أكثر سؤال يطرح اليوم في خضم المواجهة الجارية بين إيران وامريكا والكيان الغاصب هو، لماذا تقف الحكومة العراقية على الحياد في المواجهة الجارية، رغم ان بنية الحكومة وتشكيلة النظام الحاكم في العراق بعد عام 2003، تأسست من المعارضة العراقية التي تدين لطهران لأنها حمتها ورعتها على مدار عقود، وهي تشترك معها في المرجعية الأيدلوجية فضلا عن ذلك.
وما زاد الامر تعقيدا على المراقبين، هو التناقض بين الموقف الرسمي للدولة، وموقف الفصائل المسلحة التي اتجهت للمشاركة في المعركة، ووجهت قدراتها العسكرية في استهداف المصالح الامريكية، بالرغم من أنها ممثلة في العملية السياسية التي تتبنى الموقف الرسمي للدولة!.
إذا عرف السبب بطل العجب
صباح التاسع من نيسان/أبريل 2003 لم يكن يوما عاديا في تاريخ العراق، إذا سقطت بغداد أمام جحافل الغزاة الامريكان، وسقط معها نظام البعث الحاكم، ليبدأ فصل جديد عنوانه؛ الاحتلال الأمريكي المباشر.
اعتقد صانع القرار السياسي في واشنطن أن القوة العسكرية هي الأداة الحاسمة، وأن الدبابة قادرة على فرض واقع جديد في واحدة من أهم دول الشرق الأوسط، لكن سرعان ما اثبتت الشعوب المغيبة عن القرار، أنها لازالت في قلب المشهد وقادرة على التأثير فيه.
وإثر تصاعد المقاومة بات واضحا لواشنطن أن الاحتلال العسكري، مهما بلغت قوته يظل؛ مكلفا، هشا، قابلا للاهتزاز.
الضغط الداخلي في الولايات المتحدة دفعها للخروج سريعا وترك البلد يواجه مصيره ضمن معادلة داخلية وإقليمية معقدة.
لكن؛ هل يعقل ان تترك أمريكا العراق بهذه السهولة بعد ان بذلت في سبيل احتلاله الأموال والدماء؟.
قطعا الجواب لا، لذلك بحث الامريكان عن صيغة ذكية تحقق احتلالا مستداما، مؤطرا باستقلال شكلي، صيغة تحافظ على النفوذ دون تحمل كلفة الاحتلال.
بداية التحول
لم تقتصر واشنطن على النفوذ العسكري في العراق بعد عام 2003، بل اعتمدت على شكل أكثر تعقيدا وعمقا من خلال نفوذ مالي ذكي، هذا النفوذ لا يُرى بالدبابات ولا يقاس بعدد الجنود، بل يدار عبر شبكات المال العالمية، وعلى رأسها الدولار.
يشكل النفط أكثر من 90% من إيرادات العراق المالية، ما يجعل تدفقاته مسألة سيادية بامتياز، لكن هذه التدفقات لا تبقى داخل الحدود العراقية، بل تودع عائدات النفط في حسابات خارجية مرتبطة بـالبنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، وتدار هذه الأموال بالدولار ضمن النظام المالي الأمريكي، ثم يتم تحويلها إلى البنك المركزي العراقي لتمويل الإنفاق الحكومي.
أي ان الفدرالي الأمريكي إذا قرر تجميد الحساب العراقي أو تعطيل تدفق الدولار، تستيقظ الدولة في الصباح لتجد نفسها عاجزة عن دفع الرواتب، والانفاق على الخدمات، واستيراد السلع التي لا يُصنع شيء منها في العراق، حيث يستورد البلد 90% من احتياجاته العامة.
لماذا هذا النظام؟
تم تصميمه في البداية بهدف؛ حماية أموال العراق من الديون والمطالبات الدولية.
وتبلغ هذه الديون أكثر من 100 مليار دولار، تراكمت على مراحل عدة.
المرحلة الأولى خلال الحرب مع إيران 1980-1988، حيث اقترضت بغداد عشرات المليارات بهدف تمويل الحرب.
المرحلة الثانية بعد غزو الكويت عام 1990، الذي ترتب عليه؛ عقوبات دولية قاسية، وتعويضات ضخمة للكويت، وعزلة اقتصادية كاملة.
المرحلة الثالثة خلال الحصار الاقتصادي الذي أعقب غزو الكويت في عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث اقر أمميا برنامج “النفط مقابل الغذاء”، لإنقاذ الشعب العراقي من براثن الجوع والمرض بسبب الحصار الاقتصادي، ما تسبب بتراكم ديون كبيرة دون قدرة على السداد.
المرحلة الرابعة؛ بعد احتلال العراق عام 2003، والذي تسبب بانهيار مؤسسات الدولة،
وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتراكم ديون جديدة.
بعد سقوط النظام كان هناك خوف حقيقي من أن تقوم الدول أو الشركات الدائنة بالحجز على عائدات النفط، أو رفع دعاوى قضائية للاستيلاء على الأموال، لذلك تم وضع آلية تجعل عائدات النفط تمر عبر حسابات محمية قانونيا، مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي بالاستناد إلى أوامر رئاسية أمريكية.
ماذا يعني ذلك؟
هذا النظام منح الولايات المتحدة الامريكية سلطة على حركة الدولار القادمة في الحساب المودع فيه أموال النفط العراقي، فأي تحويلات بالدولار تمر عبر النظام المالي الأمريكي، وبالتالي يمكن مراقبتها، أو منعها إذا خالفت العقوبات أو القوانين التي تقرها واشنطن.
مثال؛ فرضت الولايات المتحدة قيودا على بعض البنوك العراقية، لمنع تسرب الدولار إلى إيران بعد أن فرضت عليها عقوبات، وهو ما خلق نوعا من التدقيق غير المباشر، بما يوازي رقابة على الإنفاق الحكومي.
ماذا لو أغلقت أمريكا حساب العراق في الفيدرالي؟
سيحدث:
1- انهيار سريع في سعر الدينار العراقي.
2- ارتفاع حاد في الأسعار .
3- عجز عن دفع الرواتب.
4- توقف الاستيراد (غذاء، دواء، طاقة).
5-أزمة مصرفية داخلية، إذ ستواجه البنوك نقصا في السيولة، ما يعيد تكرار سيناريو لبنان، بسبب السحب الجماعي للأموال.
6- احتجاجات شعبية، تؤدي الى اضطرابات سياسية واجتماعية.
بناء على كل ما تقدم، فإن القرار العراقي رهين البيت الأبيض بغض النظر عمن يحكم، فهي تستخدمه كورقة ضغط سياسي، ليس بالضرورة عبر إصدار أوامر مباشرة للحكومة، بل عبر أدوات مثل؛ تقييد تدفق الدولار، وهو ما حصل فعليا عندما تم فرض قيود على بعض البنوك العراقية، ما تسبب بارتفاع سعر الدولار داخل العراق، وأدى الى ارتفاع الأسعار، ما تسبب بضغط شعبي على الحكومة التي تدير مجتمعا ونظاما اقتصاديا هشا.
ختاما؛ لم تعد القوة في عالم اليوم تقاس فقط بالسلاح، بل بالسيطرة على الاقتصاد والقرار المالي، وفي الحالة العراقية يتجلى ذلك بوضوح، الدولار ليس مجرد عملة، بل هو منظومة نفوذ ذكية من خلالها استطاعت الولايات المتحدة أن تبني شكلا جديدا من التأثير، أقل صخبا من الحروب؛ لكنه أعمق أثرا وأكثر استدامة.

