أردوغان وتركيا من إدارة الدولة إلى صناعة النفوذ خلال 25 عامًا

ماذا تكشف عبارة أردوغان «الأمر لمن يعرفه والسيف لمن يحسن حمله» عن مسار تركيا خلال 25 عاما؟

مقدمة

في المقابلة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع قناة الجزيرة، بدا جانب كبير من إجاباته مألوفا للمتابعين لمسيرته السياسية الطويلة. غير أن إجابته عن سؤال حول كيفية تمكن تركيا من تجاوز العقبات التي واجهتها خلال ربع قرن تستحق التوقف عندها، ولا سيما العبارة التي اختارها لتلخيص التجربة:

«الأمر لمن يعرفه… والسيف لمن يحسن حمله».

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد حكمة سياسية أو تعبير بلاغي، إلا أن وضعها في سياق التحولات التي شهدتها تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 يكشف أنها يمكن أن تقرأ باعتبارها تلخيصا مكثفا لفلسفة في بناء القوة: الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة القدرة على إدارة الدولة، وامتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة حسن استخدامها.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التجربة التركية خلال أكثر من عقدين باعتبارها انتقالا تدريجيا من مرحلة إعادة بناء القدرة على إدارة الدولة إلى مرحلة بناء أدوات القوة والنفوذ خارج حدودها.

أولا: تركيا التي دخلت القرن الحادي والعشرين من بوابة الأزمة

وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، بعد واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها تركيا في تاريخها الحديث.

كانت أزمة 2000-2001 قد كشفت هشاشة النظام المالي، وضعف القطاع المصرفي، وارتفاع الدين العام والتضخم، إلى جانب أزمة ثقة سياسية عميقة. وأدت الأزمة في فبراير/شباط 2001 إلى انهيار نظام سعر الصرف الثابت وتعويم الليرة، فيما شهد الاقتصاد انكماشا حادا وارتفعت البطالة بصورة كبيرة.

ولم تكن المشكلة اقتصادية فقط.

فالنظام السياسي التركي آنذاك كان لا يزال يعيش تحت تأثير قوي للمؤسسة العسكرية، التي امتلكت لعقود دورا مباشرا أو غير مباشر في توجيه السياسة الداخلية، باعتبارها نفسها حامية للنظام العلماني للدولة. وتشير تقارير تلك المرحلة إلى أن الجيش كان يتمتع بنفوذ واسع في صناعة القرار السياسي.

لذلك لم تكن المهمة الأولى أمام الحكومة الجديدة مجرد الفوز بالانتخابات أو الحفاظ على السلطة.

كانت المهمة الأصعب هي: كيف تدار الدولة؟

وهنا تصبح عبارة أردوغان الأولى أكثر قابلية للفهم:

«الأمر لمن يعرفه».

ثانيا: «الأمر لمن يعرفه» — بناء القدرة على إدارة الدولة

شهدت السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية تركيزا كبيرا على الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات البنيوية، مستفيدا في جزء مهم منها من برامج الإصلاح التي بدأت قبل وصول الحزب إلى السلطة واستمرت في السنوات التالية.

كان إصلاح القطاع المصرفي، والانضباط المالي، وخفض التضخم، وإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، من بين الملفات المركزية في مرحلة ما بعد الأزمة. وقد وصف صندوق النقد الدولي الإصلاحات التي أعقبت أزمة 2001 بأنها شملت إصلاحا واسعا للقطاع المصرفي والمالية العامة وسعر الصرف، إلى جانب إصلاحات هيكلية أخرى.

وبالتوازي مع ذلك، توسعت الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات العامة، وأصبحت مشاريع الطرق والمطارات والمستشفيات والطاقة والنقل جزءا من الصورة الجديدة لتركيا.

وبصرف النظر عن الجدل السياسي حول سياسات الحكومات التركية المتعاقبة، فإن المحصلة الأساسية التي يصعب تجاهلها هي أن تركيا انتقلت خلال سنوات قليلة من وضع اقتصادي هش إلى اقتصاد أكثر استقرارا وقدرة على النمو والتوسع الخارجي.

