تحليل عسكري استشرافي
التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن، لم تعد مجرد اشتباكات متفرقة على خطوط تماس قديمة، بل تشير المؤشرات إلى دخول الحرب مرحلة جديدة يمكن أن تعيد رسم الخريطة العسكرية التي استقرت نسبيا منذ هدنة عام 2022.
السؤال الأساسي لفهم ما يجري ليس: أين تتقدم القوات؟ بل:
ماذا يريد كل طرف أن يحقق من هذه الحرب؟ وأي هدف سياسي واستراتيجي تخدمه المحاور العسكرية المفتوحة؟.
قراءة حقيقية للمشهد
تشهد اليمن منذ أسابيع تصعيدا واسعا بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية، مع اشتباكات متكررة في مأرب وتعز والحديدة وجبهات أخرى، في أخطر اهتزاز للتهدئة التي حكمت خطوط القتال خلال السنوات الماضية.
مراقبون يرون أن خطر الانزلاق إلى حرب واسعة يزداد كلما توسعت دائرة العمليات وفقد الطرفان القدرة على ضبط مستوى التصعيد.
يبدو أن الحوثيين يسعون إلى تحقيق أكثر من هدف من تحركاتهم الأخيرة.
فالمواجهة في اليمن لم تعد منفصلة عن البيئة الإقليمية الأوسع، خصوصا مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر والممرات البحرية والطاقة.
أظهرت الهجمات الأخيرة على السعودية والمنشآت الاقتصادية أن الحوثيين يمتلكون القدرة على نقل جزء من المعركة إلى خارج الجبهة اليمنية.
وفي هذا السياق، يرى مايكل راتني من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS” أن الحوثيين أصبحوا طرفا أكثر مباشرة في الصراع الإقليمي الأوسع، وأن تصعيدهم ضد السعودية والملاحة البحرية وضع الرياض أمام خيارات عسكرية وسياسية أكثر صعوبة. لكن اختزال الاستراتيجية الحوثية في هدف واحد، مثل السيطرة على المخا أو باب المندب، سيكون تبسيطا مفرطا؛ فالأقرب إلى الواقع أن الحوثيين يتحركون وفق استراتيجية متعددة الوظائف تشمل:
-الضغط العسكري على القوات الحكومية.
-الحفاظ على المبادرة الهجومية.
-تهديد الساحل والممرات البحرية.
-رفع تكلفة الحرب على السعودية.
-تحسين موقعهم التفاوضي.
-منع خصومهم من توحيد جبهة عسكرية واسعة ضدهم.
وهذا يجعل العمليات الأخيرة جزءا من صراع على المبادرة الاستراتيجية أكثر من كونها مجرد معارك للسيطرة على مواقع جغرافية.
المعسكر الحكومي من الدفاع إلى الهجوم
تظهر التحركات الأخيرة أن المعسكر المناهض للحوثيين يحاول استعادة زمام المبادرة؛ لكن السؤال الأهم هنا هو، هل نحن أمام خطة هجومية موحدة؟ أم سلسلة عمليات متزامنة على جبهات متعددة؟
هذا السؤال حاسم؛ فالتاريخ العسكري اليمني أثبت أن تعدد القوى المناهضة للحوثيين كان دائما أحد أكبر نقاط ضعفها، إذ تضم الجبهة المناهضة للحوثيين تشكيلات وقوى ذات مصالح محلية وسياسية مختلفة، وهو ما يجعل تحويل التفوق العددي أو الجغرافي إلى قوة استراتيجية موحدة أمرا معقدا.
لكن الباحث اليمني أحمد ناجي، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، أشار مؤخرا إلى أن المعسكر الحكومي يبدو أكثر تنسيقا وتماسكا مقارنة بمراحل سابقة، وأن السعودية أصبحت تعمل بصورة أوثق مع القوى المختلفة المناهضة للحوثيين.
وهذه النقطة قد تكون أكثر أهمية من السيطرة على أي موقع منفرد، لأن الحرب لا تحسم بعدد الجبهات المفتوحة، وإنما بقدرة القيادة على تحديد؛ أين تقع الضربة الرئيسية؟.
الجوف: المحور الذي قد يغير الحسابات
من الناحية العسكرية والجغرافية، تبدو محافظة الجوف واحدة من أهم المحاور المحتملة في أي محاولة لتغيير ميزان القوى في شمال اليمن، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحليل.
