قراءة نقدية في الرؤية والرمز واللغة والإيقاع وتحولات التجربة
لا تبدو تجربة الشاعر العراقي خالد اليساري قابلة للاختزال في عنوان واحد من قبيل “الشعر الوطني” أو “الشعر الإسلامي” أو “شعر الحصار”، فهذه العناوين، على الرغم من أنها تضيء جوانب حقيقية من تجربته، تظل أقل اتساعا من التجربة نفسها.
لقد ظهر اليساري في بيئة عراقية كان الشعر فيها يعيش تحت ضغط التاريخ، الحرب والحصار والاحتلال والاضطراب السياسي؛ وهي لم تكن أحداثا تقع خارج القصيدة، وإنما كانت تدخل إليها وتعيد تشكيل علاقة الشاعر بالوطن والإنسان والدين والذاكرة.
وتكشف دراسة منشورة عن شعر الشباب المسلمين في الموصل خلال سنوات الحصار أن خالد ياسين اليساري كان واحدا من ثلاثة شعراء اختيرت نصوصهم لقراءة أثر تلك المرحلة في التجربة الشعرية؛ وتورد الدراسة نصا من قصيدته “صمت البراكين”، وفيه تتجاور صور الصبر والقلق واللجوء إلى الله والتراب.
لكن أهمية اليساري لا تتوقف عند هذه المرحلة، فحضوره الثقافي استمر، وظهر اسمه لاحقا في مسابقات شعرية عربية، وفي فعاليات المشهد الشعري العراقي، ثم في مهرجان الشارقة للشعر العربي في يناير 2026، حيث قدم إحدى أمسياته.
هذا الامتداد الزمني يسمح بطرح سؤال مهم؛ كيف تحولت تجربة خالد اليساري، وماذا بقي ثابتا فيها من جيل الحصار إلى الشاعر الذي يقف اليوم أمام جمهور عربي واسع؟.
الجرح أصل التجربة
من الصعب قراءة شعر اليساري المبكر بعيدا عن العراق الذي عاشه، لكن الأهم أن الشاعر لا يتعامل مع المأساة باعتبارها تقريرا سياسيا، ففي قصيدة “صمت البراكين” تظهر المأساة في صورة نفسية وروحية؛ إذ يربط الشاعر الصبر بالنخيل، ويصف القلق، ثم يرسل الروح صوب الله شاكية.
هذه الحركة تكشف مبكرا عن بنية ستظل حاضرة في تجربته؛ قائمة على الألم، التأمل، الشكوى، الاستناد إلى الروح، من هنا فإن الحصار لا يظهر باعتباره موضوعا سياسيا فقط، وإنما باعتباره اختبارا للإنسان؛ وهذا يفسر كثرة حضور مفردات مثل: (الصبر، القلق، الروح، الله، التراب، الوطن، النخيل).
فهي تنتمي إلى حقول مختلفة ظاهريا، لكنها تتجاور داخل القصيدة لتصنع عالما واحدا.
“صمت البراكين” مفارقة العنوان
العنوان نفسه يكشف جانبا مهما من شعرية اليساري، “صمت البراكين”، فالبركان بطبيعته نقيض الصمت، إنه الحركة والانفجار والحرارة والقوة الكامنة.
أما الصمت فهو السكون والكبت والانتظار، وعندما يجمع الشاعر بينهما، فإنه يصنع صورة للغضب الذي لم يتحول إلى انفجار.
وهذه ليست مجرد مفارقة لفظية، إنها يمكن أن تكون مفتاحا لقراءة المرحلة كلها؛ العراق يغلي، لكنه صامت، والشاعر يغلي، لكنه لا يستطيع تغيير الواقع.. هنا تصبح القصيدة شكلا من أشكال تحويل الطاقة المكبوتة إلى لغة.
من “صمت البراكين” إلى “مجاهل الغوث”
إذا كانت “صمت البراكين” تمثل الجانب الداخلي من الجرح، فإن “مجاهل الغوث” تنقله إلى المجال الوطني والرمزي.
هنا يحدث تحول مهم؛ في “صمت البراكين” يكون مركز التجربة هو الإنسان القلق الذي يتجه إلى الله، أما في “مجاهل الغوث”، فإن مركز التجربة ينتقل إلى المكان العراقي نفسه، الفرات يصبح بطلا شعريا.
هذا الانتقال مهم لأنه يعني أن الشاعر لم يعد يكتفي بالتعبير عن نفسه؛ بل صار يبحث عن الأشياء التي يمكن أن تحمل ذاكرته.
الفرات.. من الجغرافيا إلى الذاكرة
في “مجاهل الغوث” يخاطب اليساري الفرات، فيمنحه صفات إنسانية ويجعله طرفا في المأساة، وهو ما تناولته دراسة نقدية منشورة هذا الجانب تحديدا، ولاحظت استخدام الشاعر للتشخيص والحوار مع الفرات.
