فيما تخوض الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة اليميني المتطرف دونالد ترامب معركتها الاقتصادية عبر الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التجارية، كانت الصين تفتح في هدوء قناة مائية جديدة.
قد يبدو المشهدان منفصلين؛ لكن بينهما صراع واحد.. صراع على من يملك القدرة على تشكيل حركة الاقتصاد العالمي، ومن يرفع كلفة التجارة، أم من يبني الطرق التي تجعلها أرخص؟.
افتتحت الصين قناة “بينغلو” في جنوب البلاد في 16 سبتمبر/أيلول 2026، وهي ممر مائي بطول 134.2 كيلومترا وتكلفة 11 مليار دولار، يربط شبكة الأنهار الداخلية في غوانغشي بموانئ خليج بيبو، ويفتح للمناطق الداخلية في جنوب غرب الصين طريقا أقصر إلى البحر.
القناة تختصر أكثر من 560 كيلومترا من مسار النقل التقليدي، وتقول السلطات الصينية إنها تستطيع خفض تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 18–30%؛ لكن الأرقام وحدها لا تفسر لماذا يستحق هذا المشروع قراءة جيوسياسية.
فالطريق الذي تختصره الصين اليوم ليس مجرد طريق للسفن؛ إنه طريق لسلاسل الإمداد، وللمصانع، وللاستثمارات، وللتجارة مع جنوب شرق آسيا، وهنا يدخل المشروع مباشرة في قلب الصراع الأكبر بين بكين وواشنطن.
ترامب يستخدم قوة السوق الأمريكية لإعادة التفاوض على شروط التجارة عبر الرسوم الجمركية؛ أما الصين فتستخدم قوة التصنيع والبنية التحتية وشبكات النقل والموانئ لخفض كلفة الوصول إلى الأسواق وبناء مسارات تجارية بديلة.
واشنطن تضغط على حركة التجارة من خلال السعر الذي تدفعه السلعة عند دخول السوق، وبكين تعمل على التأثير في السعر الذي تدفعه السلعة للوصول إلى السوق أصلا.
هذه ليست مقارنة بين مشروع واحد وسياسة أمريكية واحدة، ولا تكفي قناة بينغلو وحدها لتغيير ميزان القوة العالمي، لكنها تكشف شيئا أعمق؛ الصين لا تكتفي بالمنافسة داخل النظام التجاري القائم؛ إنها تستثمر في البنية التحتية التي يمكن أن تجعل النظام أكثر اتصالا بها.
فالقناة ليست منفصلة عن الموانئ الصينية، ولا عن السكك الحديدية، ولا عن الممر التجاري البري-البحري الغربي الجديد، ولا عن التوسع الصيني الاقتصادي في جنوب شرق آسيا، إنها قطعة جديدة في شبكة أكبر.
والسؤال الذي تطرحه بينغلو ليس: كم كيلومترا اختصرت الصين؟ بل كم مقدار النفوذ الذي يمكن أن تصنعه دولة عندما تستطيع أن تجعل الطريق إلى أسواقها أقصر، والنقل إليها أرخص، وسلاسل الإمداد المرتبطة بها أكثر كفاءة؟.
هنا تحديدا تتحول قناة مائية في جنوب الصين إلى قضية تتجاوز الصين نفسها، إنها تدخل في معركة أوسع على هندسة الاعتماد الاقتصادي؛ هل يبقى العالم مرتبطا بالطرق والأسواق والمؤسسات التي تشكلت حول القوة الأمريكية؟ أم تظهر تدريجيا شبكة آسيوية أكثر ارتباطا بالصين، تستطيع الدول من خلالها تنويع تجارتها وتقليل اعتمادها على مركز واحد؟.
من هذه الزاوية، لا تبدو بينغلو مشروعا هندسيا صينيا ضخما فحسب.
إنها رسالة جيوسياسية مكتوبة بالماء؛ الصين لا تحتاج إلى إعلان أنها تنافس أمريكا؛ يكفي أن تواصل بناء الطرق التي تجعل الآخرين أكثر اتصالا بها.

