بعض الناس يتقاعدون من أعمالهم حين يشيخون…أما الضمير، فإذا تقاعد، شاخ الإنسان قبل أوانه.
هذه حكاية امرأة لم تسمح لضميرها أن يتقاعد.
المشهد الأول: اليدان

في صباح الأحد، وقفت المرأة العجوز أمام المرآة وقتاً أطول من عادتها.
لم تكن تتأمل وجهها.
كانت تتأمل يديها.
رفعتهما ببطء إلى مستوى عينيها، كأنها تراهما للمرة الأولى.
عروق زرقاء نافرة، وتجاعيد حفرتها أربعة وثمانون عاماً من الحياة، وأصابع انحنت قليلاً تحت وطأة الزمن، لكنها لم تفقد دفأها.
ابتسمت.
كم مرة رفعت هاتان اليدان رغيف الخبز في قداس الأحد؟
كم مرة رسمتا إشارة الصليب فوق جبين طفل مرتجف؟
كم مرة أمسكتا بيد أم فقدت ولدها، أو ربتتا على كتف رجل خرج من الحرب وهو يحمل في صدره جراحاً لا يراها أحد؟
لم تعد تتذكر عدد الوجوه التي مرت بين كفيها.
لكنها كانت تعرف أن هاتين اليدين لم تخلقا لتقبضا على شيء، بل لتمنحا.
أخفضتهما ببطء.
ثم تناولت معطفها الرمادي، والعصا الخشبية التي أصبحت رفيقة خطواتها في السنوات الأخيرة.
كانت تعرف أن السير لم يعد سهلاً.
كل خطوة صارت تفاوض الألم قبل أن تولد.
مع ذلك، لم يخطر ببالها أن تبقى في البيت.
على الطاولة الصغيرة بجوار الباب، كانت حقيبة قماشية فتحتها قديمة.
وضعت في داخلها زجاجة ماء، ووشاحاً صوفياً خفيفاً، وكتاباً صغيراً اعتادت أن تقرأ منه كل صباح.
ثم ترددت لحظة.
فتحت درجاً قديماً.
أخرجت صورة مطوية بعناية.
تأملتها طويلاً.
لم يكن في الصورة أحد من أفراد عائلتها.
ولا صديق قديم.
ولا ذكرى شخصية.
بل صورة لطفل غزي مغطى بالغبار، يخرجه رجال الإنقاذ من بين أنقاض بيت تهدم فوق ساكنيه.
مررت أصابعها على الصورة كما تمر الأم على شعر طفل نائم.
ثم وضعتها داخل الحقيبة.
وأغلقت السحاب بهدوء.
خرجت من منزلها.
كان صباح لندن يمضي ككل صباح.
الحافلات الحمراء تشق الشوارع بانتظام.
أصحاب المقاهي يرفعون الأبواب المعدنية.
والناس يركضون خلف ساعاتهم، كأن المدينة لا تعرف الانتظار.
أما هي…
فكانت تمشي ببطء.
لا لأنها متعبة فقط.
بل لأنها كانت تعرف أن الطريق الذي تسير فيه قد لا يعيدها إلى بيتها قبل الغروب.
وربما…
قد لا يعيدها إليه أبداً.
المشهد الثاني: الطريق

صباح لندن يبدو اليوم صباحاً عادياً إلى كبير.
شاب يركض وهو يحتسي قهوته.
امرأة تدفع عربة طفلها وهي تضحك في الهاتف.
عامل نظافة يكنس أوراقاً جافة سقطت تحت الأشجار.
وحافلة حمراء تتوقف، ثم تمضي، ثم تتوقف من جديد، كأن المدينة تحفظ إيقاعها عن ظهر قلب.
وقفت سيو تنتظر عند المحطة.
أفسح لها شاب مكانه على المقعد.
شكرته بابتسامة، لكنها بقيت واقفة.
كانت تشعر أن الجلوس سيجعلها أبطأ، وأن هذا اليوم لا يحتمل التأخير.
وصلت الحافلة.
صعد الركاب تباعاً.
وحين حاولت أن تخطو إلى الداخل، مد السائق يده ليسندها.