تتجلى هنا إحدى أكثر خصائص التجربة وضوحا، الطبيعة لا تصف الوطن؛ الطبيعة تتكلم باسمه.
فالفرات ليس نهرا فقط؛ إنه:
* ذاكرة،
* وشاهد،
* وهوية،
* وضحية،
* ومخاطب.
وحين يقول الشاعر “فأنت النخل في بلدي” هو هنا لا يصف النهر، بل يعيد تركيب صورة العراق من عنصرين متداخلين؛ الماء والنخيل.
هما معا يصبحان استعارة للحياة العراقية.
“شاخ الطريق” الزمن يدخل القصيدة
من الصور اللافتة في “مجاهل الغوث” قول الشاعر؛ “شاخ الطريق” هذه العبارة الصغيرة تحمل ثقلا كبيرا، فالطريق لا يشيخ، لكن الشاعر يجعل الزمن الذي مر على العراق ظاهرا في المكان نفسه، الطريق الذي يفترض أن يقود إلى الوصول يصبح عجوزا.
وهكذا تتحول المسافة إلى زمن، ويتحول الانتظار إلى شيخوخة.
إنها صورة تختصر تجربة مجتمع كامل عاش انتظار الخلاص سنوات طويلة، وهنا تكون الصورة الشعرية أقوى من العبارة السياسية المباشرة.
فبدل أن يقول الشاعر: طال الانتظار.. يقول: شاخ الطريق، وهذه هي اللحظة التي ينتصر فيها الشعر على الخطاب.
الوطن والخيانة
تكشف قصيدة “مجاهل الغوث” عن جانب آخر من الرؤية، حين يتحدث الشاعر عن “إخوتي” الذين نذلوا، وهنا لا يأتي الخطر من الخارج وحده إنه يأتي من الداخل.
وهذا يفسر وجود قصيدة “خيانة الوطن” ضمن المادة الشعرية الموثقة لخالد اليساري؛ فقد أحالت دراسة أكاديمية إلى نشرها في صحيفة “ومضات جامعية” التابعة لجامعة الموصل، العدد 13، في 30 يوليو 2004، وهذا يفتح ثنائية أساسية في شعره: الوطن / الخيانة.
لكن الخيانة عنده ليست مجرد موقف سياسي، إنها فعل أخلاقي، وهنا يلتقي الوطني بالديني، فالوطن يصبح أمانة، والخيانة تصبح سقوطا أخلاقيا.
الدين ليس زينة بل طريقة في فهم الألم
من الخطأ أن نتعامل مع حضور الدين في شعر اليساري بوصفه مجموعة مفردات أو إشارات تراثية، فالعودة إلى الله في “صمت البراكين” تأتي في لحظة الألم نفسها؛ فالروح تتجه إليه وهي مثقلة بالشكوى؛ وهذا يكشف عن وظيفة أعمق للدين، إنه يمنح الألم إطارا لتفسيره.
فالشاعر لا يواجه المأساة باعتبارها عبثا كاملا، وإنما يبحث عن معنى يتجاوزها، فتتشكل ثالوث من مثلثات متداخلة؛ الوطن، الأخلاق، الدين.
المأساة، الصبر، الرجاء، وهذا من أكثر العناصر التي تمنح تجربته تماسكها الداخلي.
وليد الأعظمي: شاعر يكشف الشاعر
تكتسب كتابة اليساري عن وليد الأعظمي قيمة خاصة لأنها تكشف، بصورة غير مباشرة، عن تصوره هو للشاعر؛ في مقاله عن الأعظمي يصفه بأنه عاش حقبا قاسية أثقلت عليه وعلى العراق، ويرى أن دواوينه تحولت إلى مواجهة مع الطغاة الذين تعاقبوا على الوطن؛ وهذه النظرة مهمة.
فاليساري يرى الشاعر في صورة، شاهد على العصر، وحارس للذاكرة، وصاحب موقف أخلاقي، وبالتالي يمكن قراءة شعره الشخصي في ضوء هذه الرؤية، فالشعر عنده ليس انفصالا عن الواقع، بل هو تدخل فيه.
وليس الشاعر مجرد صانع صور جميلة، وإنما شاهد يحمل مسؤولية تجاه مجتمعه، وهذا يفسر استمرار حضور الوطن والموقف والضمير في تجربته.
