الشاعرة ماريا الرفاعي تقرأ الشعر على المنصة وسط تصفيق الجمهور

مارية الرفاعي: حين تستعيد القصيدة العربية القديمة صوتها في الحاضر

قراءة في ملامح التجربة الشعرية

في المشهد الشعري العربي المعاصر، تبدو تجربة الشاعرة الأردنية مارية الرفاعي لافتة منذ الوهلة الأولى؛ ليس لأنها تكتب القصيدة العمودية فحسب، فكتابة الشعر الموزون المقفى لم تنقطع في العصر الحديث، وإنما لأن علاقتها بالقصيدة القديمة تبدو أعمق من المحافظة على الوزن والقافية.

فاللغة عندها ليست مجرد وعاء للمعنى، والإيقاع ليس إطارا خارجيا، والتراث ليس مجموعة من المفردات التي تستعمل لإضفاء الفخامة على النص. 

إنها تكتب وكأنها تدخل إلى القصيدة العربية القديمة من الداخل، ثم تحاول أن تجعلها تتحدث عن الحب والمرأة والشام والذاكرة والدين والحنين بلغة الحاضر.

هنا تأتي أهمية قراءة تجربتها بعيدا عن التصنيف السريع؛ هل هي شاعرة تراثية؟ أم شاعرة معاصرة تستعمل أدوات تراثية؟ أم أنها تحاول بناء منطقة ثالثة بين الاثنين؟.

أولا- القصيدة القديمة بوصفها عالما لا قالبا

أهم ما يلفت في شعر مارية الرفاعي أن التراث عندها لا يبدو قشرة لغوية.

نصوصها الغزلية والحماسية والوطنية والمدائح، تظهر ملامح القصيدة العربية القديمة في بنائها وصورها ومعجمها وطريقة مخاطبة المحبوب والمكان.

ويظهر ذلك بوضوح في قصيدتها “من لي بمعشر سعد”، التي تنتمي إلى تقاليد الغزل العربي القديم، وتقوم على صوت امرأة تعلن تعلقها بالمحبوب وتواجه عتاب العاذلات.

وهنا تكمن المفارقة الأولى في تجربتها؛ الرفاعي تستخدم بنية شعرية ذات جذور عميقة في التراث العربي، لكنها تجعل المرأة نفسها صاحبة الصوت الشعري، لا مجرد موضوع لوصف شاعر آخر.

وهذا يخرج التجربة من مجرد المحاكاة إلى إعادة توزيع الأدوار داخل القصيدة القديمة.

ثانيا- صوت المرأة داخل القصيدة التراثية

ربما يكون هذا الجانب من أكثر جوانب تجربتها إثارة.

فالمرأة في الشعر العربي القديم كانت في الغالب موضوعا للقصيدة؛ يصفها الشاعر، ويتغزل بها، ويستحضر جمالها، ويجعلها مركزا لرغبته وحنينه.

أما في شعر الرفاعي، فإن المرأة تنتقل من موقع “الموصوفة” إلى موقع “المتكلمة”.

إنها تحب، وتشتاق، وتجادل، وتدافع عن حبها، وتصف، وتختار.

واللافت أنها لا تحتاج إلى لغة نسوية مباشرة لكي تثبت حضورها؛ بل تحقق ذلك من خلال امتلاك صوت القصيدة نفسها.

وهنا تكمن حداثة خفية داخل الشكل القديم؛ اللغة تراثية، والوزن قديم، والصور تنتمي إلى ذاكرة الشعر العربي، لكن الذات التي تستخدم كل ذلك ذات امرأة معاصرة.

ثالثا- اللغة بوصفها موقفا شعريا

من الصعب قراءة شعر مارية الرفاعي دون التوقف طويلا عند اللغة،

فهي لا تميل إلى المفردة اليومية السهلة، ولا تتعمد تبسيط العبارة لكي تكون القصيدة سريعة الاستهلاك.

في نصوصها تظهر مفردات من طبقات مختلفة من العربية التراثية، كما تتكرر التراكيب ذات النبرة الجزلة، ويظهر حرص واضح على سلامة البناء النحوي والإيقاعي؛ وهذا الاختيار ليس معزولا عن تصورها للشعر.

إنها تبدو كأنها تؤمن بأن القصيدة ليست مجرد فكرة جميلة تقال بلغة عادية، وإنما صناعة لغوية لها هيبتها وموسيقاها.

وهذا يفسر لماذا تبدو بعض أبياتها وكأنها تستدعي في ذهن القارئ أجواء الشعر الجاهلي أو العباسي، حتى عندما تتحدث عن موضوع معاصر؛ لكن هنا تبدأ المنطقة النقدية الأهم.

