لايزال علماء الطب في العصر الحديث يعتقدون؛ أن القلب في جسم الإنسان عضو وظيفي كسائر الأعضاء.
وقد طرح الدكتور “بول بيرسال” (Paul Pearsall) اختصاصي علم النفس العصبي الأمريكي، مطلع القرن الحادي والعشرين، فكرة ثورية في كتابه المعنون “شفرة القلب” (The Heart’s Code)، أثبت فيها أن القلب ليس مجرد مضخة دم، بل يحتوي على “ذاكرة” و”ذكاء” خاص به يتجاوز في إمكاناته الدماغ أحيانًا.
يعتمد الكاتب على علم يُعرف ما بـ “علم الأعصاب القلبي” (Neurocardiology)، وعلى حالات حقيقية من متلقي زراعة القلب، إلى جانب نظريات حول “الطاقة الحيوية” و”الذاكرة الخلوية” (Cellular Memory).
ملخص الكتاب
يشير الكاتب إلى أن القلب يملك نظاما عصبيا خاصا يسمى “العقل القلبي” (Heart Brain)، مكوَّن من أكثر من 40,000 خلية عصبية، له قدرات عظيمة أهمها؛ تخزين الذكريات، والمشاعر، وحتى الهوية الشخصية.
لاحظ الأطباء في بعض حالات زراعة القلب، أن المتلقين بدأوا يُظهرون:
• ميولاً جديدة.
• ذكريات لم يعيشوها.
• تفضيلات أطعمة أو موسيقى مختلفة.
وقد تطابقت هذه المشاعر الجديدة أحيانًا مع شخصية المتبرع بالقلب.
في الفصل الأول وتحت عنوان: “الشفرة الخفية للقلب”
يستعرض المؤلف كيف يُعبّر القلب عن مشاعرنا بطرق غير لفظية، مشيرًا إلى أننا نضع أيدينا على صدورنا عند الفرح أو الحزن، وليس على رؤوسنا، مما يدل على أن القلب هو مركز المشاعر والاتصال العاطفي.
وفي الفصل الثاني وتحت عنوان: “الطاقة القلبية والشفاء”
يُقدّم مفهوم “الطاقة القلبية” أو “الشفرة القلبية”، وهي طاقة معلوماتية تنبع من القلب وتؤثر على صحتنا النفسية والجسدية.
وفي الفصل الثالث وتحت عنوان: “الذاكرة الخلوية”
يناقش فكرة أن خلايا القلب قد تحتفظ بذكريات ومشاعر، مستندًا إلى حالات لمرضى زراعة القلب الذين اكتسبوا صفات أو ذكريات من المتبرعين.
وفي الفصل الرابع وتحت عنوان: “القلب كمنظم أساسي”
يُبرز دور القلب كمنظم رئيسي للجسم، حيث يُنسّق بين الخلايا ويُحافظ على توازنها، مما يجعله مركزًا للوعي والهوية.
وفي الفصل الخامس وتحت عنوان: “الاتصال بين القلوب”
يُشير إلى أن القلوب تتواصل مع بعضها البعض من خلال تبادل الطاقة، مما يُعزز من فهمنا للعلاقات الإنسانية والتعاطف.
القرآن والقلب
الإسلام سبق العلم الحديث في اعتبار القلب مركزًا للفهم والإيمان والنور.
ومن خلال هذا الكتاب بدأ العلم الحديث يقترب من هذا المفهوم، من خلال علم الأعصاب القلبية وتجارب زراعة القلب.
ومن خلال ما يُعبَّر عنه اليوم بـ”الطاقة القلبية” و”الذاكرة الخلوية”، والتي قد تكون ما عبّر عنه الوحي بالقلب الحي أو الميت، والقلب الخاشع أو القلب المختوم.
وما يُقدمه الدكتور “بول بيرسال” بشكل علمي، يتوافق مع ما أكّده القرآن الكريم، حين أشار إلى أن القلب هو سرّ الإنسان، ومصدر وعيه ونوره وهدايته، ففي أكثر من موضع تحدثت الآيات الكريمة عن أن القلب ليس مجرد عضو وظيفي في الجسم، بل هو على وجه التحقيق يملك قدرات إدراكية وعقلية وروحية.
ومن أمثلة ذلك:
– القلب يُبصر ويفهم
قال الله تعالى في سورة الحج 46:
{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور..}.
– القلب مركز التفكر والتعقل
قال الله تعالى في ذات الموضع:
{..أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها}.
– الختم على القلوب يمنع الفهم
قال الله تعالى في سورة البقرة 7:
{ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة}.
– الحياة والموت المعنوي بالقلب
قال الله تعالى في سورة النور 40:
{ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور}.