وهنا يمكن فهم «الأمر» ليس باعتباره مجرد امتلاك السلطة، وإنما باعتباره امتلاك القدرة المؤسسية والاقتصادية والسياسية على استخدامها.

فالسلطة السياسية قد تكتسب بالانتخابات، لكن إدارة الدولة تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، ومؤسسات قادرة على تنفيذ قراراتها، وبنية تحتية تدعمها، واستقرار سياسي يسمح لها بالاستمرار.

ثالثا: من إدارة الدولة إلى إعادة تعريف القوة

بعد تثبيت قدر معتبر من عناصر الاستقرار الداخلي، بدأت تركيا تتحرك تدريجيا نحو سؤال مختلف:

كيف تتحول الدولة من مجرد دولة قادرة على إدارة نفسها إلى دولة قادرة على التأثير في محيطها؟

وهنا تظهر العبارة الثانية:

«والسيف لمن يحسن حمله».

السيف في هذه القراءة ليس السلاح بالمعنى الحرفي فقط.

إنه مجموع أدوات القوة الصلبة والناعمة: الاقتصاد، والقدرات العسكرية، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والدبلوماسية، وشبكات التجارة، والتحالفات، والقدرة على إنتاج السلاح بدل الاعتماد الكامل على استيراده.

وهذه النقلة تظهر بوضوح شديد في قطاع الصناعات الدفاعية التركية.

فوفق بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، ارتفعت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران من 248 مليون دولار عام 2002 إلى 10.054 مليار دولار عام 2025، أي بنحو أربعين ضعفا. كما ارتفع عدد مشاريع الصناعات الدفاعية من 62 مشروعا عام 2002 إلى أكثر من 1400 مشروع، فيما تجاوز حجم المشاريع الجارية والمطروحة نحو 100 مليار دولار.

وتشير بيانات أخرى إلى أن عدد الشركات العاملة في منظومة الصناعات الدفاعية والطيران تجاوز 3500 شركة، مع ارتفاع نسبة المكونات المحلية بصورة كبيرة مقارنة ببداية الألفية.

وهذه الأرقام لا تعني مجرد نمو قطاع صناعي.

إنها تعكس تحولا استراتيجيا في مفهوم الأمن القومي التركي:

من دولة تشتري جزءا كبيرا من أدوات دفاعها إلى دولة تطور وتنتج وتصدر جزءا متزايدا من هذه الأدوات.

وهذا الفارق مهم في حسابات السياسة الخارجية.

فالدولة التي تعتمد على الخارج في السلاح تمتلك قدرة محدودة على المناورة السياسية عندما تتعارض مصالحها مع مصالح مورديها.

أما الدولة التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، فإن هامش استقلال قرارها يصبح أوسع.

رابعا: القوة ليست في امتلاك السيف فقط

لكن العبارة التركية تصبح أكثر عمقا إذا توقفنا عند الجزء الثاني منها.

«السيف لمن يحسن حمله».

امتلاك القوة لا يعني استخدامها في كل مناسبة.

بل إن أحد أهم عناصر القوة هو أن يدرك الخصم أنك تستطيع استخدامها، دون أن تضطر إلى استخدامها بالفعل.

وهنا تبرز الدبلوماسية التركية في السنوات الأخيرة باعتبارها محاولة للجمع بين الردع والتفاوض.

فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها حافظت في الوقت نفسه على قنوات اتصال وثيقة مع روسيا.

وتتفاوض مع الولايات المتحدة حول ملفات دفاعية حساسة، من بينها قضية مقاتلات F-35، بينما تستمر في تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية. وفي يوليو/تموز 2026، قال أردوغان إنه يتوقع قرارا إيجابيا بشأن ملف F-35، فيما وصفت مصادر تركية المفاوضات المتعلقة بالملف والعقوبات المرتبطة به بأنها أصبحت أقرب إلى الحل.

