قراءة في صمود الجماعة ومآزق خصومها؛ من العصبية الاجتماعية إلى مأسسة التماسك وتفكك التعدد
تحليل سوسيولوجي لبنية القوة الحوثية ومأزق خصومها
إذا أردنا أن نفهم كيف استطاع الحوثيون، منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، أن يحافظوا على قوة سياسية وعسكرية تفوق أحيانا ما توحي به مواردهم المباشرة، فإن البحث عن الإجابة في السلاح وحده يقودنا إلى نصف الصورة فقط.
فالسلاح الإيراني مهم، والدعم الخارجي مهم، وطبيعة الحرب الإقليمية مهمة، لكن السؤال الأكثر عمقا هو؛ لماذا استطاع الحوثيون تحويل مواردهم إلى قوة متماسكة، بينما تحولت موارد خصومهم، في مراحل كثيرة، إلى مصدر جديد للتنافس بينهم؟.
هنا يمكن أن نستعير تحليل ابن خلدون ليكون مدخلا مفيدا، لفهم كيف تتحول الروابط الاجتماعية إلى قدرة على الطاعة والتعبئة والتضحية، ثم إلى سلطة؟.
من العصبية إلى القوة السياسية
العصبية عند ابن خلدون ليست مجرد عدد من المقاتلين، ولا تعني ببساطة أن جماعة ما أكثر انضباطا من جماعة أخرى. إنها قدرة جماعة بشرية على إنتاج التضامن والتناصر، وعلى جعل أفرادها يتحركون باعتبارهم جزءا من كل أكبر من مصالحهم الفردية.
وبهذا المعنى، فإن الظاهرة الحوثية تستحق قراءة تتجاوز مفهوم “الميليشيا”.
فالحوثيون لم يبدأوا كقوة عسكرية ضخمة، ولم يكن طريقهم إلى السلطة نتيجة تفوق مادي حاسم. الحركة خرجت من بيئة اجتماعية وسياسية في شمال اليمن، ثم أخذت، عبر الحروب المتتالية منذ 2004، في تحويل عناصر دينية واجتماعية وقبلية وسياسية إلى بنية تعبئة أكثر اتساعا.
وتشير دراسة ماريكه براندت عن تاريخ الصراع الحوثي إلى أن الحروب الأولى في صعدة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية منفصلة، بل شهدت امتزاج المشروع الحوثي بصراعات اجتماعية وقبلية قائمة في شمال اليمن، وهو ما ساعد على توسيع نطاق الصراع وتغيير تركيبته.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن القوة الاجتماعية لا تولد من العقيدة وحدها، كما لا تولد من القبيلة وحدها. إنها تظهر عندما تستطيع حركة سياسية أن تربط بين عناصر مختلفة من الهوية والمصلحة والذاكرة والمظلومية والسلطة في سردية واحدة.
ليست الزيدية وحدها
وهنا ينبغي الحذر من اختزال الحوثية في “الزيدية”.
فالزيدية التاريخية شيء، والحركة الحوثية المعاصرة شيء أكثر تركيبا. لقد استثمر الحوثيون عناصر دينية ومذهبية وتاريخية، لكنهم أعادوا صياغتها داخل مشروع سياسي وعسكري حديث، وربطوها بالصراع على السلطة وبخطاب السيادة ومواجهة التدخل الخارجي.
لذلك فالأدق ألا نقول إن “المذهب أنتج العصبية”، بل إن الحركة استثمرت موارد دينية واجتماعية موجودة أصلا، وأعادت تركيبها في هوية سياسية مقاتلة.
وهذا ما يجعل المقارنة الخلدونية أكثر فائدة: الدعوة الدينية، في تصور ابن خلدون، تستطيع تقوية العصبية عندما تمنح الجماعة غاية تتجاوز المصلحة المباشرة. لكن في الحالة اليمنية الحديثة لا تعمل هذه الآلية وحدها؛ فهي تتداخل مع التنظيم السياسي، والإكراه، والموارد، والدعاية، وشبكات المصالح، والخبرة المتراكمة في الحرب.