فالجوف تختلف عن كثير من جبهات اليمن الجبلية؛ مساحاتها الواسعة وطبيعة أجزاء كبيرة من أراضيها تسمح بحرية حركة ومناورة أكبر مقارنة بالمناطق الجبلية الكثيفة حول صنعاء وصعدة وتعز، وهذا يمنح القوة المهاجمة ميزتين رئيسيتين:
أولا: حرية المناورة؛ ففي المساحات الواسعة يصبح من الصعب على المدافع إنشاء خط دفاعي متصل ومحصن بالكامل.
ثانيا: إمكانية الالتفاف؛ بدلا من مهاجمة كل موقع مرتفع مباشرة، تستطيع القوات المتحركة محاولة تجاوز بعض العقد الدفاعية أو الالتفاف حولها.
لكن هذا لا يعني أن الطريق من الجوف إلى صنعاء طريق مفتوح؛ وهنا يجب التمييز بين أمرين؛ فتح محور عملياتي، وتحقيق اختراق استراتيجي.
فالانتقال من مناطق الجوف باتجاه عمران أو أرحب أو نهم يعني الانتقال تدريجيا إلى بيئة أكثر تعقيدا، حيث تعود الجغرافيا الجبلية وعقد الطرق والممرات والاعتبارات القبلية لتصبح عناصر حاسمة.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للجوف ليست بالضرورة في كونها طريقا سريعا إلى صنعاء، بل في قدرتها على أن تصبح منصة عملياتية تهدد خطوط الاتصال بين صنعاء والشمال، وتجبر الحوثيين على توزيع احتياطياتهم العسكرية على مساحة أكبر، وهذا هو الفرق بين قراءة الخريطة كجغرافيا وبين قراءتها كمسرح عمليات.
هل يمكن عزل صنعاء عن صعدة؟
هذه واحدة من أكثر الأفكار جاذبية في التحليل العسكري، لكنها أيضا تحتاج إلى أكبر قدر من الحذر؛ نظريا، تقدم القوات الحكومية من الجوف باتجاه عمران يمكن أن يهدد طرق الاتصال بين صنعاء وصعدة.
لكن عمليا، لا يكفي الوصول إلى منطقة أو طريق رئيسي لإعلان العزل الاستراتيجي.
فعزل منطقة عسكريا يتطلب؛ السيطرة على عقد الطرق الرئيسية، ومراقبة الطرق البديلة، والتحكم بالممرات الجبلية، وامتلاك قوات كافية لمنع الالتفاف، وأخيرا حماية خطوط إمداد القوات المهاجمة نفسها.
وبالتالي، فإن أي تقدم نحو عمران أو أرحب يمكن أن يهدد الاتصال بين صنعاء وصعدة، لكنه لا يعني تلقائيا قطع هذا الاتصال.
لكن؛ نجاح القوات الحكومية في تثبيت موطئ قدم متقدم في هذا المحور قد يخلق تهديدا استراتيجيا لمنظومة الاتصال الحوثية بين صنعاء والشمال، ويجبر الحوثيين على إعادة توزيع قواتهم، لكنه لا يضمن عزل صعدة أو صنعاء ما لم يتحول التقدم إلى سيطرة مستدامة على شبكة المواصلات والممرات الرئيسية.
وتكتسب صعدة أهمية مضاعفة بسبب موقعها الحدودي وصلاتها بمحافظات الجوف وعمران وحجة، وهي ليست مجرد معقل محلي، بل عقدة أمنية وجغرافية مرتبطة مباشرة بأمن الحدود السعودية وشمال اليمن.
القبائل: عامل لا يمكن التنبؤ به بسهولة
أحد أكثر الأخطاء شيوعا في تحليل الحرب اليمنية هو التعامل مع القبائل باعتبارها كتلا تتحرك تلقائيا مع الطرف الأقوى؛ الواقع أكثر تعقيدا، القبائل والقوى المحلية قد تعيد حساباتها عندما يتغير ميزان القوة، لكن قرارها يتأثر بعوامل كثيرة، منها:
- المصالح المحلية.
- التحالفات السياسية.
- العلاقات التاريخية.
- الأمن.
- الموارد.
- مواقف القيادات القبلية.
- الخلافات والثارات المحلية.
لذلك لا يمكن افتراض أن أي تقدم حكومي سيؤدي تلقائيا إلى انتقال القبائل إلى معسكره.
