أثارت قصة الطيار العماني الذي يقال إنه حاول إسقاط طائرة إماراتية متجهة إلى إسرائيل، موجة واسعة من التساؤلات، ليس فقط حول الحادثة نفسها، وإنما أيضا حول سلسلة الإجراءات الأمنية التي سبقتها، والكيفية التي وصل بها الطيار إلى موقع يتيح له قيادة طائرة ركاب.
وبحسب الروايات المتداولة، فإن الطيار، الذي يشار إليه باسم همام الهمامي، عماني الجنسية، من أب عماني وأم سورية، وقيل إن لديه ميولا متشددة وإنه سبق له السفر إلى سوريا والاحتكاك بأعضاء في تنظيم القاعدة. وتفيد الروايات نفسها بأنه فصل من عمله في سلطنة عمان بسبب هذه الخلفية.
إذا صحت هذه المعلومات، فإن السؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: كيف تمكن شخص بهذه الخلفية، وفقا للرواية المتداولة، من الانتقال لاحقا للعمل في قطاع الطيران بدولة الإمارات؟
فالإمارات معروفة بتشددها في الملفات الأمنية وملاحقة التنظيمات والتيارات الإسلامية، الأمر الذي يجعل انتقال شخص يقال إن لديه خلفية أمنية أو فكرية مثيرة للجدل إلى شركة طيران إماراتية، ثم وصوله إلى قيادة طائرة ركاب، أمرا يستحق التفسير والتحقق.
وهنا لا يتعلق الأمر بإثبات وجود مؤامرة، وإنما بسؤال أبسط: هل جرى تدقيق أمني كاف في خلفية الطيار قبل توظيفه؟ وإذا جرى، فما الذي خلص إليه؟
هذه الأسئلة تزداد حساسية عند مقارنتها بحوادث سابقة شهدت إخفاقات استخباراتية وأمنية بالغة الخطورة.
11 سبتمبر وأسئلة الرقابة الأمنية
تقدم هجمات 11 سبتمبر 2001 مثالا تاريخيا على أن امتلاك الأجهزة الأمنية لمعلومات عن أشخاص مرتبطين بتنظيم إرهابي لا يعني بالضرورة أن هذه المعلومات ستتحول إلى إجراءات تمنعهم من تنفيذ هجماتهم.
فقد كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تملك معلومات عن عدد من عناصر تنظيم القاعدة قبل الهجمات، ومن بينهم خالد المحضار ونواف الحازمي، اللذان ظهرت أسماؤهما في سياق تحقيقات استخباراتية سبقت الهجمات.
ومع ذلك، تمكن الرجلان من دخول الولايات المتحدة والإقامة فيها، كما حصلا على تدريب متعلق بالطيران.
هذه الوقائع أثارت، ولا تزال تثير، أسئلة كبيرة حول التنسيق بين أجهزة الاستخبارات، وآليات مشاركة المعلومات، والفجوات التي يمكن أن تنشأ بين امتلاك المعلومة وبين تحويلها إلى إجراء أمني فعال.
عمر البيومي وملف سان دييغو
ومن الملفات التي ارتبطت لاحقا بتحقيقات 11 سبتمبر قضية عمر البيومي، وهو مواطن سعودي كان يعيش في مدينة سان دييغو الأمريكية.
وقد تناولت وسائل إعلام وتحقيقات متعددة علاقته بالمحضار والحازمي، كما ظهرت تقارير عن مساعدته لهما في جوانب تتعلق بالسكن والحياة اليومية.
وأصبحت شخصية البيومي محورا لجدل طويل، خصوصا بسبب ما أثير حول علاقاته بأفراد مرتبطين لاحقا بتنظيم القاعدة، وكذلك بسبب مزاعم عن وجود علاقة له بأجهزة استخبارات سعودية.
لكن هذه النقطة تحديدا تحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ فوجود علاقة أو تواصل أو تقديم مساعدة لا يثبت وحده أن الشخص كان جزءا من مؤامرة إرهابية، كما أن الادعاءات المتعلقة بعمله الاستخباراتي ظلت محل نقاش وتحقيقات وتفسيرات متباينة.
وتزداد القضية تعقيدا بسبب ما كشف لاحقا عن معلومات استخباراتية لم تكن متاحة بصورة كاملة للأجهزة الأمريكية أو البريطانية في الوقت نفسه، وهو ما أعاد طرح السؤال الأوسع: إلى أي مدى يمكن أن يؤدي حجب المعلومات أو سوء تبادلها بين الأجهزة إلى خلق ثغرات أمنية خطيرة؟
هل تتكرر الأخطاء؟
الربط بين هذه الملفات والحادثة الأخيرة لا يعني بالضرورة وجود رابط مباشر بينها. فكل حادثة لها ظروفها وملابساتها، وإثبات وجود علاقة بينها يحتاج إلى أدلة واضحة، وليس مجرد تشابه في بعض التفاصيل.
لكن القاسم المشترك الذي يجعل المقارنة مطروحة هو فكرة الفشل في التعامل مع المعلومات الأمنية.
ففي بعض الحالات قد تكون الأجهزة الأمنية قد امتلكت معلومة مهمة لكنها لم تتصرف بناء عليها. وفي حالات أخرى قد تكون المعلومات موزعة بين أكثر من جهة، بحيث لا يمتلك أي جهاز الصورة الكاملة. وقد تكون هناك أيضا أخطاء بشرية أو إدارية في إجراءات التوظيف والتدقيق والمتابعة.
ولهذا فإن السؤال الأهم في قضية الطيار العماني ليس فقط: “من هو الرجل؟”، بل أيضا: ماذا كانت الجهات المختصة تعرف عنه قبل وصوله إلى قمرة القيادة؟
وإذا ثبت بالفعل أنه كان يحمل سجلا أمنيا معروفا، فمن الضروري معرفة ما إذا كانت تلك المعلومات قد وصلت إلى الجهات التي أجرت الفحص الأمني، وما الإجراءات التي اتخذت بناء عليها.
أما إذا اتضح أن المعلومات المتداولة عن ماضيه غير دقيقة أو مبالغ فيها، فإن ذلك يغير طبيعة القضية بالكامل.
في النهاية، لا تكفي سلسلة من “الصدف” لإثبات مؤامرة، كما لا ينبغي أن تتحول الأخطاء الأمنية المحتملة إلى استنتاجات قطعية قبل ظهور الأدلة.
لكن التاريخ، من 11 سبتمبر إلى ملفات استخباراتية أخرى، يوضح أن الثغرات الأمنية وسوء تبادل المعلومات يمكن أن تكون لهما نتائج بالغة الخطورة.
ولهذا، فإن أفضل ما يمكن فعله في هذه القضية هو طرح الأسئلة الصحيحة وانتظار الإجابات الموثقة: من قام بفحص الطيار؟ ماذا كانت الجهات الأمنية تعرف عنه؟ وهل كانت هناك معلومات سابقة تم تجاهلها أو لم تصل إلى الجهة المختصة؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تكشف ما إذا كنا أمام خطأ أمني كبير، أم رواية إعلامية لم تكتمل تفاصيلها بعد.

