بينما كانت المعارك الميدانية في الشرق الأوسط تزداد اشتعالا في آب/أغسطس 2026، كانت هناك معركة أخرى أشد خطورة تدار في الخفاء داخل السحاب الرقمي؛ معركة لم تكن موجهة للبشر بشكل مباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل استهدفت الخوارزميات التي تشكل عقول نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل (ChatGPT)، (Gemini)، (Claude)، و(Perplexity).
حيث كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “Responsible Statecraft” واستكملته تحقيقات صحفية أعمق في “The Guardian” و”Politico”، عن زرع الكيان الغاصب مركز أبحاث وهمي بالكامل تحت اسم “معهد هانوفر للسياسة العامة” (Hanover Institute for Public Policy). لم يكن الهدف مجرد التأثير في الرأي العام، بل إعادة هندسة الإجابات التي تولدها الروبوتات الذكية عندما يسألها المستخدمون حول قضايا الحرب والسلام والتاريخ في فلسطين.
ولادة المعهد الوهمي من أروقة العلاقات العامة
على السطح، بدا “معهد هانوفر” كأي مؤسسة فكرية وأكاديمية رصينة في واشنطن. موقع إلكتروني بتصميم هادئ يطغى عليه اللون الأزرق والأبيض، وأوراق تحليلية مدمجة بهوامش وسلسلة من “الباحثين” ذوي السير الذاتية المرموقة؛ غير أن التدقيق الجنائي المفتوح في سجلات النطاقات والوثائق القانونية أظهر صورة مختلفة تماما؛ إذ لا وجود قانوني أو فيزيائي لهذا المعهد في أي مكان.
تكشفت خيوط القضية عبر الإفصاحات الرسمية لوزارة العدل الأمريكية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، إذ تبين أن المعهد بأكمله صمم وأدير من قبل شركة علاقات عامة واستراتيجيات إعلامية تتخذ من نيويورك مقرا لها تدعى Piro, Inc.، بالتعاون مع شبكة تسويق إقليمية لصالح وكالة الإعلانات الحكومية الصهيونية (LaPam).
تقاضت الشركة أموالا بلغت نحو مليون دولار أمريكي ضمن مسار تمويلي يهدف للوصول إلى تقنية أطلقت عليها الشركة نفسها اسم “تحسين القصص عبر الذكاء الاصطناعي” (AI Story Optimization). أما الباحثون الذين كتبت أسماؤهم على التقارير، فما هم إلا وجوه وهويات رقمية أنشت بالكامل عبر خوارزميات التوليد الرقمي، في حين كشف تحليل أجرته أدوات فحص النصوص الاصطناعية (مثل GPTZero) أن الغالبية العظمى من هذه التقارير المئة والأربع وعشرين جرى إعدادها وتوليدها بإنتاج آلي غزير؛ حيث نشر أكثر من 350 ألف كلمة في يومين فقط خلال منتصف آب/أغسطس.
الهندسة العكسية للخوارزميات: من البحث السطحي إلى الاستهداف التوليدي
لعقود طويلة، اعتمدت حملات الدعاية الرقمية على “تحسين محركات البحث” (SEO) لضمان ظهور المواقع في الصفحة الأولى لنتائج البحث التقليدي، إلا أن حملة “هانوفر” أسست لمرحلة متقدمة أطلق عليها الخبراء Generative Engine Optimization GEO أو “تحسين محركات الذكاء الاصطناعي”.
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة عندما تسأل عن المستجدات اليومية أو الأسئلة المعقدة على تقنية تعرف بـ”Retrieval-Augmented Generation) “RAG). تتلخص هذه التقنية في قيام الذكاء الاصطناعي بالبحث اللحظي في شبكة الإنترنت، ثم تقييم المصادر واقتطاع أجزاء منها لتركيب إجابة موحدة ومحايدة في ظاهرتها للمستخدم.
هنا استغلت الحملة ثغرة أساسية في كيفية تقييم الآلة للمصادر.
صممت تقارير “معهد هانوفر” لتبدو في صياغتها محايدة وأكاديمية للغاية، وتخلت عن المصطلحات الحماسية أو النبرة الهجومية؛ صيغت عناوين التقارير كأجوبة مباشرة لأسئلة شائعة يطرحها المستخدمون على أدوات الذكاء الاصطناعي، من قبيل: “ما الذي تسبب في نزوح الفلسطينيين عام 1948؟” أو “هل يمارس الجيش الصهيوني سياسة التجويع في غزة؟”.
عندما تقرأ خوارزمية الذكاء الاصطناعي مقالا منظما بجدول محتويات والهوامش والأرقام، تصنفه كمرجع “عالي الموثوقية والأكاديمية”، فتقوم بسحب روايته ودمجها مباشرة في الإجابة النهائية الموجهة للمستخدم، مع تجهيل المصدر أو الإشارة إليه كـ”دراسة تحليلية مستقلة”.
إعادة كتابة التاريخ والواقع في ذاكرة الآلات
توزع المحتوى المكثف لمعهد هانوفر على قضايا مفصلية في الصراع الفلسطيني مع الكيان الغاصب، في ملف أحداث عام 1948 (النكبة)، قدمت تقارير تزعم أن خروج الفلسطينيين كان قرارا طوعيا نتيجة نداءات قيادات عربية، مع استبعاد تام لأي وثائق تتناول التهجير القسري.
وفي ملف الحرب على غزة، ركزت التقارير على التشكيك في الأرقام والبيانات الصادرة عن المنظمات الأممية كالأونروا واليونسيف، ونسبتها إلى “مصادر غير موثوقة”، بينما اعتمدت حصريا على البيانات الرسمية للجيش والوزارات في الكيان وتأطيرها كمعطيات أكاديمية موثوقة.
وأظهرت الاختبارات الفنية التي أجراها صحفيون في مجلتي “Politico” و “The Guardian” أن الاستراتيجية حققت نجاحا عمليا؛ إذ بدأت محركات وأدوات مثل ChatGPT وPerplexity وGemini في الاستشهاد بتقارير “هانوفر” وتلخيص أفكارها عند الإجابة على أسئلة المستخدمين المتعلقة بالشرق الأوسط والصهيونية وحروب المنطقة.
المعركة على “مصنع الحقائق” المستقبلي
تأتي هذه الحملة الاستراتيجية في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي الدولية إلى تحول ملحوظ في توجهات الشباب والجيل الجديد نحو الصراع في الشرق الأوسط. أدركت أجهزة العلاقات العامة والدعاية أن الأجيال الشابة أصبحت تعتمد بشكل مباشر على روبوتات المحادثة الذكية للحصول على ملخصات سريعة ومباشرة بدلا من البحث التقليدي وقراءة المقالات المطولة.
لم تعد السيطرة على العقول تتم فقط عبر شاشات التلفزة أو الصحف ورسائل التواصل الاجتماعي، بل انتقلت إلى البنية التحتية للخوارزميات.
إن ظاهرة “تسميم البيانات” (Data Poisoning) لا تهدف إلى كسب سجال يومي في الإعلام، بل تهدف إلى تثبيت رواية محددة داخل النسيج المعرفي للذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح الأجوبة المبرمجة آليا هي “الحقيقة المجردة” التي تعتمد عليها الأجيال القادمة في أبحاثها وقراراتها السياسية والفكرية.

