ثوران بركان أناك كراكاتاو في مضيق سوندا بإندونيسيا وتصاعد سحب الرماد البركاني

أناك كراكاتاو يستيقظ من جديد: هل يعود شبح الكارثة التي غيرت مناخ الأرض؟

البركان الذي يحمل اسمه معنى «ابن كراكاتاو» دخل خلال الأيام الأخيرة في موجة جديدة من النشاط البركاني، مطلقا أعمدة كثيفة من الرماد والغازات إلى ارتفاعات كبيرة في الغلاف الجوي، الأمر الذي أدى إلى اضطراب واسع في حركة الطيران وإغلاق عدد من المطارات وتأثر أكثر من 1500 رحلة جوية.

لكن ما يجعل العالم يراقب هذا البركان باهتمام خاص لا يتعلق فقط بما يحدث الآن.

فأناك كراكاتاو يقف فوق واحدة من أكثر المناطق البركانية شهرة وخطورة في تاريخ البشرية: موقع بركان كراكاتاو القديم، الذي أدى انفجاره عام 1883 إلى كارثة هزت العالم وغيرت الغلاف الجوي للأرض لسنوات.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل نحن أمام نشاط بركاني محدود ومألوف في واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطا جيولوجيا، أم أن التاريخ الذي بدأ قبل أكثر من قرن يمكن أن يعيد طرح نفسه بصورة جديدة؟

مطارات مغلقة وسماء تتحول إلى منطقة خطر

بدأت موجة النشاط الأخيرة لأناك كراكاتاو بتصاعد الانفجارات البركانية وانبعاث أعمدة كثيفة من الرماد، امتدت في اتجاهات مختلفة بحسب حركة الرياح.

وتكمن خطورة الرماد البركاني بالنسبة للطيران في أنه ليس مجرد دخان.

فالجزيئات البركانية الدقيقة تحتوي على مواد صخرية وزجاجية يمكن أن تتسبب في أضرار جسيمة لمحركات الطائرات، خصوصا إذا دخلت إلى المحركات النفاثة أو أثرت في أجهزة الملاحة والرؤية.

ولهذا السبب اضطرت السلطات الإندونيسية إلى اتخاذ إجراءات واسعة شملت الإغلاق المؤقت لعدد من المطارات، بينما تأثرت حركة أكثر من 1500 رحلة جوية، وتضرر أو تعطلت خطط سفر نحو 170 ألف مسافر.

وكان مطار سوكارنو–هاتا الدولي، أحد أهم مراكز الطيران في إندونيسيا وجنوب شرق آسيا، من بين المطارات التي تأثرت بالاضطرابات الجوية.

وفي بعض الاتجاهات، وصلت سحب الرماد البركاني إلى ارتفاعات تقارب 50 ألف قدم، أي نحو 15 كيلومترا فوق سطح الأرض.

وهو ارتفاع يضع الرماد مباشرة في مناطق حساسة لحركة الطيران المدني.

لكن الخطر لم يتوقف عند المطارات.

ففي المناطق القريبة من البركان، أدى سقوط الرماد إلى تعطيل الحياة اليومية، وتأثر السكان والصيادون والمدارس، فيما واجهت السلطات تحديا إضافيا يتمثل في حماية السكان من الآثار الصحية للرماد، الذي يمكن أن يسبب تهيج العينين والجهاز التنفسي.


لماذا يخيف اسم «كراكاتاو» العالم؟

لفهم القلق الذي يحيط بأي نشاط جديد في هذه المنطقة، يجب العودة إلى عام 1883.

في ذلك العام شهد العالم واحدا من أعنف الثورانات البركانية في التاريخ الحديث.

كان انفجار كراكاتاو حدثا جيولوجيا تجاوز حدود إندونيسيا.

فقد أدى الانفجار والانهيارات البركانية المصاحبة له إلى موجات تسونامي مدمرة ضربت السواحل المحيطة، وأسفرت الكارثة عن مقتل نحو 36 ألف شخص.

كما دمرت مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بالبركان.

لكن التأثير الأكثر إثارة لم يكن محليا فقط.

لقد وصل إلى الغلاف الجوي للأرض.

قذف البركان كميات هائلة من الغازات والجسيمات، بما فيها مركبات الكبريت، إلى طبقات مرتفعة من الغلاف الجوي.

وهناك بدأت قصة مختلفة تماما.


عندما أصبح بركان إندونيسي قضية تخص مناخ العالم

عندما تصل كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكبريت إلى طبقات مرتفعة من الغلاف الجوي، يمكن أن تتحول إلى جسيمات دقيقة تعرف باسم الهباء الجوي الكبريتي.

هذه الجسيمات تستطيع عكس جزء من الإشعاع الشمسي بعيدا عن سطح الأرض.