اليساري وكريم العراقي
تكشف مداخلة خالد اليساري عن كريم العراقي عن زاوية أخرى شديدة الأهمية، فهو يعترف بأن قصائد كريم العراقي الفصيحة أثارت جدلا بسبب الكسور العروضية واللحن اللغوي، لكنه في الوقت نفسه يرى أنها امتلكت إيقاعا شعريا وغنائيا مؤثرا، ويشير إلى اتساع موضوعاته بين الحرب والحصار والرياضة والغزل والعتاب.
هذه الشهادة تكشف أن اليساري لا يتعامل مع الشعر من منظور معياري جامد، هو يميز بين سلامة القاعدة والحضور الشعري، وهذه نقطة مهمة في فهمه؛ فالقصيدة بالنسبة إليه ليست مجرد امتحان في العروض والنحو.
هناك أيضا؛ الإيقاع، والتأثير، وصدق التجربة، وقدرة النص على الوصول، وهذا ربما يساعد على فهم انتقاله هو أيضا من القصيدة الوطنية المباشرة إلى فضاء شعري أكثر اتساعا.
بين التقليد والحداثة
لا يبدو اليساري شاعر قطيعة؛ إنه لا يبدأ من الرغبة في هدم القصيدة العربية القديمة، على العكس، يظل الوزن والقافية واللغة الفصيحة جزءا من هويته الشعرية، لكن ذلك لا يعني أنه تقليدي بالمعنى الجامد.
الحداثة عنده تدخل من باب آخر؛ حداثة الموضوع والصورة والتجربة.
فالعراق الحديث، والحصار، والحرب، والاحتلال، والقلق الإنساني تدخل إلى القصيدة التقليدية.
تجربته يمكن أن تقرأ من هنا؛ باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال؛ هل تستطيع القصيدة العربية الموزونة أن تحمل المأساة الحديثة؟ والإجابة في تجربة اليساري واضحة؛ نعم، بشرط أن تتجدد الصورة حتى لو بقي الإيقاع في جذوره التراثية.
قوة الموقف ومشكلة المباشرة
هنا ينبغي أن يبدأ النقد الحقيقي؛ فالشعر الذي يحمل قضية واضحة معرض دائما لخطر أن يتحول إلى خطاب؛ واليساري ليس بعيدا عن هذه المشكلة.
حين تنجح الصورة، كما في “شاخ الطريق” أو حين تتحول الطبيعة إلى شخصية، يكون النص أكثر كثافة وأبعد عن التقرير.
لكن حين يتقدم الحكم الأخلاقي أو السياسي على الصورة، يقترب النص من الخطابة؛ وهذا لا يعني أن الخطابة عيب مطلق، فالقصيدة الاحتجاجية تحتاج أحيانا إلى الوضوح.
لكن السؤال الجمالي يبقى؛ هل يستطيع النص أن يجعل القارئ يشعر بالفكرة قبل أن يسمعها؟ هذه واحدة من أهم نقاط الاختبار في تجربة اليساري.
القضية ليست وحدها معيار الشعر
هناك خطأ شائع في قراءة الشعر ذي المرجعية الوطنية أو الدينية، وهو الخلط بين عظمة القضية وعظمة القصيدة؛ قد تكون القضية عظيمة، لكن المعالجة الشعرية عادية؛ قد يكون الموضوع بسيطا، لكن الشاعر يحوله إلى تجربة شعرية استثنائية.
لذلك لا ينبغي تقييم شعر خالد اليساري لأنه كتب عن العراق، أو لأنه كتب عن الدين، أو لأنه وقف ضد الحصار، هذه كلها عناصر في الرؤية، أما القيمة الشعرية فتظهر في؛ الصورة، واللغة، والإيقاع، والبناء، والتكثيف، والمفارقة، والتخييل… وهنا تكون القراءة أكثر إنصافا للشاعر نفسه.
من “أنا” إلى “نحن”
من السمات اللافتة في التجربة أن الذات الفردية لا تبقى فردية، إن “أنا” الشاعر تتحول باستمرار إلى “نحن”، فهو لا يتحدث عن حزنه وحده، وإنما عن الوطن، والناس، والنساء، والإخوة، والعراق.
وهذا يفسر أن شعره يبدو في كثير من المواضع أقرب إلى الشهادة الجماعية منه إلى الاعتراف الفردي، وهنا يكمن أحد الفروق بينه وبين شعر الغنائية الذاتية الحديثة.
فهو لا يقول هذا ما حدث لي، بقدر ما يقول هذا ما حدث لنا.
الموصل خلفية صامتة
رغم أن بعض نصوصه تتجه إلى العراق كله، فإن الخلفية الموصلية تظل مهمة في تكوين التجربة؛ فاليساري جزء من الحياة الثقافية في مدينة الموصل العراقية العريقة، وارتبط اسمه بنشاطاتها الأدبية، وظهر في سياقات شعرية ومؤسسات ثقافية فيها.