فالقوة اللغوية يمكن أن تكون مصدر جمال، لكنها يمكن أيضا أن تتحول إلى عبء إذا أصبحت الكلمة القديمة أكثر حضورا من التجربة التي جاءت لتعبر عنها.

والرفاعي، في بعض المواضع، تقترب من هذه المنطقة؛ إذ قد يحتاج القارئ إلى تجاوز الحاجز المعجمي حتى يصل إلى العاطفة والصورة،

وهذا ليس عيبا بالضرورة، لكنه تحد دائم أمام شاعر يختار لغة عالية الكثافة.

رابعا- “موسم الشام” وتحول المكان إلى محبوب

تكشف قصيدة “موسم الشام” جانبا آخر من تجربة الرفاعي.

تبدأ القصيدة:

أيثبت قلب فوقه الحب كلما

قضينا بفصل عاد حسنك معجما

وهذا المطلع مهم؛ لأن الشام لا تدخل القصيدة منذ اللحظة الأولى بوصفها جغرافيا.. إنها تدخل من بوابة الحب، هنا تتحول المدينة من مكان إلى كائن محبوب، ومن جغرافيا إلى ذاكرة وجدانية.

الشام ليست فقط دمشق وحوران وحلب وغيرها من الأسماء، وإنما شيء يسكن الذاكرة ويستدعي الحب والحنين والتاريخ.

لذا؛ يمكن قراءة “موسم الشام” بوصفها قصيدة عن المكان الذي يتحول إلى عاطفة.

وهذا الأسلوب يعيدنا مرة أخرى إلى تقاليد القصيدة العربية القديمة؛ فالمكان في القصيدة الجاهلية لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل كان جزءا من ذاكرة الشاعر ووجدانه.. لكن الرفاعي تستخدم هذه التقنية في سياق معاصر.

خامسا- الشام بين الذاكرة والمجد

إذا قارنا “موسم الشام” بالنصوص الأخرى التي كتبتها عن الشام، يتضح أن المكان يحتل مساحة أوسع في مشروعها الشعري، في القصائد الشامية يظهر التاريخ، والمجد، والحنين، والألم، والجغرافيا، والإنسان.

وهذا واضح أيضا في النص المعنون “عوفي المجد يا شام”، حيث تتحول الشام إلى مساحة لاستدعاء الذاكرة الحضارية والتاريخية.

وهنا لا تعود المدينة مجرد موضوع وإنما تصبح شخصية لها صفاتها وذاكرتها.

وفي هذا الجانب تحديدا تبدو الرفاعي قريبة من تقليد عربي عريق جعل المدن والأوطان موضوعا للحب والفخر والرثاء؛ لكنها تضيف إليه إحساسا معاصرا بالمكان الذي يحمل آثار الماضي والحاضر معا.

سادسا- تعدد الأغراض الشعرية

من الخطأ أن نحصر تجربة الرفاعي في الغزل أو الشعر التراثي،

قصائدها تكشف تنوعا واضحا في موضوعاتها؛ الغزل، والوجدانيات، والوطنيات، والمديح النبوي، والحماسة، والحكمة والتأمل.

وهذا التنوع انعكس أيضا في حضورها في الأمسيات الشعرية؛ فقد شاركت في مهرجان مؤاب الشعري الخامس في الكرك عام 2023، ضمن قراءات تنوعت بين الغزل والوطنيات والوجدانيات؛ هذا التنوع مهم لأنه يكشف أن العمود الشعري عندها ليس قالبا مخصصا لموضوع واحد، هي تتعامل معه باعتباره لغة شعرية واسعة يمكنها أن تستوعب الحب والوطن والدين والحنين والتاريخ.

سابعا- وعي الشاعرة بتاريخ الشعر

هناك ملمح آخر لا يقل أهمية؛ الرفاعي تبدو واعية جدا لموقعها داخل تاريخ الشعر العربي، ففي بعض نصوصها تتعامل مع الشعراء السابقين بوصفهم حاضرين في الخلفية، وتظهر لديها روح من المساجلة والمنافسة والاعتداد بالقدرة الشعرية؛ وهذه سمة تكشف أن الشاعرة لا ترى نفسها خارج تاريخ الشعر، وإنما داخله.

إنها تعرف أنها تكتب بعد امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام والبحتري وغيرهم، لذلك فإن استعمالها للغة القديمة لا يبدو بريئا أو عفويا بالكامل؛ إنه في جانب منه حوار مع الذاكرة الشعرية العربية، وهنا يمكن فهم ثقتها الواضحة بأدواتها؛ إنها لا تعتذر عن القصيدة العمودية، ولا تحاول إثبات أنها حديثة من خلال التخلص من التراث بل يبدو أنها تقول العكس؛ يمكن للشاعر أن يكون معاصرا وهو يحمل معه كل هذا الإرث.