والنتيجة؟

انخفاض مؤقت في متوسط درجات الحرارة العالمية.

بعد انفجار كراكاتاو عام 1883، سجل العالم تغيرات مناخية ملحوظة، وحدث تبريد عالمي مؤقت وصل في ذروته إلى نحو نصف درجة مئوية تقريبا في السنوات التالية للانفجار.

كما ظهرت ظواهر بصرية غير عادية في مناطق مختلفة من العالم، حيث أصبحت ألوان الشروق والغروب أكثر احمرارا ووضوحا نتيجة انتشار الجسيمات البركانية في الغلاف الجوي.

لكن هناك نقطة علمية مهمة:

التبريد البركاني ليس علاجا للاحتباس الحراري.

فالتأثير البركاني مؤقت، وقد يستمر لعدة سنوات بحسب حجم الانفجار وكمية المواد التي تصل إلى طبقات الغلاف الجوي العليا.

أما الاحترار العالمي الحالي فهو نتيجة تراكم مستمر لغازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون الناتج عن النشاط البشري.

ولهذا فإن بركانا واحدا، مهما كان ضخما، لا يمكن أن يقدم حلا دائما لأزمة المناخ.


أناك كراكاتاو… ابن الكارثة

ظهر أناك كراكاتاو، أو «ابن كراكاتاو»، بعد عقود من انفجار البركان التاريخي.

ومنذ ظهوره، ظل البركان نشطا، وشهد مراحل متعددة من الثوران والنشاط.

لكن أحد أخطر الأحداث المرتبطة به وقع عام 2018.

في ذلك العام انهار جزء من جسم البركان في البحر، ما أدى إلى حدوث تسونامي مفاجئ ضرب السواحل المحيطة بمضيق سوندا.

قتل في الكارثة أكثر من 400 شخص، وأصيب الآلاف، وتعرضت مناطق ساحلية واسعة للدمار.

وكانت تلك الكارثة تذكيرا بأن الخطر في هذه المنطقة لا يرتبط فقط بالحمم أو الرماد.

فالبركان البحري أو الساحلي يمكن أن يتحول إلى مصدر لتسونامي إذا أدى النشاط البركاني إلى انهيار أرضي أو تحرك كتل ضخمة من الصخور داخل البحر.

ولهذا تراقب السلطات الإندونيسية اليوم ليس فقط أعمدة الرماد، بل أيضا استقرار جسم البركان وحركة الأرض والبحر من حوله.


هل هناك خطر تسونامي الآن؟

حتى الآن، لا تشير التقييمات الرسمية إلى وجود تهديد مباشر بتسونامي نتيجة النشاط الحالي.

لكن العلماء يتعاملون مع هذه المسألة بحذر شديد.

فالفرق بين الثوران البركاني العادي وبين كارثة بحرية يمكن أن يعتمد أحيانا على عوامل إضافية، مثل:

  • حدوث انهيار في أحد جوانب البركان.
  • سقوط كتلة ضخمة من الصخور في البحر.
  • تغير مفاجئ في بنية الجزيرة البركانية.
  • وقوع انفجار أو انهيار تحت سطح الماء.

وهذا هو السبب الذي يجعل مراقبة أناك كراكاتاو مختلفة عن مراقبة بركان يقع بعيدا عن البحر.

فالموقع الجغرافي للبركان يجعل كل تطور جيولوجي محتمل ذا أهمية خاصة.


هل يمكن أن يتكرر سيناريو 1883؟

هذا هو السؤال الأكثر إثارة.

لكن الإجابة العلمية حتى الآن واضحة:

لا توجد مؤشرات مؤكدة على أن النشاط الحالي سيتحول إلى انفجار بحجم كارثة كراكاتاو عام 1883.

النشاط البركاني لا يعني بالضرورة أن البركان يتجه نحو انفجار كارثي.

فالبراكين قد تمر بفترات طويلة من الانفجارات الصغيرة والمتوسطة، وقد تهدأ بعدها دون أن تصل إلى مرحلة الانفجار العملاق.

لكن في المقابل، لا يستطيع العلماء تجاهل التاريخ الجيولوجي للمنطقة.

فمضيق سوندا يقع ضمن واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطا زلزاليا وبركانيا، في نطاق ما يعرف بحلقة النار في المحيط الهادئ، حيث تتفاعل الصفائح التكتونية وتنتج الزلازل والبراكين بصورة مستمرة.

ولهذا فإن المراقبة الدقيقة للنشاط الزلزالي، وتشوه سطح الأرض، وانبعاث الغازات البركانية، تبقى العامل الحاسم في تحديد اتجاه تطور الأزمة.