كيف دخلت القبيلة إلى المعادلة؟
أحد مفاتيح القوة الحوثية هو قدرتها على التعامل مع القبيلة لا باعتبارها جسما خارجيا عن الحركة، وإنما باعتبارها ساحة يمكن اختراقها وإعادة ترتيبها.
وهنا أيضا يصبح مفهوم “العصبية” أكثر تعقيدا.
فالقبائل اليمنية لم تتحول ببساطة إلى كتلة حوثية واحدة. العلاقة كانت، وما تزال، مزيجا من التحالف والمصلحة والإكراه والاستيعاب والصراع.
وتشير دراسة نادوة الدوسري عن علاقة الحوثيين بالقبائل إلى أن الحركة استخدمت منذ سيطرتها على السلطة مزيجا من استيعاب البنى القبلية والتأثير فيها، إلى جانب أدوات الضغط والعنف، مع العمل على استقطاب قطاعات من الشباب.
وهذا يعني أن قوة الحوثيين لا تكمن فقط في وجود “عصبية” جاهزة، وإنما في قدرتهم على إعادة تنظيم العصبيات الموجودة حول مركز قوة واحد.
وهنا نقترب أكثر من المعنى الخلدوني: العصبية الصاعدة لا تحتاج إلى أن تلغي العصبيات الأصغر كلها؛ يكفي أن تجعلها تتحرك داخل مجال سياسي تهيمن عليه.
المشكلة في المعسكر المقابل ليست غياب العصبيات وهذه ربما أهم نقطة في تفسير المشهد اليمني، فالقول إن خصوم الحوثيين يفتقرون إلى العصبية يحتاج إلى تعديل.
هم لا يفتقرون إلى العصبيات؛ بل يملكون عصبيات كثيرة لا تنتظم في عصبية سياسية أعلى.
هناك القوى الحكومية، والأحزاب، والقبائل، والقوى الجنوبية، والتشكيلات العسكرية المحلية، ومراكز النفوذ، والشبكات الاقتصادية، وكل منها يحمل جزءا من القوة والشرعية والمصلحة.
المشكلة إذن ليست غياب التضامن، وإنما غياب القدرة على ترتيب التضامنات المتعددة داخل مشروع سياسي واحد، وهذه ليست مسألة نظرية فقط.
فالمشهد العسكري اليمني عرف منذ سنوات تعددا في مراكز القرار والتمويل والقيادة. وفي تقارير الأمم المتحدة السابقة، ظهر بوضوح أن الحكومة اليمنية لم تكن تمتلك في مراحل معينة استراتيجية عسكرية وطنية موحدة لمواجهة الحوثيين، وأن التنسيق العملياتي بين الفصائل المناهضة لهم كان يتم أحيانا عبر التحالف الخارجي لا عبر قيادة يمنية موحدة.
كما وثقت دراسات متخصصة التنافس بين القوى المناهضة للحوثيين نفسها، بما في ذلك الخلاف بين الحكومة والقوى الجنوبية، وتعدد التشكيلات العسكرية التي تحمل أجندات مختلفة.
وهنا تظهر المفارقة:
قد تكون لديك قوة عسكرية أكبر، لكن لا تكون لديك جماعة سياسية واحدة.
وقد تمتلك السلاح والمال والغطاء الدولي، لكنك لا تملك بالضرورة القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة استراتيجية متماسكة.
الخيانة ليست التفسير؛ إنها أحيانا النتيجة
منذ سنوات، تكررت في الخطاب السياسي اليمني تفسيرات من نوع “الخيانة”، و”تسليم المعسكرات”، و”انهيار الجبهات”، و”انقلاب القادة”.
وقد تكون هذه التفسيرات صحيحة في وقائع محددة.
لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم:
لماذا تصبح هذه الوقائع قابلة للتكرار؟
الخيانة تستطيع أن تفسر سقوط معسكر.
لكنها لا تفسر وحدها لماذا يصبح سقوط المعسكر ممكنا أصلا.