يشهد لذلك؛ توثيق جامعة الموصل لدوره في النشاط الثقافي والتربوي في محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل في السنوات الأخيرة، ومن هنا يمكن قراءة شعره في ضوء ذاكرة مدينة عرفت هي الأخرى الحصار والحروب والتحولات العنيفة؛ الموصل ليست مجرد مكان ولادة، إنها ذاكرة ثقافية.
من الحصار إلى المشهد العربي
تقدم السنوات الأخيرة علامة مهمة على اتساع حضور اليساري خارج سياقه المحلي، ففي يناير 2026 قدم الأمسية الأولى في مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته الثانية والعشرين، وهو مهرجان جمع شعراء من عدة أقطار عربية.
حقيقة؛ هذا التحول يستحق دراسة مستقلة، فالشاعر الذي خرج من تجربة عراقية شديدة الخصوصية أصبح حاضرا في منصة عربية واسعة.
هنا يتغير السؤال لم يعد كيف يكتب الشاعر عن العراق؟ لكن ما الذي يجعل التجربة العراقية قابلة لأن تتحول إلى تجربة إنسانية يتلقاها القارئ العربي؟.
والجواب يكمن في العناصر التي تتجاوز الجغرافيا؛ الحزن، الفقد، الوطن، الخيانة، الرجاء، الإيمان، الذاكرة.
الثابت والمتحول
يمكن رسم ثنائية في شعر اليساري:
الثابت
* الوطن.
* الذاكرة العراقية.
* المرجعية الأخلاقية.
* الحضور الروحي.
* القصيدة العربية الموزونة.
* الاهتمام بقضايا الإنسان العراقي.
المتحول
* اتساع الموضوعات.
* اتساع الحضور العربي.
* الانتقال من القصيدة المرتبطة مباشرة بالحصار إلى حضور شعري أوسع.
* الانتقال من موقع الشاعر الشاب المتأثر بمرحلة الحصار إلى موقع الشاعر والمؤسسة والمهرجان.
لكن ينبغي الحذر هنا، الحضور في المهرجانات لا يثبت وحده تطورا فنيا، إثبات التطور يحتاج إلى مقارنة نصوص كاملة من مراحل زمنية مختلفة، وهو ما ينبغي أن يكون المرحلة التالية من البحث.
اليساري وشعرية الذاكرة
إذا أردنا اختصار التجربة في مفهوم واحد، فإن “الذاكرة” تبدو أقرب المفاهيم إلى جمع عناصرها، فالذاكرة عنده ليست مجرد استعادة للماضي، إنها وسيلة لمقاومة النسيان.
لهذا تصبح:
النخلة ذاكرة.
الفرات ذاكرة.
الطريق ذاكرة.
الحصار ذاكرة.
الشاعر نفسه ذاكرة.
من هنا يمكن النظر إلى شعره بوصفه محاولة لإبقاء التجربة العراقية حية في اللغة.
كلمة حق
لا تأتي أهمية تجربة خالد اليساري من كونها تكرر موضوعات الوطن والدين والحرب؛ فهذه موضوعات واسعة في الشعر العراقي والعربي؛ أهميتها تكمن في الطريقة التي تتداخل بها هذه العناصر.
فالوطن عنده ليس جغرافيا.
والدين ليس زخرفة.
والحرب ليست خبرا.
والذاكرة ليست ماضيا.
كل هذه العناصر تتحول إلى أجزاء من تجربة واحدة؛ تجربة الإنسان الذي يحاول أن يحافظ على معنى الانتماء في زمن تتعرض فيه الأشياء كلها للتصدع.
لهذا يمكن النظر إلى المسار الشعري لليساري باعتباره انتقالا من الحدث إلى الجرح، إلى الذاكرة، إلى الرمز، إلى السؤال الإنساني.
وفي أجمل لحظاته، لا يقول الشاعر للقارئ إن العراق جريح، وإنما يجعل الطريق يشيخ، والنهر يتكلم، والنخيل يصير هوية، والضمير يحترق.
هنا بالذات تتحول القضية من خطاب إلى شعر؛ أما التحدي الأكبر أمام التجربة فيبقى هو نفسه، أن تظل القضية حاضرة من دون أن تبتلع القصيدة، وأن يظل الموقف الأخلاقي قويا من دون أن يتحول إلى خطاب مباشر، وأن يتحول التراث الشعري إلى أداة للإبداع لا إلى قيد على الخيال.
من هذه الزاوية يمكن وضع خالد اليساري داخل المشهد الشعري العراقي لا بوصفه مجرد شاعر كتب عن العراق، بل بوصفه شاعرا حاول أن يجعل العراق نفسه مادة شعرية؛ ذاكرة وجغرافيا وجرحا وروحا.

