ترامب وبوتين وشي جين بينغ وسط خريطة جيوسياسية تجسد التنافس على النفوذ في إيران وأوكرانيا وتايوان.

ترامب وبوتين وشي جين بينغ هل يعيد الكبار رسم خريطة النفوذ على حساب إيران وأوكرانيا وتايوان؟

تحليل استراتيجي 

لا مكان دائما للتحالفات القائمة على الشعارات في السياسة الدولية، ولا ضمانات أبدية تحمي الدول حين تتغير حسابات المصالح. 

فالقوى الكبرى لا تتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الأصدقاء والخصوم فحسب، بل باعتباره شبكة متداخلة من المصالح والأوراق التفاوضية، حيث يمكن أن يصبح التراجع في ملف مكسبا في ملف آخر، وأن يتحول الحليف الذي حظي بالدعم سنوات إلى عبء عندما تتغير الأولويات.

يمكن قراءة التحركات الأمريكية والروسية والصينية المتزامنة مؤخرا من هذه الزاوية، وما يحيط بها من تطورات في أوكرانيا وإيران وتايوان، فالمشهد لا يبدو مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل يعكس احتمال دخول العلاقات بين القوى الكبرى مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات، تتقدم فيها الصفقات والمصالح المباشرة على الاعتبارات التقليدية للتحالفات.

تكتسب هذه القراءة أهمية مع الحديث عن مقترح روسي لعقد قمة تجمع؛ فلاديمير بوتين، ودونالد ترامب، وشي جين بينغ، خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في وقت تتشابك فيه الحرب الأوكرانية مع المواجهة الإقليمية المرتبطة بإيران، بينما تظل تايوان نقطة احتكاك رئيسية بين واشنطن وبكين، رغم أن وجود صفقة شاملة تربط هذه الملفات لم يثبت، فإن تزامن التحركات يمنح فرضية إعادة ترتيب النفوذ أهمية تستحق التحليل.

 واشنطن وموسكو.. مكاسب روسية مقابل تنازلات أمريكية

ظهرت مؤشرات خلال الفترة الأخيرة، على استعداد إدارة ترامب لإعادة النظر في بعض أدوات الضغط على روسيا، سواء عبر تخفيف قيود اقتصادية، أو التعامل مع إمدادات الطاقة الروسية بمرونة أكبر، أو ممارسة ضغوط على كييف بشأن استهداف منشآت الطاقة الروسية. 

ترافقت هذه التطورات مع خطاب أمريكي أكثر حدة تجاه القيادة الأوكرانية، ومع استمرار الجدل حول حجم الدعم العسكري والاستخباراتي الذي تستطيع واشنطن تقديمه لكييف.

لا تكمن أهمية هذه التحركات في كل قرار منفرد، بل في حصيلتها السياسية المحتملة. فموسكو، التي واجهت سنوات من العقوبات والعزلة الغربية، تجد في أي تخفيف للضغوط فرصة لاستعادة جزء من هامشها الاقتصادي والدبلوماسي، كما تستفيد من أي انقسام داخل المعسكر الغربي أو تراجع في الثقة الأوكرانية باستمرارية الدعم الأمريكي.

لا تظهر حتى الآن في المقابل، تنازلات روسية استراتيجية معلنة تتناسب بوضوح مع حجم المكاسب التي يمكن أن تحققها موسكو من تخفيف الضغط الأمريكي. 

هذا الاختلال في ميزان المكاسب لا يثبت وجود اتفاق سري، لكنه يفتح المجال أمام قراءة أوسع ترى أن إدارة ترامب قد تكون مستعدة لاستخدام أدوات الضغط والمساندة بوصفها عناصر تفاوضية قابلة لإعادة التوزيع، لا التزامات ثابتة لا تتغير.

بالنسبة إلى ترامب، قد تكون الأولوية الوصول إلى تسوية تخفف كلفة الحرب وتعيد توجيه الموارد الأمريكية نحو ملفات أخرى. 

أما بوتين، فيسعى إلى تثبيت المكاسب الروسية، وتوسيع الاعتراف بمصالح موسكو الأمنية، وإنهاء الحرب بشروط تمنح بلاده موقعا أقوى في النظام الدولي؛ وبين الهدفين تتشكل مساحة واسعة للمساومة، يمكن أن تمتد آثارها إلى ما وراء أوكرانيا.

 إيران.. الحلقة التي قد تكشف حدود التفاهم الروسي الأمريكي

تبدو إيران إحدى أكثر الساحات حساسية في هذه المعادلة، فهي ترتبط مع روسيا بعلاقات استراتيجية وعسكرية، وتستفيد من تعاون يتجاوز المواقف الدبلوماسية إلى مجالات تقنية وأمنية. 

في المقابل، تواجه واشنطن مصلحة مباشرة في تقليص قدرة طهران على تهديد القوات الأمريكية وحلفائها، وفي الحد من شبكات الدعم الخارجي التي تمنحها قدرة إضافية على الصمود.