والانشقاق قد يفسر انهيار جبهة.
لكنه لا يفسر لماذا يستطيع الانشقاق أن يتكرر في بيئات مختلفة.
في هذه النقطة تحديدا يصبح التحليل السوسيولوجي أكثر أهمية من التفسير العسكري المباشر.
فعندما لا يشعر المقاتل بأنه جزء من مشروع سياسي يتجاوز وحدته وقائده ومصلحته، تصبح تكلفة إعادة تعريف الولاء أقل.
وحين لا يكون واضحا ما الدولة التي يقاتل من أجلها، ومن يمثلها، وما شكلها في المستقبل، يصبح الانتماء السياسي أكثر قابلية للتفاوض.
وهنا تتحول العلاقة من: “أنا جزء من مشروع”
إلى: “أنا جزء من شبكة مصالح”.
وهذا فرق هائل في زمن الحرب.
الراتب لا يصنع وحده مقاتلا مستعدا للاستمرار؛ لا يعني ذلك أن المقاتلين في المعسكر المناهض للحوثيين يقاتلون جميعا من أجل المال، ولا أن الحوثيين يقاتلون جميعا بدافع عقائدي خالص؛ هذه الثنائية ستكون تبسيطا غير علمي.
المقاتل الحوثي نفسه يمكن أن تكون لديه اعتبارات مادية ومحلية وعائلية، كما أن المقاتل المناهض للحوثي يمكن أن يكون لديه إيمان حقيقي بقضية وطنية أو دينية أو مناطقية.
المسألة ليست في دوافع الأفراد منفردين.
المسألة هي: أي منظومة تستطيع أن تحول الدوافع المتعددة إلى سلوك جماعي منسق؟ وهنا تكمن أهمية التنظيم.
الحركة التي تستطيع أن تربط العقيدة بالقيادة، والقيادة بالشبكة الاجتماعية، والشبكة بالمصلحة، والمصلحة بالسلاح، تستطيع تحويل عناصر متفرقة إلى قوة سياسية.
أما التحالف الذي يجمع قوى مختلفة من دون أن يحسم سؤال القيادة والغاية المشتركة، فقد يمتلك موارد أكثر، لكنه يظل معرضا للتفكك عندما تتغير المصالح.
الحرب نفسها أصبحت مصنعا للعصبية
وهنا نصل إلى عنصر غالبا ما يغفل في قراءة الحوثيين: الزمن.
لم تبن القوة الحوثية في يوم واحد.
الحروب في صعدة، ثم الانتفاضة الشعبية، ثم انهيار المرحلة الانتقالية، ثم السيطرة على صنعاء، ثم الحرب الإقليمية، ثم سنوات الاستنزاف، كلها راكمت خبرة تنظيمية ورمزية وعسكرية.
وبذلك لم تعد الحرب مجرد نتيجة للعصبية؛ أصبحت أيضا وسيلة لإنتاجها.
الجماعة التي تقاتل طويلا معا، وتتعرض للضغط معا، وتنتج شهداء ورموزا وذاكرة مشتركة، تستطيع أن تطور هوية أكثر صلابة.
ومن هنا يمكن فهم أحد أسرار بقاء الجماعات المسلحة: التجربة المشتركة لا تنتج الخبرة العسكرية فقط، بل تنتج ذاكرة جماعية أيضا.
وهذه الذاكرة تستطيع أن تصبح مادة للتعبئة في الجولة التالية.
لكن القوة الحوثية ليست اجتماعية فقط
هنا يجب ألا يدفعنا التفسير السوسيولوجي إلى خطأ معاكس: التقليل من أهمية القوة المادية.
فالحوثيون لم ينجحوا بسبب العصبية وحدها.
استفادوا من السيطرة على مؤسسات الدولة ومواردها، ومن شبكات اقتصادية، ومن السيطرة الجغرافية على مناطق واسعة ومكتظة بالسكان، ومن الدعم الإيراني والخبرة العسكرية المتراكمة، ومن امتلاك ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة وقدرة متزايدة على العمل العسكري بعيد المدى.
