شركة الرئيس التنفيذي السابق لتويتر تصل إلى تقييم ملياري دولار وتراهن على عالم يصبح فيه الذكاء الاصطناعي المستخدم الأكبر للشبكة
حين استحوذ إيلون ماسك على تويتر في أكتوبر/تشرين الأول 2022 وأقال كبار مسؤولي الشركة، بدا أن اسم باراغ أغراوال، الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك، قد خرج من دائرة الضوء في واحدة من أكثر عمليات الاستحواذ إثارة في تاريخ وادي السيليكون.
لكن بعد سنوات قليلة، يعود أغراوال اليوم إلى عالم التقنية من بوابة مختلفة تماما.
ليس بشبكة اجتماعية جديدة، ولا بمنافس مباشر لـChatGPT، بل بمشروع يقوم على رهان أكبر:
“أن المستخدم الأكثر نشاطا على الإنترنت في المستقبل قد لا يكون الإنسان، بل الذكاء الاصطناعي نفسه.”
هذا هو الرهان الذي تقف عليه شركة “Parallel Web Systems”، الناشئة التي أسسها أغراوال، والتي وصلت في عام 2026 إلى تقييم بلغ نحو ملياري دولار بعد جولة تمويل جديدة بقيمة 100 مليون دولار، في مؤشر على الاهتمام المتزايد بالبنية التحتية التي ستدعم الجيل القادم من وكلاء الذكاء الاصطناعي. ([TechCrunch][1])
ليسChatGPT جديدا.. فما الذي يبنيه أغراوال؟
انتشرت مؤخرا منشورات مثيرة تزعم أن باراغ أغراوال يعمل على نموذج ذكاء اصطناعيأسرع تعلما وأقل استهلاكا للطاقة، بل إن بعضها ذهب إلى حد الادعاء بأن مشروعه قادر على التفوق على ChatGPT.
لكن المعلومات المتاحة عن Parallel تشير إلى قصة مختلفة.
الشركة لا تقدم نفسها باعتبارها مطورة لنموذج لغوي عملاق ينافس نماذج OpenAI أو Anthropic أو Google، بل تعمل على بناء “بنية تحتية تمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى الإنترنت والبحث فيه واستخدام المعلومات الموجودة عليه بكفاءة أكبر”.
بعبارة أبسط: إذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي هوالعقل، فإن شركات مثل Parallel تحاول بناء جزء من “الجهاز العصبي الذي يربط هذا العقل بالعالم المفتوح على الإنترنت”.
وتوفر الشركة أدوات وواجهات برمجية تسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بالبحث في محتوى الويب في الوقت الفعلي، والوصول إلى المعلومات اللازمة لتنفيذ مهام معقدة، مثل البحث القانوني، وتحليل البيانات، وتقييم المخاطر، ومعالجة المطالبات التأمينية وغيرها من الأعمال التي تتطلب جمع معلومات من مصادر متعددة. ([Reuters][2])
الرهان الكبير: وكلاء الذكاء الاصطناعي سيستخدمون الإنترنت أكثر من البشر
الفكرة المركزية التي يبني عليها أغراوال مشروعه أكثر جرأة من مجرد تطوير محرك بحث جديد.
يرى مؤسس Parallel أن “وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يستخدمون الويب بمعدلات تفوق الاستخدام البشري بأضعاف هائلة”.
فبدلا من أن يجلس الإنسان أمام الشاشة ليبحث بنفسه، ويفتح عشرات المواقع، ويقارن المعلومات، ثم يتخذ قرارا، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي أن يقوم بهذه العملية في الخلفية خلال وقت قصير.
يمكن أن تطلب منه مثلا:
* البحث عن أفضل خيارات التأمين.
* تحليل عشرات العقود القانونية.
* مقارنة آلاف المنتجات.
* دراسة الأسواق والمنافسين.
* جمع المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار استثماري.
* البحث داخل مواقع حكومية وقواعد بيانات ومصادر متعددة.
وفي هذا السيناريو، لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة، بل “مستخدما فعليا للإنترنت، يبحث ويتصفح ويجمع ويحلل المعلومات نيابة عن الإنسان”.
وقد صرح أغراوال بأن الرهان الذي قامت عليه الشركة منذ تأسيسها هو أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيستخدمون الويب على نطاق أكبر بكثير من البشر، وهو ما يتطلب تقنيات ونماذج اقتصادية جديدة للإنترنت. ([LinkedIn][3])
منويب للبشر إلىويب للآلات
منذ ظهور الإنترنت، كانت معظم المواقع مصممة أساسا للبشر.
صفحات.
روابط.
أزرار.
إعلانات.
قوائم.
ومحركات بحث تساعد الإنسان على الوصول إلى المعلومات.
لكن صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي يطرح سؤالا جديدا: “ماذا لو أصبح المستخدم الأساسي للإنترنت ليس الإنسان، بل برنامج ذكاء اصطناعي؟”
هنا تبدأ أهمية الشركات التي تبني ما يمكن وصفه بـ«البنية التحتية للويب الوكيلي أو “Agentic Web”.
فالوكيل الذكي يحتاج إلى الوصول إلى المعلومات بسرعة، وفهم المحتوى، وتحديد المصادر المناسبة، والتعامل مع كم هائل من البيانات دون أن يضيع في الفوضى التي صممت أساسا لتصفح الإنسان.
