرضية ضخمة؛ الفكرة الأساسية هنا شديدة البساطة في جوهرها، احجب النجم.. واترك الكوكب يظهر.

فإذا أمكن منع ضوء النجم الهائل من إغراق الصورة، يصبح الضوء المنعكس أو المنبعث من الكوكب أكثر قابلية للرصد والتحليل.

هل يمكن أن نرى “أرضا ثانية”؟

هنا يجب الفصل بين ما هو متاح الآن وما هو هدف مستقبلي؛ تلسكوب رومان نفسه لن يذهب إلى الفضاء ليصور نسخة مطابقة من الأرض.

أما الدراسة التي شارك فيها سليمان فتبحث في إمكانية مستقبلية لتصوير كواكب شبيهة بالأرض باستخدام بنية تجمع بين مظلة فضائية وتلسكوبات أرضية عملاقة؛ وهذا فرق علمي مهم.

لكن أهمية الفكرة تكمن في أنها تستهدف المشكلة الأصعب في علم الكواكب الخارجية: كيف يمكن عزل الضوء القادم من كوكب صغير جدا عن الضوء الهائل الصادر عن نجمه؟.

إذا نجحت تقنيات مثل هذه، فقد يصبح من الممكن مستقبلا دراسة الضوء القادم من كواكب شبيهة بالأرض وتحليل أطيافها، والبحث عن مؤشرات كيميائية تساعد العلماء على معرفة طبيعة أغلفتها الجوية.

أما اعتبار وجود الماء أو الأكسجين أو غيرهما دليلا تلقائيا على وجود الحياة، فسيكون استنتاجا أكبر من قدرة الأدلة وحدها؛ لأن بعض هذه المواد يمكن أن تنتج بعمليات غير حيوية.

الجيل التالي من مراصد البحث عن الحياة

بهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى رومان باعتباره نهاية الطريق، بل باعتباره جزءا من سلسلة طويلة من التطور التكنولوجي.

التلسكوب سيختبر تقنيات جديدة للتصوير المباشر للكواكب، وسيجمع مسوحا ضخمة للكون، بينما تذهب مفاهيم مثل Starshade إلى خطوة أبعد: محاولة الوصول يوما إلى تصوير كواكب شبيهة بالأرض حول نجوم أخرى.

لماذا يمثل إطلاق رومان حدثا مهما؟

إذا انطلق رومان وفق الموعد المستهدف، فلن يكون ما يحدث مجرد إطلاق تلسكوب فضائي جديد؛ المهمة ستضع في الفضاء مرصدا مصمما لمسح الكون على نطاق واسع، ودراسة الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، وإجراء إحصاء واسع للكواكب الخارجية، واختبار تقنية متقدمة للتصوير المباشر للكواكب.

ومن المقرر أن يعمل رومان في مدار حول منطقة “Sun-Earth L2″، على بعد أكثر من مليون ميل من الأرض، وهي المنطقة نفسها التي يعمل بالقرب منها تلسكوب جيمس ويب. وتقدر NASA العمر الأساسي للمهمة بنحو خمس سنوات، مع هدف تشغيلي يصل إلى عشر سنوات.

لكن القيمة الحقيقية للمهمة لن تظهر لحظة انفصال الصاروخ عن منصة الإطلاق، ستظهر بعد ذلك، عندما يبدأ المرصد في جمع البيانات، وعندما يحاول العلماء تحويل ملايين ومليارات القياسات إلى إجابات عن أسئلة ظل الإنسان يطرحها منذ أن بدأ ينظر إلى السماء:

كيف نشأ الكون الذي نعرفه؟

لماذا يتمدد بهذه الطريقة؟

ما طبيعة المادة التي لا نراها؟

وكم عدد العوالم الموجودة حول النجوم الأخرى؟

وهل يمكن أن توجد بينها عوالم تشبه الأرض؟

لن يغير الإطلاق وحده فهم البشرية للكون، لكن ما سيأتي بعده قد يفعل.

فالمهمة تجمع بين مرآة ذات جذور في برنامج فضائي استخباراتي، وتكنولوجيا تصوير واسعة النطاق، وتجربة لحجب ضوء النجوم، ومشروع علمي يهدف إلى اختبار نماذجنا عن المادة والطاقة المظلمتين.

العلم لا يبدأ بالوصول إلى المستحيل، وإنما بإثبات أن الطريق إليه يمكن أن يكون ممكنا، ومع إطلاق رومان، يبدأ فصل جديد من هذا الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top