لكن يمكن القول إن؛ نجاحا عسكريا كبيرا ومستداما قد يخلق أثرا سياسيا وقبليا يتجاوز حدود المعركة نفسها، ويدفع بعض القوى المحلية إلى إعادة تقييم موقعها في ميزان القوى؛ وهذا الفرق بين تغيير الولاء وإعادة الحسابات مهم للغاية.
المعركة بين الجغرافيا والاقتصاد
تظل جبهة الساحل الغربي واحدة من أكثر الجبهات حساسية؛ فهي لا تتعلق فقط بالأرض، بل ترتبط بالموانئ، والملاحة الدولية، وباب المندب، والاقتصاد، وطرق الإمداد.
وقد شهدت جبهات الحديدة والغرب اليمني تصعيدا واضحا، في وقت تشير فيه التقارير إلى أن السيطرة على مناطق استراتيجية في الساحل يمكن أن تؤثر في التوازن العسكري والاقتصادي في آن واحد.
لكن الحديث عن أن اختراق منطقة الجراحي يؤدي تلقائيا إلى طريق مفتوح نحو مدينة الحديدة يمثل قفزة مبكرة، فبين النجاح التكتيكي والهجوم العملياتي العميق مراحل كثيرة.
أي قوة تريد تحويل السيطرة على الجراحي إلى تقدم شمالي واسع ستحتاج إلى، قوة احتياط متحركة، وحماية خطوط الإمداد، وأهم شيء غطاء جوي، وقدرة على التعامل مع الهجمات الجانبية، وتأمين المناطق التي تم تجاوزها، ومنع القوات المدافعة من إعادة تشكيل خط دفاع جديد.
لهذا فإن القيمة العسكرية للجراحي يجب النظر إليها باعتبارها؛ عقدة دفاعية يمكن أن يؤدي سقوطها إلى توسيع خيارات القوات المهاجمة شمالا، وليس بوابة تضمن تلقائيا سقوط الحديدة.
البيضاء جبهة تشتيت أم عقدة تحول؟
تكتسب البيضاء أهمية خاصة بسبب موقعها المركزي؛ فهي عقدة جغرافية مركزية تربط عدة مسارح عمليات، ويمكن أن يؤثر القتال فيها على حرية الحركة بين وسط اليمن وشرقه وجنوبه، لهذا فإن الضغط في البيضاء قد يكون ذا قيمة أكبر من مساحة الأرض التي يتم الاستيلاء عليها.
فالمعركة هناك يمكن أن تحقق هدفا استراتيجيا آخر؛ هو تشتيت الاحتياطيات الحوثية، فكلما اضطر الحوثيون إلى إرسال قوات إلى البيضاء، تقل القوات المتاحة لمحاور أخرى؛ لكن هذه القاعدة تعمل في الاتجاهين، فالقوات الحكومية أيضا تدفع ثمنا لتعدد الجبهات.
وهذا يطرح سؤالا هاما في معرض التحليل العسكري؛ هل تعدد المحاور: ميزة أم فخ؟ هذه ربما النقطة الأكثر أهمية في المشهد الحالي
تعدد الجبهات يمكن أن يضع الحوثيين أمام مشكلة حقيقية؛ فالإمداد إلى مناطق؛ الجوف، مأرب، البيضاء، تعز، الحديدة، يتطلب توزيعا للقوات والذخائر والاحتياطيات.
من جهة ثانية تواجه القوات الحكومية المشكلة نفسها؛ وهنا يظهر مفهوم عسكري أساسي؛ الاقتصاد في القوة، ليس الهدف فتح أكبر عدد ممكن من الجبهات، بل استخدام القوات المحدودة لتثبيت العدو في بعض الجبهات، ثم تركيز القوة الضاربة في محور واحد لتحقيق الاختراق، لهذا فإن السؤال الحاسم خلال المرحلة المقبلة سيكون:
هل توجد ضربة رئيسية حقيقية؟، إذا كانت الجوف هي محور الجهد الرئيسي، فقد تصبح الحديدة محور ضغط، والبيضاء محور تشتيت، وتعز محور تثبيت.
أما إذا كانت كل الجبهات تتقدم بالقوة نفسها تقريبا، فقد يكون ما نشهده مجرد سلسلة مكاسب تكتيكية من دون قدرة على إنتاج تحول استراتيجي.
