ليست التوبة كلمة تقال
ولا دمعة عابرة
ولا موسما يزار ثم يغادر
التوبة… رجوع
رجوع الغريب إلى وطنه
ورجوع القلب إلى ربه
يا صاحبي…
لو أثقلتك الذنوب، فلا تهرب من الباب
بل اقترب منه…
لو كسرتك المعاصي، فلا تبتعد عن الذي يجبر الكسير
التوبة ليست إعلان هزيمة؛ بل إعلان بداية
هي أن تقول:
يا رب… أريدك
ثم تمشي إليه
خطوة
تليها خطوة
وسيأتيك ركضا
فمقام التوبة
ليس محطة عابرة، بل بيتا تسكنه
كلما ابتعدت…عدت
كلما زللت…رجعت
كلما قسوت…طرقت باب المليك بدموع الذل
وكلما رجعت تأكد أنك ستجد الباب مفتوحا.. دائما
نخطئ.
فنبتعد
فنستوحش
ثم نبحث عن الدفء
والدفء هناك…
حيث تركنا الباب مفتوحا
وبتعبير ابن القيم في المدارج:
التوبة هي أول منازل السائرين، وأوسطها، وآخرها
كأنها الطريق كله
نبدأ بها…
ونعيش بها…
ونختم بها
إن الله حين يفتح لاحدنا باب التوبة
فهو لا يذكرنا بذنوبنا ليهيننا بل ليطهرنا
الدليل؛ ان الله يفرح برجعونا إليه..
وما أرق الحديث:
(لله أشد فرحا بتوبة عبده…)
أي رب هذا؟
نعرض… فيدعونا
نبتعد… فيقربنا
نخطئ… فيسترنا
ثم إذا عدنا… استقبلنا
رحم الله الرافعي، الذي يرى أن القلب إذا لم يتطهر بالدمعة، تكدست عليه غبار الأيام
والتوبة دمعة الوعي
ليست دمعة الخوف وحده
بل دمعة المعرفة
أن نعرف أننا ضعفاء.. وأنه هو قوي
أن نعرف أننا محتاجون.. وأنه هو الغني
عندها وفي هذه اللحظة بالذات تنكسر نفوسنا
تنكسر… انكسار حياة
فالتوبة ليست حدثا استثنائيا في حياتنا
بل هي وظيفة يومية
كما نتنفس… نتوب
كما نغتسل… تستغفر
كما ننام…نراجع تموضعنا مع الله
وابن تيمية يرى ان التوبة ليست لأصحاب الكبائر فقط
بل هي مقام لأصحاب القلوب
ويحكي ابن الجوزي في صيد خاطره انه مر بلحظات كان يشعر فيها بقسوة، فيبحث عن السبب،
فوجد ذنبا خفيا لم يلق له بالا
يقول:
رب معصية أورثت ذلا وانكسارا
خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا
فليست المشكلة أن نقع في المخالفات
المشكلة أن لا نشعر
أن لا نتألم
أن لا نعود
التوبة ليست فقط من المعصية
بل من الغفلة
من الاعتياد
من البرود
التوبة
أن نستحيي من نظر الله إلينا ونحن نعصيه
أن نستحيي من نعمه ونحن نخالفه
أن نستحيي من حلمه علينا ونحن نؤجل الرجوع
لحظة الصدق
ما أجملها من لحظة
أن نغلق على انفسنا الابواب
أن نسجد ونقول
يا رب… أخطأت.
بلا تبرير
بلا فلسفة
بلا تحميل للظروف
فقط اعتراف.. يارب أخطأت
عند هذه اللحظة…
تتحول الأرض محرابا
وتتحول الدموع طهرا
ويتحول الذنب جسرا
التوبة ليست ضعفا
هي شجاعة
شجاعة الاعتراف
شجاعة المواجهة
شجاعة أن نرى انفسنا كما هي
ولذلك كان الصالحون يخافون من تأجيلها
يقول ابن القيم:
إياك وتأخير التوبة، فإن الموت يأتي بغتة
وكم من إنسان قال: غدا أتوب
فجاءه الغد… فلم يكن فيه موجودا..