قال وهو يبتسم:
“على مهل… لا أحد يسرق لندن”..
ضحكت.
وقالت:
“أعرف… لكن الوقت يسرقنا”.
لم يفهم السائق ما تعنيه.
ابتسم مجاملة، ثم أغلق الباب.
جلست قرب النافذة.
كانت المدينة تمر أمامها كأنها شريط قديم.
المخبز الذي كانت تشتري منه الخبز بعد قداس الأحد.
الحديقة التي كانت تصطحب إليها أطفال الكنيسة.
المكتبة التي اشترت منها أول نسخة من الإنجيل أهدتها لطفلة صغيرة قبل أكثر من أربعين عاماً.
مرت الأماكن كلها.
وبقي السؤال نفسه.
هل يكفي أن نصلي من أجل المظلومين؟
أم أن الصلاة، إذا لم تحرّك أقدامنا، تصبح مجرد عزاء لأنفسنا؟
أخرجت الصورة من حقيبتها.
لم ترفعها أمام أحد.
وضعتها فوق ركبتيها.
الطفل في الصورة مغطى بالغبار.
عيناه مغمضتان.
ورأسه يستقر على كتف أحد رجال الإنقاذ.
توقفت الحافلة فجأة.
ارتجت الصورة قليلاً بين أصابعها.
أعادت النظر إليها.
ثم همست:
“لا أعرف اسمك… لكنني لا أريد أن أموت قبل أن أقول إن ما يحدث لك ليس عادياً”..
أعادت الصورة إلى الحقيبة.
وحين رفعت رأسها، كانت قد وصلت.
في الساحة المقابلة، بدأت تتجمع وجوه من أعمار مختلفة.
طلاب.
أطباء.
معلمون.
متقاعدون.
وأمهات يدفعن عربات أطفالهن.
لا يشبهون جيشاً.
بل يشبهون ضمائر خرجت من بيوتها في الموعد نفسه.
سارت بينهم ببطء.
بعضهم التفت إليها.
ابتسم لها.
شاب في العشرين من عمره تقدم ليساعدها على تجاوز حافة الرصيف.
قال لها:
“شكراً لأنك جئت”
ابتسمت.
وأجابت بصوت خافت:
“لا… شكراً لأنكم لم تتركوا كبار السن يأتون وحدهم”..
ثم واصلت السير.
لم تكن تعلم أن رجال الشرطة، على بعد أمتار قليلة، كانوا قد تلقوا بالفعل أسماء الأشخاص الذين ينبغي اعتقالهم أولاً.
وكان اسمها… بينهم.
المشهد الثالث: اللافتة

بدأت الساحة تمتلئ ببطء.
لا أحد يهتف بعد.
ولا أحد يركض.
الناس يتبادلون التحية كما لو أنهم التقوا في مناسبة يعرفون أنها لن تكون سعيدة.
وقفت سيو إلى جانب شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين.
يحمل لافتة كبيرة، بينما حملت هي ورقة صغيرة بالكاد تتسع لكلمات قليلة.
نظر إليها مبتسماً.
قال:
“هل أساعدك في حملها؟”
هزت رأسها برفق.
وقالت:
“لا… هذه أستطيع حملها”.
خفض الشاب بصره إلى الورقة.
لم يكن عليها سوى سطر واحد:
«كل طفل يستحق أن يكبر»
قرأها مرة أخرى.
ثم نظر إلى المرأة العجوز.
وسألها:
“أهذا كل ما أردتِ قوله؟”
ابتسمت.
“عندما تكون الحقيقة واضحة… لا تحتاج إلى كلمات كثيرة”.
ساد صمت قصير.
بدأت صفوف الشرطة تتحرك في الجهة المقابلة.
خوذات سوداء.
سترات واقية.
أجهزة لاسلكية لا تتوقف عن الهمس.
اقترب أحد الضباط.
لم يكن غاضباً.
ولم يكن متوتراً.
كان يبدو كموظف يؤدي مهمة اعتاد عليها.
توقف أمامها.
نظر إلى اللافتة.
ثم إلى وجهها.
تردد للحظة.
كأنه كان ينتظر أن يحدث شيء يعفيه من الخطوة التالية.