الحوثيون بين الدفاع الثابت والمتحرك
من الخطأ اختزال الأداء العسكري الحوثي في فكرة الانهيار أو الفرار الجماعي؛ فالقدرة العسكرية لأي قوة غير نظامية أو هجينة لا تكون متساوية في جميع الوحدات؛ الأقرب إلى الواقع هو أن الحوثيين يعتمدون على نموذج دفاعي مرن يجمع بين؛ التمسك بالمواقع الجغرافية الحاكمة، واستخدام التضاريس، والدفاع الثابت في بعض العقد.
الانسحاب التكتيكي عند الضرورة، والهجمات المضادة بقوات أكثر خبرة، علما أن هذا النموذج ليس جديدا في الحرب اليمنية.
وقد أشار محللون عسكريون في دراسات سابقة إلى أن القوات الحوثية استفادت تاريخيا من التضاريس ومن قدرتها على الاحتفاظ بأفضل وحداتها في مناطق القلب الاستراتيجي شمال اليمن، خصوصا في المناطق المرتبطة بصنعاء وصعدة.
لذلك فإن المكاسب في الأطراف لا تعني بالضرورة أن المعركة ستكون سهلة كلما اقتربت القوات الحكومية من المراكز الرئيسية؛ بل قد يحدث العكس، كلما اقتربت الحرب من صنعاء وصعدة، ازدادت كلفة الهجوم وصعوبة التضاريس وارتفعت احتمالات القتال الطويل.
لماذا تُضرب المنشآت النفطية السعودية؟
التطور الأكثر خطورة لا يقع داخل اليمن فقط؛ فالهجمات الأخيرة على السعودية تؤكد أن الحوثيين يحاولون توسيع تعريف ساحة المعركة.
إذ أعلنت مصادر سعودية عن إصابة عشرات الأشخاص في هجمات استهدفت مناطق ومنشآت مدنية واقتصادية في جنوب المملكة، وسط تهديدات بالرد العسكري، فيما شهدت منشآت مرتبطة بالطاقة في جازان هجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية.
هنا لا ينبغي النظر إلى الضربات باعتبارها مجرد عمليات انتقامية، الحوثيون يسعون لتحقيق أهداف عدة من ورائها وأهمها؛ الردع، ورفع تكلفة استمرار العمليات ضد الحوثيين، والضغط السياسي، وإعادة الحرب إلى الداخل السعودي، ولضغط الاقتصادي
عبر تهديد منشآت الطاقة والموانئ، وتخفيف الضغط العسكري، وإجبار السعودية على تخصيص مزيد من الموارد للدفاع الجوي وحماية البنية التحتية، بالاضافة إلى التأثير النفسي والاستراتيجي، وإظهار أن الحرب لن تبقى داخل اليمن.
وتشير تحليلات ACLED إلى أن الضربات العابرة للحدود قد تدفع السعودية إلى خيارين صعبين؛ العودة إلى التفاوض أو الانخراط بصورة أعمق في حملة عسكرية مشتركة، مع تحمل خطر تصعيد الحوثيين لهجماتهم ضد الداخل السعودي.
وهنا تظهر استراتيجية الحوثيين بوضوح أكبر؛ نقل جزء من كلفة الحرب إلى العمق السعودي.
سيناريوهات مستقبلية للحرب
السيناريو الأول: الاختراق الاستراتيجي
في هذا السيناريو، تتمكن القوات الحكومية من تحويل التقدم متعدد الجبهات إلى عملية منظمة، ويحدث ذلك عبر المراحل التالية:
1-تركيز القوة في محور رئيسي.
2-تحقيق اختراق في الجوف أو محور آخر.
3-تهديد خطوط الاتصال الحوثية.
4-إجبار الحوثيين على نقل الاحتياطيات.
5-استغلال النجاح لإحداث تحول سياسي وقبلي.
في هذه الحالة، لن يكون الهدف بالضرورة اقتحام صنعاء فورا؛ بل إجبار الحوثيين على القتال في ظروف غير مريحة وخارج مبدأ المبادرة الذي اعتادوا عليه، وهذا سيكون أخطر تحول محتمل بالنسبة لهم.