يشار إلى أن تقارير أمريكية تحدثت عن تقديم روسيا والصين معلومات استخباراتية ومكونات عسكرية لإيران، بما يعزز أهمية البعد الدولي في المواجهة. فالتعامل مع القدرات الإيرانية لا يقتصر على الضربات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل يشمل أيضا تفكيك مصادر الدعم التي تساعد طهران على إعادة بناء قدراتها، والحصول على المعلومات والتكنولوجيا، وتعويض ما تتعرض له من خسائر.

من هنا، يصبح الدور الروسي عنصرا أساسيا في الحسابات الأمريكية؛ فموسكو تملك قنوات تأثير في طهران، لكنها ليست ملزمة بالدفاع عنها عسكريا بموجب معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، كما أن العلاقة الروسية الإيرانية، على أهميتها، تظل محكومة بحسابات المصالح الروسية الأوسع، بما فيها العلاقة مع واشنطن، والحضور الروسي في الشرق الأوسط، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة يصعب التحكم بنتائجها.

هذا الواقع يمنح موسكو مساحة للمناورة، فهي تستطيع المحافظة على شراكتها مع إيران، وفي الوقت نفسه إدارة مستوى التعاون بما يتناسب مع مصالحها في ملفات أخرى، ولا يستلزم الأمر بالضرورة إعلان التخلي عن طهران؛ فقد يكون تقليص بعض أشكال الدعم، أو الامتناع عن تقديم ضمانات إضافية، كافيا لإعادة تشكيل حسابات الطرف الإيراني.

تكتسب التحركات الدبلوماسية الروسية تجاه طهران أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية المعتادة، فزيارة سيرغي لافروف يمكن قراءتها في إطار الاتصالات الروسية الرامية إلى تنسيق المواقف وتقييم المرحلة المقبلة، مع بقاء احتمال مناقشة حدود الدعم الروسي جزءا من التفسير السياسي الذي يحتاج إلى أدلة إضافية.

لا يعني ذلك أن لافروف يحمل بالضرورة رسالة مباشرة من بوتين بشأن صفقة مع ترامب، بل إن طبيعة التحولات الدولية تجعل من المنطقي دراسة الزيارة ضمن سياق أوسع تتغير فيه أولويات موسكو، وتزداد فيه أهمية الموازنة بين الشركاء والخصوم.

 الصين وتايوان.. الوجه الآخر للمساومة الكبرى

لا يمكن فصل الحسابات الروسية الأمريكية عن العلاقة بين واشنطن وبكين. فالصين ليست مراقبا محايدا للتحولات الجارية، بل قوة كبرى تمتلك مصالح اقتصادية وأمنية واسعة، وتسعى إلى الحد من الضغوط الأمريكية عليها، خصوصا في محيطها الإقليمي.

تايوان تبقى إحدى أهم أوراق الخلاف بين الطرفين؛ فواشنطن ترى في دعم الجزيرة وتسليحها جزءا من استراتيجية الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تعتبر بكين هذه السياسة تدخلا في شأن تصفه بأنه داخلي، وتضغط باستمرار لوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايبيه.

وقد تصبح ملفات الشرق الأوسط جزءا من حسابات التفاوض الأوسع، في ظل التنافس الأمريكي الصيني، فحاجة واشنطن إلى تعاون بكين في ملفات دولية، ومنها إيران، تمنح الصين فرصة للمطالبة بتنازلات في قضايا أخرى، بما فيها تسليح تايوان أو القيود التجارية والتكنولوجية المفروضة عليها.

وقد ظهرت بالفعل تقارير عن تأخير صفقة أسلحة أمريكية لتايوان بقيمة تقارب 14 مليار دولار، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أمريكية صينية. علما أنه لا يكفي هذا التزامن حاليا لإثبات أن واشنطن تقايض أمن الجزيرة بتعاون صيني في الشرق الأوسط، لكنه يوضح كيف يمكن أن تتداخل الملفات في لحظة تتزايد فيها حاجة القوى الكبرى إلى تفاهمات متبادلة.

بالنسبة إلى بكين، يمثل أي تراجع في مستوى الدعم العسكري الأمريكي لتايوان مكسبا استراتيجيا، حتى لو لم يأت في صورة اتفاق رسمي، أما واشنطن، فقد تحاول الموازنة بين المحافظة على الردع في آسيا والحصول على تعاون صيني في ملفات أخرى. وبين الحسابين تبقى تايوان معرضة لتأثير قرارات لا تملك وحدها القدرة على التحكم بها.

 القمة الثلاثية.. رمز لإعادة ترتيب العالم أم مجرد مسار تفاوضي؟

يكتسب المقترح الروسي لعقد قمة تجمع بوتين وترامب وشي جين بينغ دلالة سياسية تتجاوز شكل الاجتماع، لأنه يعكس رغبة موسكو في إدارة بعض الملفات الدولية مباشرة مع واشنطن وبكين، بعيدا عن الأطر التي سادت العلاقات الدولية خلال السنوات الماضية.