– القلوب هي التي تفقه
قال الله تعالى في سورة الأعراف 179:
(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها..}.
– القلب مصدر النية والإرادة
قال الله تعالى في سورة الشعراء: 89:
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.
-القلب محرك مشاعر الإنسان
قال الله تعالى في سورة الأنعام 25:
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ}.
القلب في السنة
ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فضلًا عما ورد في القرآن الكريم، أمثلة مشابهة ومها على سبيل المثال لا الحصر:
-القلب موضع الإيمان
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان الحقيقي ينعكس من خلال القلب، وأنه لا يكتمل ايمان الانسان إلا إذا كان قلبه سليمًا من الشوائب، وذلك في قوله:
{إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ} (رواه البخاري ومسلم).
– تقلب أحوال الناس مصدره القلب
يُبين النبي صلى الله عليه وسلم أن القلوب بيد الله تعالى، وأنه يُقلِّبها كيفما شاء، مما يعني أن الهداية والضلال بيد الله وحده، وذلك في قوله:
{يُقَلِّبُ اللَّـهُ قُلُوبَ عِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ} (رواه مسلم).
– القلب مركز الثبات على الافكار
يُشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن القلوب قد تتجه للهداية أو للضلال، ويُبيّن في الحديث الصحيح؛ أن القلوب لا تظل ثابتة على حالها، بل تتقلب وتتعرض للتغيير المستمر، قال صلى الله عليه وسلم:
“اللهم مُقَلِّبَ القلوب، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَىٰ دِينِكَ”
(رواه مسلم)
هذا الحديث يعكس أهمية الاستمرار في الدعاء والتوجه إلى الله لثبات القلب على الإيمان والهداية.
ختاما:
الإسلام سبق العلم الحديث في اعتبار القلب مركزًا للفهم والإيمان والنور، والعلم بدأ يقترب من هذه الحقيقة من خلال؛ علم الأعصاب القلبية وتجارب زراعة القلوب، ومن خلال ما يُعبَّر عنه اليوم بـ”الطاقة القلبية” و “الذاكرة الخلوية”، وقد تكون هذه العلوم تعبيرا عن ما عبّر عنه الوحي بـ”القلب الحي” و “القلب الميت”، و”القلب الخاشع” و “القلب الواعي المدرك” …الخ.
هذا التوافق في العلم التجريبي الذي أشرت إليه يُجلي لنا من جديد مدى التوافق المدهش بين آيات القرآن الثابتة وما يكشف العلم يومًا بعد يوم.
هذا التوافق يدعو إلى التأمل، ويزيد المؤمن طمأنينة وإيمانًا، ويدفع المنصف من غير المسلمين إلى إعادة النظر في مصدر هذا الكتاب العظيم.
مع ذلك من الضروري أن نُدرك أن اعتمادنا على الاكتشافات العلمية في تفسير القرآن أو إثبات صدقه له حدوده، لأن العلم بطبيعته متغير، يتطور ويتبدل مع الزمن، بينما القرآن ثابت ومحفوظ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فالقرآن ليس كتاب علوم طبيعية، وإنما هو كتاب هداية وتشريع وقيم، أنزله الله لهداية البشرية في كل زمان ومكان، والإشارات العلمية تأتي على وجه الإعجاز والإشارة، لا على وجه التفصيل العلمي.
إعجاز كتاب الله لا يُختزل في مطابقته للعلوم الحديثة، بل يمتد إلى بلاغته، وتشريعاته، وتناسق معانيه، وأثره في النفوس والمجتمعات، وإخباره بالغيب، وصموده في وجه التحديات عبر القرون، وما يقدمه العلم بين الحين والآخر من توافق مع بعض آيات القرآن هو بمثابة “شواهد تأييد”، تضيء للعقل وتؤكد للباحث أن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق هذا الكون.
فنحن لا نجعل إيماننا بالقرآن مرهونًا بإثباتات العلم، بل نؤمن به ابتداءً على أنه كلام الله، ثم نرى في كل اكتشاف علمي جديد ما يزيدنا يقينًا بأن هذا الكتاب نور لا ينطفئ، وهداية لا تنقضي، ومعجزة باقية تتجدد مع تجدد العصور.
———————-
كتاب شفرة القلب (The Heart’s Code)
العنوان الكامل:
The Heart’s Code: Tapping the Wisdom and Power of Our Heart Energy
المؤلف: الدكتور Paul Pearsall
تاريخ النشر: 1998
يمكن الاطلاع على الكتاب من خلال الرابط أدناه:
https://archive.org/details/heartscodetappin00pear?utm_source=chatgpt.com