السيناريو الثاني: مكاسب تكتيكية بلا تحول استراتيجي
قد تحقق القوات الحكومية السيطرة على مواقع، وتستعيد مديريات، وتدفع الحوثيين إلى الخلف في عدة جبهات، لكن من دون تركيز القوة في محور رئيسي، في هذه الحالة، قد تتحول الحرب إلى خريطة من المكاسب الصغيرة من دون اختراق كبير.
ويستطيع الحوثيون عندها استخدام أسلوب الانسحاب التكتيكي، والهجمات المضادة، وتوظيف التضاريس، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لمنع أي تقدم من التحول إلى انهيار واسع؛ وهذا السيناريو هو الأكثر انسجاما مع طبيعة الحرب اليمنية تاريخيا.
السيناريو الثالث: الحوثيون ينقلون الحرب إلى العمق السعودي
قد يرد الحوثيون على الضغط البري بتوسيع الضربات ضد المطارات والمنشآت النفطية والموانئ والبنية التحتية الاقتصادية السعودية.
الهدف سيكون رفع كلفة الحرب إلى درجة تجعل الرياض أمام معادلة صعبة؛ هل تستمر في التصعيد البري رغم ارتفاع الخطر على الداخل السعودي؟.
هذا السيناريو لا يتطلب من الحوثيين الانتصار في الجبهات البرية، بل يكفيهم منع خصومهم من تحقيق انتصار حاسم.
السيناريو الرابع: حرب استنزاف طويلة
هذا ربما السيناريو الأكثر واقعية إذا لم يتحقق اختراق كبير، وفيه تستمر المعارك في الجوف ومأرب والبيضاء وتعز والحديدة؛ لكن من دون سقوط مركز استراتيجي رئيسي.
وتتحول الحرب إلى تقدم، ثم هجوم مضاد، فخسارة مواقع، ثم استعادة مواقع.
في الوقت نفسه تتوسع حرب المسيرات والصواريخ؛ وهذا السيناريو يخدم الحوثيين نسبيا، لأن الحرب الطويلة تمنح القوة المدافعة فرصة للاستفادة من التضاريس والخبرة المحلية.
السيناريو الخامس: العودة إلى التفاوض بعد التصعيد
يبدو هذا السيناريو متناقضا، لكنه ممكن جدا؛ فالتاريخ اليمني يثبت أن التصعيد العسكري قد يستخدم أحيانا لتحسين شروط التفاوض، وقد يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب ميدانية لرفع تكلفة الحرب على خصمه، وبالتالي تحسين موقعه السياسي، والعودة إلى المفاوضات من موقع أقوى.
لكن نجاح هذا السيناريو يعتمد على وجود وساطة إقليمية ودولية قادرة على إعادة ضبط التصعيد، خصوصا أن مسارات الوساطة لم تختف تماما رغم التوتر المتصاعد.
المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد
المشهد العسكري الحالي يوحي بأن اليمن دخل مرحلة جديدة بالفعل، لكن من المبكر الحديث عن انهيار أي طرف أو عن اقتراب سقوط صنعاء.
فالمكاسب الحالية مهمة، لكنها ليست دليلا كافيا حتى الآن على تحول استراتيجي حاسم، فالمعيار الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة سيكون الإجابة عن ثلاثة أسئلة:
أولا: هل ستحدد القوات الحكومية محورا رئيسيا وتتركز فيه القوة؟.
ثانيا: هل يستطيع الحوثيون الحفاظ على قدرتهم على نقل المعركة إلى السعودية؟.
ثالثا:هل تتحول المكاسب الميدانية إلى تغير سياسي وقبلي في ميزان القوى؟.
إذا نجحت القوات الحكومية في تحويل تعدد الجبهات إلى اختراق واحد مركز، فقد نشهد أخطر تحول في الحرب اليمنية منذ سنوات.
أما إذا بقيت العمليات موزعة بين عدة جبهات، فقد تتحول الإنجازات الحالية إلى سلسلة مكاسب تكتيكية قابلة للاحتواء.
يبدو أن الحوثيين يدركون أن أخطر ما يمكن أن يحدث لهم ليس خسارة موقع أو مديرية، بل فقدان القدرة على اختيار مكان وزمان المعركة.
لهذا فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون معركة صنعاء وحدها، ولا معركة صعدة وحدها.
ستكون معركة على المبادرة: من يفرض على الآخر أين يقاتل، وكيف يقاتل، وبأي كلفة؟ وهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل الحرب اليمنية في المرحلة القادمة.