وفي الوقت نفسه، لا تتعامل أنقرة مع موسكو بمنطق القطيعة الشاملة، بل تحافظ على علاقة معقدة تجمع المنافسة والتعاون في ملفات متعددة.

كما تواصل تركيا التحرك في ملفات الشرق الأوسط، مع محاولة الحفاظ على دور الوسيط والقوة الإقليمية في الوقت نفسه.

هذه السياسة يمكن تلخيصها بمبدأ بسيط:

أن تكون قادرا على استخدام القوة، لكن لا تجعل استخدامها هو الخيار الوحيد أمامك.

خامسا: اتفاق مكة — عندما تتحول القوة الوطنية إلى شبكة إقليمية

أحد أبرز التطورات التي تجعل قراءة العبارة أكثر أهمية في اللحظة الراهنة هو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الذي وقع في 7 أغسطس/آب 2026.

ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، إلى جانب تعزيز التعاون في المجالات الدفاعية.

وتكتسب الخطوة أهميتها من طبيعة الدول الثلاث:

تركيا تمتلك جيشا كبيرا وخبرة عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة.

باكستان تمتلك خبرة عسكرية وقدرات استراتيجية ونووية.

السعودية تمتلك ثقلا اقتصاديا وماليا ونفوذا سياسيا واسعا في العالم العربي والإسلامي.

وبالتالي، فإن التعاون بينها لا يمثل مجرد اتفاق دفاعي تقليدي، بل يمكن أن يقرأ باعتباره محاولة لبناء طبقة جديدة من الأمن الإقليمي في ظل التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط.

والأهم أن الاتفاق لا يقتصر على مبدأ الدفاع المشترك، بل يتضمن توجهات لتطوير التعاون الدفاعي والتدريبات المشتركة والتكنولوجيا والصناعات العسكرية، مع حديث تركي عن إمكانية توسيع الإطار ليشمل دولا أخرى.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك «السيف» واستخدامه منفردا، وبين استخدام القوة لبناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية.

سادسا: تركيا بين الغرب والشرق

المشهد التركي الحالي لا يمكن اختزاله في الانحياز إلى محور واحد.

فأنقرة لا تزال دولة عضوا في الناتو، وتواصل التفاوض مع واشنطن في ملفات استراتيجية، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها مع موسكو، وتعمق شراكاتها مع دول الخليج وآسيا، وتتحرك في الشرق الأوسط بقدر أكبر من الاستقلالية.

وفي الملف الإيراني، على سبيل المثال، أظهر أردوغان في أغسطس/آب 2026 تمسكا بالدبلوماسية والحوار، ودعا واشنطن وطهران إلى العودة إلى المفاوضات، مؤكدا استعداد تركيا للمساهمة في جهود التهدئة.

هذه السياسة تعكس مفهوما مختلفا عن التحالف التقليدي.

فتركيا لا تبدو راغبة في التخلي عن تحالفاتها الغربية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تكون حركتها الدولية محصورة داخلها.

إنها تحاول توسيع هامش المناورة.

وهنا تصبح القوة وسيلة لزيادة الخيارات السياسية، لا مجرد وسيلة لشن الحروب.

سابعا: من القوة الوطنية إلى التأثير في النظام الإقليمي

يمكن النظر إلى التحول التركي خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية من خلال ثلاث مراحل مترابطة:

المرحلة الأولى: استعادة القدرة على إدارة الدولة.

وفيها كان التركيز على الاقتصاد والاستقرار والإصلاح المؤسسي والبنية التحتية.

المرحلة الثانية: بناء أدوات القوة.

وفيها توسعت القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والاستخبارات والقدرة الاقتصادية على دعم السياسة الخارجية.

المرحلة الثالثة: تحويل القوة إلى نفوذ.

وهنا لم تعد المسألة مجرد امتلاك جيش قوي أو صناعة دفاعية متقدمة، بل بناء علاقات وشراكات وشبكات مصالح تسمح لتركيا بأن تكون طرفا حاضرا في ملفات تتجاوز حدودها الجغرافية.