فإذا انعقدت القمة، قد توفر منصة لمناقشة الحرب الأوكرانية والتوترات الدولية والعلاقات الاقتصادية والأمنية بين القوى الثلاث. وقد تسعى كل دولة إلى توظيف الملفات التي تمتلك فيها نفوذا للحصول على مكاسب في ملفات أخرى، سواء بصورة مباشرة أو عبر تفاهمات متوازية.

لكن الأهم أن هذا النوع من اللقاءات يعكس اتساع المسافة بين الدول التي تمتلك القدرة على فرض شروطها والدول التي تعتمد على الدعم الخارجي لحماية مصالحها؛ فالقوى الكبرى تدخل المفاوضات بأوراق متعددة، وتستطيع الربط بين الاقتصاد والطاقة والأمن والتكنولوجيا والتسليح، أما الدول الأصغر، فتكون قدرتها على المناورة أكثر محدودية عندما تعتمد بصورة مفرطة على طرف واحد.

لا يعني ذلك أن القمة في حال انعقادها، ستؤدي تلقائيا إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ أو إلى اتفاق بشأن مصير إيران وأوكرانيا وتايوان، فالتنافس بين واشنطن وموسكو وبكين عميق، ومصالحها متعارضة في قضايا عديدة. 

إلا أن التنافس لا يمنع التفاهمات الجزئية، كما أن الخصومة لا تحول دون المساومة عندما يرى كل طرف أن المكاسب المحتملة تفوق كلفة التنازل.

وهنا تكمن أهمية مراقبة النتائج العملية لأي تقارب، بدل الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الاجتماعات أو حرارة المصافحات، بل القرارات التي تليها، والتغيرات التي تطرأ على السياسات، والالتزامات التي يعاد تعريفها.

 التحالفات ليست ضمانات أبدية

تقدم هذه التطورات صورة لعالم تتراجع فيه الحدود التقليدية بين الملفات الإقليمية، وتتزايد فيه احتمالات استخدام المصالح المتبادلة في ساحة ما لتحقيق مكاسب في ساحة أخرى. وقد لا تكون هناك صفقة واحدة تجمع كل هذه العناصر، لكن الاتجاه العام يكشف أن العلاقات الدولية تدار عبر شبكة من المساومات المتغيرة، لا عبر التزامات جامدة.

بالنسبة إلى روسيا، يمثل تخفيف الضغط الأمريكي فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، بينما قد ترى واشنطن في العلاقة مع موسكو وسيلة لتقليل أعباء الحرب الأوكرانية وإعادة ترتيب أولوياتها. وتسعى الصين بدورها إلى استثمار مكانتها الاقتصادية والسياسية لتقليص الضغوط الأمريكية في محيطها، في حين تحاول إيران المحافظة على شراكاتها الخارجية وسط تصاعد المخاطر الأمنية.

غير أن هذه الحسابات لا تتحرك في اتجاه واحد. فموسكو قد تحتاج إلى إيران بقدر ما تحتاج طهران إلى موسكو، والصين تدرك أن استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية يخدم مصالحها، وواشنطن لا تستطيع التخلي بسهولة عن دورها في آسيا من دون حساب تداعيات ذلك على الردع ومصداقيتها لدى حلفائها.

لذلك، فإن الخطر الحقيقي على الدول الأصغر لا يتمثل فقط في احتمال تخلي الحلفاء عنها، بل في الاعتقاد بأن التحالف وحده يكفي لحمايتها. فالدولة التي لا تمتلك بدائل اقتصادية ودبلوماسية، ولا تطور قدراتها الذاتية، ولا تحافظ على هامش مستقل لاتخاذ القرار، تصبح أكثر عرضة لتأثير التحولات التي تفرضها القوى الأكبر.

إن إيران وأوكرانيا وتايوان، رغم اختلاف ظروفها ومواقعها، تواجه بدرجات متفاوتة تحديا مشتركا يتمثل في ضرورة حماية مصالحها وسط تنافس دولي لا تتحكم في جميع مساراته. وقد تتمكن كل منها من التأثير في حسابات حلفائها وخصومها، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار الدعم الخارجي بالشروط نفسها مهما تغيرت الظروف.

في النهاية، لا تعني السياسة الدولية أن الكبار يتفقون دائما على حساب الصغار، ولا أن كل تقارب يخفي صفقة سرية. لكنها تثبت أن المصالح الوطنية للقوى الكبرى تظل العامل الأكثر تأثيرا في قراراتها، وأن التحالفات تخضع للاختبار كلما تغيرت موازين القوة.

وفي عالم تتداخل فيه ساحات الصراع والتفاوض، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يقف إلى جانبك اليوم، بل ما الذي يجعل استمرار الوقوف إلى جانبك مصلحة لا يستطيع حليفك الاستغناء عنها غدا.

في ميزان القوى، لا تكفي الرغبة في البقاء خارج حسابات الكبار؛ بل يحتاج ذلك إلى قوة تفاوضية، وبدائل استراتيجية، وقدرة على حماية المصالح حين تتغير قواعد اللعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top