لكن شيئاً لم يحدث.
رفع صوته بهدوء:
“سيدتي… أرجو أن ترافقيني”..
سألته بابتسامة صغيرة:
“هل جاء دوري؟”
لم يجب.
أخرج قيداً معدنياً من حزامه.
نظر إلى يديها.
توقف مرة أخرى.
كانت يدان نحيلتان…
خفيفتان…
تكادان ترتجفان من أثر العمر.
في داخله، مر خاطر خاطف:
كم مرة حملت هاتان اليدان طفلاً؟
وكم مرة مسحتا دمعة؟
اختفى الخاطر سريعاً.
فالواجب، في نهاية الأمر، لا يترك وقتاً للأسئلة.
قال بصوت خافت:
“أعتذر…”
ومد يده بالأصفاد.
نظرت سيو إلى معصميها.
ثم رفعت عينيها إليه.
ولم تسحب يديها.
قالت بهدوء لم يفهمه أحد حولها:
“لا تقلق… لقد حملتا أثقل من الحديد”..
أطبق القيد حول معصمها.
صدر صوت معدني صغير.
لكن سيو شعرت كأنها تسمع صوتاً آخر.
صوت أبواب كنيسة قديمة كانت تغلقها كل مساء بعد انتهاء القداس.
في تلك اللحظة، انزلقت الورقة الصغيرة من يدها.
حملتها نسمة خفيفة.
سقطت على الرصيف.
ظل السطر المكتوب عليها ظاهراً:
«كل طفل يستحق أن يكبر»
مر شرطي فوقها دون أن ينتبه.
ثم آخر.
ثم ثالث.
حتى غطت آثار الأحذية الكلمات.
أما سيو… فكانت تمضي ببطء نحو سيارة الشرطة.
تمشي كما كانت تمشي دائماً.
بهدوء امرأة لم تأت لتنتصر… ولا لتنجو…بل لتشهد فقط.
المشهد الرابع: الطريق إلى الزنزانة

أغلق باب السيارة بصوت مكتوم.
ثم ساد الصمت.
جلست سيو على المقعد الخلفي، وأمامها نافذة صغيرة، لا تكاد تتسع إلا لشريط ضيق من السماء.
إلى جوارها جلس شرطي شاب.
بدا أصغر من أن يكون ابنا لها… وأكبر من أن يكون حفيدا.
ينظر إلى الأمام…كما تفعل هي.
لم يكن بينهما ما يقال.
تحركت السيارة.
أخذت لندن تتراجع خلف الزجاج.
المقاهي التي امتلأت بالزبائن.
محطة الحافلات التي نزلت عندها قبل ساعة.
الكنيسة الصغيرة التي أشعلت فيها شمعتها الأخيرة.
كل شيء بقي في مكانه… إلا هي.
كانت المدينة تمضي في يومها المعتاد، كأن شيئا لم يحدث.
فكرت للمرة الأولى، أن المآسي الكبرى لا توقف العالم.
العالم يستمر… والألم يسير وحيدا.
كسر الشرطي الصمت.
قال دون أن يلتفت إليها:
“هل تسمحين لي أن أسألك سؤالًا؟”
هزت رأسها باﻻيجاب.
قال:
“كان بإمكانك أن تبقي في بيتك”..
ابتسمت… ابتسامة صغيرة، متعبة، لكنها لم تخل من الدفء.
ردت: “لهذا السبب خرجت”
التفت إليها، ولم يفهم.
تابعت:
“لأن الجميع يستطيعون البقاء في بيوتهم”
عاد الصمت.
وبقيت الجملة معلقة بينهما، كأنها لم تكن جوابا له وحده، بل لكل من سيقرأ حكايتهما بعد سنوات.
اقتربت السيارة من مبنى الاحتجاز.
أخرج الشرطي مفتاح الأصفاد.
تردد لحظة.
ثم فك القيد عن معصمها.
بقيت آثار المعدن واضحة على جلدها الرقيق.
تأملتها سيو بصمت.
ومررت أصابعها فوق الأثر الأحمر.
لم يكن يؤلمها.