ثامنا- أين تكمن فرادة التجربة؟

يمكن تلخيص خصوصية مارية الرفاعي في أربع مفارقات؛ هي معاصرة في موضوعاتها، تراثية في لغتها، أنثوية في صوتها، كلاسيكية في شكلها.

تكتب عن المكان المعاصر، لكنها تستدعي ذاكرته القديمة، وتستخدم أدوات الشعر القديم، لكنها تحاول أن تجعل ذاتا معاصرة تتكلم بها.

هذه المفارقات هي التي تجعل وضعها في خانة واحدة أمرا صعبا؛

فهي ليست شاعرة حداثية بالمعنى المتداول، لكنها أيضا ليست مجرد شاعرة تقلد القدماء؛ إنها تتحرك في منطقة وسطى، استعادة التراث من أجل إنتاج الحاضر.

تاسعا- ما الذي يمكن أن يؤخذ على التجربة؟

النقد الحقيقي لا يكتفي بالاحتفاء، وأبرز ما يمكن ملاحظته في تجربة الرفاعي هو أن إعجابها الواضح باللغة العربية القديمة قد يتحول أحيانا إلى هيمنة على التجربة.

حين تكون المفردة التراثية ضرورية للصورة، تكون جميلة وفاعلة؛

لكن حين يصبح حضورها هو الغاية، يخاطر النص بأن يتحول إلى استعراض لغوي، وهناك خطر آخر يتمثل في قوة حضور الأسلاف.

الشاعر الذي يقترب كثيرا من لغة المتنبي وأبي تمام والبحتري وغيرهم يحتاج إلى جهد أكبر لكي يجعل القارئ يقول بعد انتهاء القصيدة؛ هذه قصيدة مارية الرفاعي، ولا يمكن أن تكون لشاعر آخر.

هذا هو الامتحان الحقيقي لأي شاعر شديد الصلة بالتراث، ليس السؤال، هل يستطيع أن يقلد القدماء؟ بل هل يستطيع أن يجعل ما أخذه منهم يتحول إلى صوت شخصي لا يلتبس بصوتهم؟.

عاشرا- بين المهارة الشعرية وصناعة التجربة

تبدو مارية الرفاعي، من خلال النصوص المتاحة، شاعرة تمتلك أدوات واضحة؛ اللغة، الوزن، القافية، المعجم، الصورة، والقدرة على التعامل مع أكثر من غرض شعري.

لكن امتلاك الأدوات شيء، وصناعة التجربة الشعرية الكبرى شيء آخر، والفارق بينهما لا يظهر في قصيدة أو قصيدتين، بل في تراكم الأعمال، لهذا فإن القيمة المستقبلية لتجربتها ستتحدد بقدرتها على تحقيق التوازن بين أمرين اثنين؛ الأول، أن تبقى وفية للقصيدة العربية التي اختارتها، والثاني، أن تجعل هذه القصيدة تحمل بصمتها هي.

إذا نجحت في ذلك، لن تكون مجرد شاعرة تجيد كتابة القصيدة العمودية، وإنما شاعرة استطاعت أن تضيف إلى القصيدة العمودية الحديثة صوتا خاصا.

كلمة أخيرة

مارية الرفاعي تبدو مختلفة عن كثير من الشعراء المعاصرين لأن مشروعها لا يقوم على البحث عن الاختلاف من خلال مغادرة التراث، وإنما من خلال العودة إليه ومحاولة جعله قادرا على التعبير عن الحاضر..

إنها لا تتعامل مع العربية القديمة بوصفها ماضيا منتهيا، بل بوصفها لغة ما زالت قادرة على الحب والحنين والوطن والمدينة والدين؛ وهنا تكمن جرأتها الحقيقية.

ففي زمن أصبح فيه الابتعاد عن الموروث أحد أشكال إثبات الحداثة، اختارت أن تفعل العكس؛ أن تعود إلى القصيدة القديمة، وأن تختبر قدرتها على الحياة من جديد.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق تجربتها في السنوات القادمة ليس هل تجيد مارية الرفاعي كتابة الشعر العمودي؟ فالنصوص المتاحة تقدم إجابة واضحة عن ذلك.

السؤال الأصعب هو؛ هل ستنجح في أن تجعل هذا الشعر، بكل ما يحمله من ظلال المتنبي والبحتري وأبي تمام وامرئ القيس، يحمل في النهاية ظل مارية الرفاعي نفسها؟. إذا استطاعت ذلك، فإن عودتها إلى التراث لن تكون عودة إلى الماضي، بل ستكون طريقة خاصة لصناعة المستقبل

اقرا لي كذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top