اقدام أمريكا تغرز في وحل ايران.. وروسيا تستثمر في خيبة ترامب

تشير التطورات الأخيرة إلى أن روسيا أصبحت طرفا في الصراع الدائر بصورة غير مباشرة، في وقت يسعى فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تقديم الدعم للولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية. وقد يبدو الربط بين هذين الخبرين غير واضح للوهلة الأولى، إلا أن التدقيق في المشهد يكشف خيطا مشتركا بينهما.

فالحرب المشتعلة حاليا في منطقة الخليج تمثل، في نظر كثير من المراقبين، فرصة استراتيجية كبيرة لروسيا. وإذا استمر الصراع لفترة طويلة، فقد يوفر ذلك لموسكو موارد مالية إضافية تمكنها من تمويل مجهودها الحربي في أوكرانيا وتعزيز قدرتها على مواصلة الحرب هناك.

لكن لماذا يحدث ذلك؟ وما العلاقة بين ما يجري في الخليج ومستقبل المنطقة؟

لفهم الصورة بصورة أدق، لا بد من النظر إلى بعض التطورات التي تجري على الجانب الآخر من العالم، والتي تساعد على تفسير ما يحدث في الشرق الأوسط.

فالحرب الجارية في المنطقة أعادت بالفعل تشكيل موازين الطاقة العالمية. فمع إغلاق إيران لمضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط في العالم قفز سعر برميل النفط الروسي من نوع “الأورال” من نحو 40 دولارا إلى ما يقارب 72 دولارا، وفق ما نقلته تقارير إعلامية دولية، مع توقعات بإمكانية تجاوز حاجز 100 دولار إذا طال أمد الأزمة. ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه سعر البرميل في الأسواق العالمية نحو 110 دولارات.

وبذلك، تجد روسيا نفسها مستفيدة ماليا من ارتفاع الأسعار، إذ تتدفق العائدات النفطية إلى خزينة الدولة في وقت تخوض فيه حربا مكلفة في أوكرانيا.

ومنذ أيام قليلة، استغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه التطورات ليؤكد في خطاب متلفز أن بلاده ما تزال موردا موثوقا للطاقة، داعيا الدول المحتاجة إلى التوجه نحو روسيا لتأمين احتياجاتها. كما وجه رسالة واضحة إلى الاتحاد الأوروبي مفادها أن موسكو قادرة على تحويل صادراتها إلى أسواق أخرى إذا أرادت، في ظل وجود مشترين مستعدين لدفع أسعار أعلى.

🔹 لكن لماذا يخاطب أوروبا بهذه اللهجة؟

السبب يعود إلى أن الاتحاد الأوروبي كان يخطط لإنهاء اعتماده على الغاز الروسي بحلول عام 2027. غير أن التصعيد العسكري في المنطقة، وما رافقه من استهداف لمنشآت الطاقة في الخليج، إضافة إلى المخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، وضع أوروبا أمام أزمة طاقة محتملة.

فمع تعطل بعض إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار بصورة كبيرة، تجد الدول الأوروبية نفسها في موقف حرج، وقد تضطر في حال استمرار الأزمة إلى إعادة النظر في موقفها من استيراد الطاقة الروسية.

وتبرز هنا نقطة أساسية تفسر لماذا يرى كثير من الخبراء أن روسيا قد تكون أحد أكبر المستفيدين من هذه الحرب. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 30% من الميزانية الروسية يأتي من عائدات النفط والغاز، في حين يذهب جزء كبير من الإنفاق الحكومي إلى تمويل المؤسسة العسكرية والعمليات الحربية في أوكرانيا. وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمنح موسكو هامشا ماليا أوسع لمواصلة حربها.

🟣 ومن هنا يمكن فهم التوتر في العلاقات بين بعض العواصم الأوروبية والإدارة الأمريكية.
فالدول الأوروبية ترى أن استمرار الحرب في المنطقة قد يهدد مصالحها الاقتصادية وأمنها الطاقوي بشكل مباشر، وهو ما يفسر التباين في المواقف بين ضفتي الأطلسي في بعض الأحيان.

ولا تقتصر التداعيات على أوروبا وحدها؛ فالصين أيضا تراقب التطورات عن كثب، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من المنطقة، بما في ذلك النفط الإيراني. وتشير تقارير غربية إلى أن بكين قدمت لإيران أشكالا مختلفة من الدعم اللوجستي والتكنولوجي، في إطار حسابات استراتيجية أوسع تتعلق بالتنافس مع الولايات المتحدة.

وفي السياق نفسه، تتحدث تقارير عن دعم روسي لإيران في مجالات استخباراتية، بما في ذلك تزويدها ببيانات وصور أقمار صناعية تساعدها في متابعة التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

🔸️ وقد صرح السفير الروسي لدى بريطانيا، أندريه كيلين، في مقابلة إعلامية بأن بلاده “ليست محايدة بالكامل” في هذا الصراع، وهو تصريح يعكس حجم الانخراط السياسي الروسي في الأزمة.

وفي المقابل، يحاول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة وحلفائها، مقترحا تقديم خبرات أوكرانية في مجال مواجهة الطائرات المسيرة، وهي خبرات اكتسبتها كييف خلال الحرب مع روسيا.

وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات كيف يمكن لصراع إقليمي أن يتحول إلى ساحة تفاعل بين قوى دولية كبرى، بحيث تتداخل المصالح والحسابات الاستراتيجية بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا في مشهد جيوسياسي شديد التعقيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top