كانت تعرف أن الحديد يترك أثره ساعات… أما الضمير، فيترك أثره عمرا كاملا.
ترجلت ببطء.
وقبل أن تدخل الباب الحديدي، رفعت رأسها.
من بعيد… كانت أجراس كنيسة تدق معلنة قداس الأحد.
ابتسمت.
وهمست، كأنها تكمل صلاة لم تنهِها صباحا:
“ليت أحدا يسمعها هناك أيضا…”
ثم اختفت خلف الباب.
وبقي صوت الأجراس في الخارج…
يدعو الناس إلى الرحمة.
المشهد الأخير: المقعد الخالي

في الأحد التالي…
دقت أجراس الكنيسة في موعدها.
فتحت الأبواب الخشبية القديمة.
دخل المصلون واحداً بعد آخر.
العجوز التي تجلس دائماً قرب النافذة.
الرجل الذي لا يبدأ صلاته قبل أن يعدل نظارته.
الطفلة التي اعتادت أن تشعل أول شمعة في كل قداس.
كل شيء كان في مكانه.
كل شيء…
إلا مقعد واحد.
في الصف الأول.
على اليمين.
ذلك المقعد الذي جلست عليه سيو بارفيت عشرات السنين.
هناك كانت تصغي.
وهناك كانت تصلي.
وهناك كانت تبتسم للأطفال كلما التفتوا إليها أثناء القداس.
ظل المقعد خالياً.
ولم يجرؤ أحد على الجلوس فيه.
اعتلى القس المنبر.
فتح الإنجيل.
ثم قرأ بصوت هادئ:
“طوبى لصانعي السلام…”
ساد صمت قصير.
كان بعض المصلين ينظرون إلى المقعد الفارغ.
وكأن الكلمات خرجت من الكتاب… ثم ذهبت تبحث عن صاحبتها.
في تلك اللحظة…
كانت سيو تجلس خلف باب حديدي، تنتظر أن تسأل عن سبب تضامنها مع حركة حظرتها السلطات، وأن تواجه اتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
لم تحمل متفجرات.
ولم تخف سلاحاً.
ولم تتهم بأنها آذت أحداً.
كان أكثر ما تملكه خطورة…ضمير رفض أن يبقى في البيت.
أما الصورة…
فقد بقيت في حقيبتها القماشية.
وحين فتش أحد الموظفين محتوياتها، أخرجها متسائلاً.
لم تكن رسالة سرية.
ولا خريطة.
ولا منشوراً.
كانت صورة طفل أخرجه رجال الإنقاذ من بين الأنقاض في غزة.
نظر إليها لحظة.
ثم أعادها إلى الحقيبة، ومضى إلى الورقة التالية في ملف الإجراءات.
أما سيو…
فكانت تعرف أن أحداً لن يسألها عن اسم الطفل.
ولا عن قصته.
لكنها كانت تأمل أن يأتي يوم يسأل فيه أحد سؤالاً آخر:
كيف وصل عالم يدعو في معابده إلى الرحمة…
ثم يخشى امرأة في الرابعة والثمانين من عمرها، لأنها قالت إن الأطفال يستحقون الحياة؟..
بعد سنوات… قد تضيع محاضر التحقيق في الأرشيف.
وقد ينسى الناس أسماء الضباط، وأرقام المواد القانونية، وتواريخ الجلسات.
لكن صورة واحدة قد تبقى حية الى اﻻبد.
امرأة أنهكتها السنون، تحمل في يد صورة طفل لا تعرفه…وفي اليد الأخرى إيماناً لم تتخل عنه.
ثم تمضي، بخطوات بطيئة، نحو منصة قاض مرت امام ناظريه عشرات القضايا.
يختلف الحكم فيها رغم ان النص القانوني الجامد واحد..
هنا كلمة نُطقت.. تفسيرها معادة للسامية
وهنا كلمة على ورق الضمير كتبت.. تفسيرها دعم للإرهاب.
لم تكترث سيو بارفيت لاحتمال وسمها بدعم اﻻرهاب..
ﻷنها كانت تعرف، منذ البداية، أن أثقل ما قد يحمله الإنسان في آخر عمره…
ليس جسده…
بل ضميره.