واتفاق مكة مثال مهم على هذه المرحلة؛ إذ ينقل التعاون من العلاقات الثنائية المتفرقة إلى إطار دفاعي ثلاثي أكثر تنظيما.

ثامنا: هل تنجح المعادلة؟

مع ذلك، فإن القراءة المهنية للتجربة التركية تقتضي عدم تحويلها إلى قصة نجاح مكتملة أو نموذج بلا كلفة.

تركيا لا تزال تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، وتوترات سياسية داخلية، وضغوطا جيوسياسية، وملفات شائكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران وإسرائيل، فضلا عن التحديات المرتبطة بالاقتصاد العالمي والإقليم المضطرب.

كما أن امتلاك قوة عسكرية وصناعية متقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها بصورة تلقائية إلى نفوذ سياسي مستدام.

فالنفوذ يحتاج إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات فعالة، واستقرار داخلي، وشبكات تحالف، ومرونة دبلوماسية، وقدرة على إدارة التناقضات.

وهذه هي النقطة التي تجعل عبارة أردوغان أكثر إثارة للاهتمام من مجرد كونها حكمة بلاغية.

الخلاصة: «الأمر» أولا… ثم «السيف»

إذا أردنا اختزال التجربة التركية خلال ربع قرن في معادلة تحليلية، فقد تكون على النحو الآتي:

إدارة الدولة → بناء الاقتصاد → بناء المؤسسات → بناء القوة → تحويل القوة إلى نفوذ.

وهذا هو المعنى المحتمل لعبارة:

«الأمر لمن يعرفه، والسيف لمن يحسن حمله».

فالوصول إلى السلطة كان بداية الطريق، وليس نهايته.

ثم جاء بناء القدرة على إدارة الدولة.

وبعدها جاء بناء أدوات القوة.

ثم بدأت محاولة توظيف هذه القوة في السياسة الخارجية، ليس بالضرورة من خلال المواجهة العسكرية، وإنما من خلال توسيع مساحة الخيارات أمام الدولة.

وفي هذا السياق يمكن فهم السلوك التركي الحالي: التفاوض مع واشنطن دون التخلي عن الاستقلالية، الحفاظ على قنوات مع موسكو، بناء شراكات دفاعية مع السعودية وباكستان، توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة، والمشاركة في أزمات الشرق الأوسط باعتبار تركيا طرفا يمتلك مصالح وقدرات، لا مجرد مراقب للأحداث.

لكن المرحلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي.

فالسؤال لم يعد: هل تمتلك تركيا السيف؟

الأرقام تشير بوضوح إلى أنها أصبحت تمتلك أدوات قوة عسكرية وصناعية متقدمة بصورة أكبر بكثير مما كانت عليه عام 2002.

السؤال الأصعب هو:

هل تستطيع تركيا أن تحمل هذا السيف دون أن يستنزفها؟ وأن تستخدمه دون أن يتحول إلى عبء؟ وأن توظف قوتها في بناء شبكة نفوذ طويلة الأمد بدل تحويلها إلى صراعات مفتوحة؟

هنا تحديدا ستتحدد قيمة المرحلة القادمة من التجربة التركية.

فالقوة الحقيقية ليست في أن تستطيع الدولة أن تضرب، وإنما في أن تجعل الآخرين يحسبون حساب قدرتها على الضرب، بينما تظل هي قادرة على الجلوس إلى الطاولة والتفاوض.

وهذا، في جوهره، هو الفارق بين امتلاك القوة وحسن إدارة القوة.

وربما لهذا تبدو عبارة أردوغان، بعد خمسة وعشرين عاما من تجربة الحكم، أقل شبها بالحكمة العابرة وأكثر شبها بمحاولة لتلخيص فلسفة سياسية كاملة:

الأمر لمن يعرفه… والسيف لمن يحسن حمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top