وتؤكد التقارير الحديثة أن الدعم الإيراني جزء من البيئة التي مكنت الحوثيين من تطوير قدراتهم، بينما تشير تقارير أخرى إلى تطور الخبرة التقنية والتنظيمية داخل الجماعة نفسها.
لكن هذه الموارد لا تلغي السؤال السوسيولوجي.
بل تجعله أكثر أهمية:
لماذا استطاع طرف ما أن يستوعب موارده الخارجية داخل بنية تنظيمية متماسكة، بينما ظلت موارد المعسكر الآخر موزعة بين مراكز قوة متعددة؟.
المال الخارجي لا يتحول تلقائيا إلى قوة
المقارنة بين الطرفين تكشف مفارقة مهمة؛ الدعم الخارجي قد يوفر: السلاح، والمال، والتدريب، والغطاء السياسي.
لكنه لا ينتج تلقائيا: الولاء، والثقة، ووحدة القيادة، والشرعية، والقدرة على التضحية؛ لهذا فإن المشكلة ليست في مقدار الموارد وحده، بل في قدرة النظام السياسي على تحويل الموارد إلى قوة جماعية.
وهنا تظهر إحدى مشكلات المعسكر المناهض للحوثيين: تعدد الرعاة الخارجيين لم يكن دائما يعني تعدد مصادر القوة فحسب، بل كان يمكن أن يعني أيضا تعدد المشاريع.
فالدراسات المتعلقة بالحرب اليمنية وثقت كيف أسهم الدعم الإقليمي المختلف في تكوين تشكيلات محلية ذات أجندات متباينة، وكيف أصبحت بعض القوى المناهضة للحوثيين تتنافس فيما بينها على الأرض والموارد والنفوذ.
وفي تطورات أحدث، ظل التعدد داخل المعسكر المناهض للحوثيين قائما؛ إذ أظهرت تحولات 2025 و2026 استمرار التنافس بين قوى الحكومة والقوى الجنوبية والتشكيلات المحلية، بما أبقى سؤال القيادة الموحدة للدولة مفتوحا.
لذلك لا يكفي القول إن الحوثي “أقوى” ربما يكون السؤال الأدق مختلفا تماما:
لماذا يستطيع الحوثي أن يعمل كفاعل واحد نسبيا، بينما يعمل خصومه كائتلاف من الفاعلين؟ هذه الصياغة تكشف جوهر المشكلة؛ القوة ليست كمية سلاح فقط.
القوة هي أيضا درجة تحويل الموارد إلى فعل جماعي؛ قد تمتلك عشرة أطراف مئة وحدة من القوة، لكنها لا تعمل إلا بخمسين منها لأن نصفها يستهلك في التنافس الداخلي.
وقد يمتلك طرف واحد خمسين وحدة فقط، لكنه يستطيع توجيه معظمها نحو هدف واحد، عندها لا تكون المقارنة بين “50 و100″بل بين: 50 تعمل معا، و100 تعمل في اتجاهات مختلفة.
من العصبية إلى الدولة
وهنا نصل إلى الحد الذي تتوقف عنده المقارنة الخلدونية. فالعصبية يمكن أن تساعد جماعة على الصعود، لكنها لا تكفي وحدها لبناء دولة حديثة.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات، وقواعد، وشرعية، وإدارة، وقدرة على تقديم الخدمات، وإدارة الموارد، واحتكار منظم للعنف.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة اليمنية.
فالنجاح في بناء جماعة قتالية متماسكة لا يعني بالضرورة النجاح في بناء دولة جامعة.
بل قد يحدث العكس: يمكن أن تؤدي قوة العصبية المحلية إلى إضعاف المجال الوطني إذا لم تتحول إلى مؤسسات تتجاوز الجماعة.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من يملك العصبية الأقوى؟
بل: من يستطيع تحويل العصبية إلى دولة؟ وهذا سؤال لم يحسمه الحوثيون، كما لم يحسمه خصومهم.
