حين نتأمل سنن الله في الكون، نجد أن “التدرج” ليس تفصيلا عابرا، بل قاعدة مطردة تحكم الخلق والحياة والتاريخ. خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. ونزول التشريعات في الإسلام جاء متدرجا؛ فتحريم الخمر لم يكن دفعة واحدة، بل عبر مراحل راعت واقع الناس واستعدادهم. بل حتى بناء الإنسان نفسه، إيمانا وخلقا وعلما، يخضع لمسار تراكمي لا يقفز فوق المراحل.
هذه السنة الكونية نفسها تنطبق على تحولات الدول والمجتمعات. فالانتقال من “دولة الفوضى والعائلة الحاكمة باسم الحزب الواحد” إلى “دولة القانون والمؤسسات” لا يمكن أن يكون قفزة آنية، بل هو صعود على درجات متتابعة؛ قد تتعثر خطوة، وتتأخر أخرى، لكن المسار العام يظل محكوما بقانون التراكم.
انظروا إلى الثورة الفرنسية: لم تنتقل فرنسا من الملكية المطلقة إلى الجمهورية المستقرة في لحظة واحدة. مرت بسنوات من الفوضى، وعهد الإرهاب، والثورة المضادة، ثم الإمبراطورية، حتى استقر نظامها السياسي عبر عقود طويلة من المد والجزر. وكذلك التجربة الإنجليزية بعد “الثورة المجيدة”، أو حتى التجربة الأمريكية بعد الاستقلال، حيث احتاجت الدولة الفتية إلى حرب أهلية دامية كي تعيد تعريف ذاتها وتضبط توازنها الداخلي.
الأمر ذاته يمكن قراءته في موجة الربيع العربي الأولى؛ إذ بدا وكأن إسقاط رأس النظام كاف لإنتاج واقع جديد، فإذا بالمجتمعات تكتشف أن تغيير البنية أعمق من تغيير الواجهة. فالدولة شبكة مؤسسات، وثقافة سياسية، وتراكم إداري، وبنية اقتصادية، وعلاقات اجتماعية؛ وهذه كلها لا تتبدل بقرار ثوري، بل بمسار تاريخي.
من هنا، فإن مطالبة “سوريا الجديدة” بأن تتحول من دولة الفوضى إلى دولة القانون في يوم وليلة، هو طلب يصادم سنة التدرج. ومصادمة السنن الكونية مآلها الخيبة، لأن السنن لا تكسر بالشعارات، بل تفهم وتدار. نعم، قد يكون أداء الحكم الجديد – إذا قيس على المثال النظري – ضعيفا، وربما لا يتجاوز “واحدا من عشرة” على مقياس الطموحات الكبرى، لكن قراءة الواقع من زاوية السنن تجعل هذه النسبة نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية لا تزال في بدايتها.
الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في أداء السلطة، بل في الفضاء الثقافي والفكري العام؛ حيث يغيب وعي التدرج، ويستدعى المثال المجرد لقياس واقع لم تكتمل شروطه بعد. وعندما ترفع “المسطرة المثالية” فوق واقع هش، تتحول الأقلام – من حيث لا تشعر – إلى معاول هدم، تسقط كل منجز جزئي لأنه لا يطابق الصورة الكاملة المتخيلة.
إن الفارق بين “النقد البناء” و”النقض الهدام” هو فهم المرحلة. فالنقد البناء يسأل: ما الممكن الآن؟ وكيف نراكم عليه؟ وما الذي يجب أن يؤجل؟ أما النقض الهدام فيقيس اللحظة الانتقالية بمعايير الدولة المستقرة، ثم يصدر حكما بالإعدام السياسي والأخلاقي.
أفكار للتعاطي مع الواقع بروح الإصلاح
إدراك طبيعة المرحلة الانتقالية
التعامل مع اللحظة بوصفها مسارا لا منجزا نهائيا. فالمرحلة الانتقالية تقاس باتجاهها العام لا بكمال صورتها.
الموازنة بين المثال والواقع
الحفاظ على سقف القيم (العدل، الحرية، سيادة القانون) بوصفها بوصلة، دون تحويلها إلى سوط يجلد به الواقع كل يوم.
تبني النقد التراكمي لا الصفري
دعم كل خطوة إصلاحية – مهما صغرت – والبناء عليها، بدل إهدارها لأنها لم تحقق الحلم كاملا.
تفكيك البنية لا الأشخاص فقط
التركيز على إصلاح المؤسسات والثقافة السياسية، لا الاكتفاء بتبديل الوجوه.
تثقيف الجمهور بسنة التدرج
نشر وعي عام بأن بناء الدول يشبه بناء الإنسان: يبدأ ضعيفا، ويتقوى بالتجربة، ويصحح أخطاءه بالتراكم.
الفصل بين المحاسبة والهدم
المطالبة بالشفافية والمساءلة حق واجب، لكن دون تبني خطاب يفقد المجتمع ثقته بأي مسار إصلاحي.
في النهاية، من يصنف قلمه في خانة المصلحين، عليه أن يجمع بين حرارة الضمير وحكمة التاريخ. فالإصلاح ليس صرخة غضب فحسب، بل رؤية تراعي السنن الربانية والكونية، وتعمل داخلها لا ضدها. وسوريا – كغيرها من الأمم – لن تولد من جديد في لحظة خاطفة، بل ستنهض درجة درجة، إذا أحسن أبناؤها فهم الطريق، وتعاونوا على صعوده.