ماذا لو حدث ثوران أكبر؟

من الناحية الاستشرافية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول: استمرار النشاط الحالي ثم التراجع

وهو السيناريو الأكثر شيوعا في كثير من الحالات البركانية.

تستمر الانفجارات لفترة، ويتصاعد الرماد، ثم ينخفض النشاط تدريجيا.

في هذه الحالة ستكون الخسائر الرئيسية مرتبطة بحركة الطيران، والاقتصاد المحلي، والصحة العامة، والنقل البحري.


السيناريو الثاني: ثوران أكبر وتأثير إقليمي

إذا ازداد حجم الانفجارات، فقد تتوسع سحب الرماد لتؤثر في مناطق أكبر من إندونيسيا.

وقد يؤدي ذلك إلى:

  • إغلاق مطارات إضافية.
  • تعطيل حركة الطيران في جنوب شرق آسيا.
  • اضطراب النقل البحري.
  • إجلاء سكان من مناطق قريبة.
  • خسائر اقتصادية في السياحة والتجارة.

هذا السيناريو لا يعني بالضرورة كارثة عالمية، لكنه قد يتحول إلى أزمة إقليمية كبيرة.


السيناريو الثالث: انهيار بركاني أو انفجار شديد

وهو السيناريو الأكثر خطورة، لكنه ليس السيناريو المتوقع حاليا.

إذا أدى النشاط البركاني إلى انهيار جزء كبير من الجزيرة أو سقوط كتلة ضخمة في البحر، فقد يعود خطر التسونامي.

أما إذا وصل انفجار هائل إلى طبقات مرتفعة جدا من الغلاف الجوي وأطلق كميات ضخمة من مركبات الكبريت، فقد تظهر آثار مناخية تتجاوز حدود المنطقة.

لكن حتى في هذه الحالة، فإن أي تبريد عالمي سيكون مؤقتا وغير متوقع النتائج.

وقد يؤدي إلى اضطرابات في أنماط الأمطار والزراعة والغذاء.


مفارقة المناخ: هل يمكن للبركان أن يبرد الأرض؟

نظريا، نعم.

التاريخ العلمي يثبت أن الثورانات البركانية الكبرى يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مؤقت في درجات الحرارة العالمية.

لكن المفارقة هي أن ما يبدو «تبريدا مفيدا» في المتوسط العالمي قد يتحول في بعض المناطق إلى مشكلة كبيرة.

فتغير توزيع الحرارة والطاقة في الغلاف الجوي يمكن أن يؤثر في:

  • مواسم الأمطار.
  • الرياح الموسمية.
  • الإنتاج الزراعي.
  • الأمن الغذائي.
  • أنماط الجفاف والفيضانات.

ولهذا فإن العلماء لا ينظرون إلى البراكين باعتبارها «مكيفا طبيعيا للأرض».

بل باعتبارها مختبرا طبيعيا هائلا يكشف مدى حساسية مناخ الكوكب للتغيرات التي تحدث في الغلاف الجوي.


العالم يراقب… لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة

ما يحدث اليوم في أناك كراكاتاو يعيد اسم كراكاتاو إلى ذاكرة العالم.

ذاكرة انفجار سمع صداه عبر مسافات هائلة، وتسبب في تسونامي مدمر، وأرسل مواد إلى الغلاف الجوي أثرت في مناخ الأرض.

لكن التاريخ، رغم أهميته، لا يكفي وحده للتنبؤ بالمستقبل.

فأناك كراكاتاو ليس نسخة مطابقة من البركان الذي انفجر عام 1883، وكل ثوران بركاني تحكمه ظروف جيولوجية مختلفة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل سيتكرر انفجار كراكاتاو؟

بل:

إلى أين يتجه النشاط الحالي؟

والإجابة ستعتمد على البيانات التي تجمعها أجهزة الرصد خلال الساعات والأيام المقبلة.

بينما يراقب العالم أعمدة الرماد المتصاعدة فوق مضيق سوندا، تبقى الحقيقة العلمية الأهم أن الإنسان يستطيع اليوم مراقبة البراكين بدرجة لم تكن ممكنة قبل قرن ونصف.

لكن الطبيعة ما زالت تحتفظ بقدرتها على المفاجأة.

وربما يكون هذا هو الدرس الأعمق الذي يقدمه أناك كراكاتاو للعالم:

نحن نفهم الأرض أكثر من أي وقت مضى… لكننا ما زلنا نعيش فوق كوكب حي، تتحرك أعماقه باستمرار، ويمكن لحدث جيولوجي واحد أن يعطل مطارات، ويغير حياة ملايين البشر، ويذكر العالم بأن ما يحدث تحت أقدامنا قد تكون له آثار تصل إلى السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top