المفارقة اليمنية
المفارقة أن الحوثيين قد يكونون أكثر نجاحا في إنتاج التماسك السياسي والعسكري من خصومهم، لكن ذلك لا يعني أنهم نجحوا في إنتاج عصبية وطنية يمنية جامعة.
وبالمثل، فإن خصوم الحوثيين لا يفتقرون إلى القوة الاجتماعية؛ لديهم قبائل ومناطق وأحزاب وتشكيلات عسكرية وقواعد اجتماعية.
لكنهم لم يستطيعوا حتى الآن إنتاج مركز سياسي يستطيع أن يجعل هذه القوى ترى مصلحتها داخل مشروع وطني واحد.
وهنا تتجاوز المسألة الحوثيين أنفسهم، إنها تتعلق بأزمة الدولة اليمنية.
فحين يصبح السؤال عن مستقبل الدولة نفسها موضع خلاف بين قوى عديدة، يصبح من الصعب إنتاج الولاء للدولة باعتبارها “الجماعة السياسية العليا”.
وتظهر هنا إحدى أخطر نتائج الحرب: كلما طال الانقسام، أصبح الانقسام نفسه مؤسسة اجتماعية وسياسية.
لماذا يصمد الحوثي؟
إذن؛ ليس من الدقة القول إن الحوثي يصمد لأنه يملك “عصبية” فقط.. ولا يصح اختزال الأمر في إيران.
ولا يمكن تفسيره كله بانهيار خصومه؛ الأقرب إلى الواقع أن القوة الحوثية نتاج تفاعل عدة طبقات: هوية سياسية وعقائدية، وشبكات اجتماعية وقبلية، وقيادة مركزية، وتنظيم عسكري، وخبرة تراكمية في الحرب، وقدرة على استيعاب أو إخضاع القوى المحلية، وسيطرة على موارد ومؤسسات، ودعم خارجي، في مقابل معسكر مناهض يملك موارد كبيرة لكنه يعاني من تعدد مراكز القرار وتضارب المشاريع والاعتماد الكبير على الرعاة الخارجيين.
من هذه الزاوية يصبح ابن خلدون مفيدا، ولكن ليس بوصفه وصفة جاهزة.
فالدرس الخلدوني الأهم هنا ليس أن “الدول تسقط عندما تنفد أسلحتها”، ولا أن كل جماعة متماسكة هي عصبية بالمعنى الخلدوني.
الدرس الأعمق هو أن القوة السياسية لا تقاس فقط بما يملكه الفاعل، بل بقدرته على تحويل ما يملكه إلى تضامن وطاعة وفعل جماعي.
وفي اليمن، ربما تكمن المشكلة الأساسية في أن الحوثيين نجحوا في بناء جماعة سياسية-عسكرية أكثر تماسكا من خصومهم، بينما فشل خصومهم، حتى الآن، في بناء جماعة سياسية أعلى تستطيع أن تستوعب عصبياتهم المتعددة داخل فكرة واحدة عن الدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حديث عن هزيمة الحوثيين ليس؛ كم دبابة وطائرة وصاروخا يحتاج خصومه؟.
بل؛ ما المشروع الذي يمكن أن يجعل اليمني يرى أن الدولة التي يقاتل من أجلها أكبر من قبيلته، وحزبه، ومنطقته، وقائده، وراتبه، والجهة الخارجية التي تموله؟.
فإذا لم يجب عن هذا السؤال، فقد تستطيع القوى المناهضة للحوثيين الحصول على مزيد من السلاح، وربما تحقيق انتصارات عسكرية، لكنها ستظل معرضة لإعادة إنتاج المشكلة نفسها.
أما إذا وجدت الإجابة، فقد يتحول التفوق من مجرد ميزان عسكري إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على الاستمرار.
وهنا، فقط، يصبح من الممكن أن نقرأ اليمن بعين ابن خلدون دون أن نحبس اليمن داخل القرن الرابع عشر.