ولهذا تراهن Parallel على أن الإنترنت في شكله الحالي يحتاج إلى طبقة جديدة من الأدوات والخدمات، تجعل الوصول إلى المعلومات أكثر ملاءمة للآلات الذكية.
وتتحدث الشركة أيضا عن نماذج جديدة يمكن أن تمنح أصحاب المحتوى قدرة أكبر على فهم كيفية استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لموادهم، والمشاركة في الاقتصاد الجديد الذي قد ينشأ حول استخدام المحتوى بواسطة هذه الأنظمة. ([PR Newswire][4])
لماذا ضخ المستثمرون مئات الملايين؟
في أبريل/نيسان 2026، أعلنت Parallel جمع 100 مليون دولار في جولة Series B رفعت تقييمها إلى ملياري دولار، بعد أشهر قليلة من جولة تمويل سابقة بقيمة 100 مليون دولار.
وشاركت في الاستثمار أسماء بارزة في عالم رأس المال الجريء، من بينها Sequoia Capital وKleiner Perkins وIndex Ventures وKhosla Ventures، في إشارة إلى أن المستثمرين يرون سوقا كبيرا يتشكل حول وكلاء الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التي يحتاجون إليها. ([TechCrunch][1])
والسبب لا يتعلق بباراغ أغراوال وحده أو بماضيه في تويتر.
بل بتحول أوسع يحدث في صناعة الذكاء الاصطناعي.
فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول سؤال:
“من يملك أقوى نموذج لغوي؟”
بل بدأت تنتقل إلى أسئلة أخرى:
* من يملك أفضل وكلاء ذكاء اصطناعي؟
* من يستطيع جعلهم يعملون لساعات أو أيام في مهام معقدة؟
* من يمنحهم وصولا آمنا وفعالا إلى الإنترنت؟
* ومن يملك البنية التحتية التي تجعل هذه الأنظمة قادرة على العمل على نطاق واسع؟
وهنا تحاول Parallel أن تحجز لنفسها موقعا في واحدة من أكثر طبقات هذا الاقتصاد أهمية.
هل يمثل المشروع تهديدا لـChatGPT؟
الإجابة الدقيقة: “ليس بالمعنى الذي تصوره المنشورات المنتشرة”.
لا توجد أدلة موثوقة على أن Parallel طورت نموذجا يتفوق على ChatGPT أو على النماذج اللغوية الكبرى الأخرى، لكن هذا لا يعني أن المشروع غير مهم.
على العكس، قد يكون السؤال نفسه خاطئا.
فبدلا من التفكير في Parallel باعتبارها منافسا لـChatGPT، ربما يكون الأدق النظر إليها باعتبارها شركة تحاول بناء “الأدوات التي قد تحتاج إليها آلاف نماذج الذكاء الاصطناعي ووكلائه في المستقبل”.
وفي عالم تتحول فيه برامج الذكاء الاصطناعي من مجرد روبوتات للدردشة إلى وكلاء قادرين على تنفيذ المهام، قد تصبح القدرة على الوصول إلى الإنترنت بكفاءة ودقة ميزة لا تقل أهمية عن قوة النموذج نفسه.
الإنترنت يدخل مرحلة جديدة
التحول نحو وكلاء الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة نظرية.
شركات التكنولوجيا الكبرى تعمل بالفعل على تطوير أنظمة تستطيع تنفيذ مهام متعددة بصورة أكثر استقلالية، بينما تتزايد الاستثمارات في البنية التحتية التي تسمح لهذه الوكلاء بالبحث والتنقل والعمل عبر الإنترنت.
ومع هذا التحول تظهر تحديات جديدة أيضا.
كيف يمكن حماية المواقع والبيانات؟
من المسؤول عندما يتخذ وكيل ذكاء اصطناعي قرارا خاطئا؟
كيف يحصل أصحاب المحتوى على مقابل عندما تستخدم الآلات أعمالهم؟
وكيف يمكن منع ملايين الوكلاء من إغراق الإنترنت بطلبات البحث والتصفح؟
هذه الأسئلة قد تحدد شكل الإنترنت في السنوات المقبلة.
لهذا فإن قصة باراغ أغراوال ليست قصة رجل طور ذكاء اصطناعيا خارقا تفوق على ChatGPT، كما تروج بعض المنشورات؛ إنها قصة مختلفة، وربما أكثر أهمية:
“رجل كان يدير واحدة من أكبر منصات التواصل الاجتماعي في العالم، ويعود اليوم ليشارك في الرهان على شكل الإنترنت نفسه عندما يصبح مستخدموه الجدد… آلات ذكية.”
الخلاصة
بعد إقالته من تويتر، لم يختف باراغ أغراوال من وادي السيليكون.
بل انتقل إلى واحدة من أكثر ساحات التكنولوجيا إثارة في السنوات المقبلة: “البنية التحتية لوكلاء الذكاء الاصطناعي”.
ولا يوجد دليل حتى الآن على أن شركته طورت نموذجا يتفوق على ChatGPT أو أنها صنعت ذكاء اصطناعيامستحيل الإيقاف.
لكن الرهان الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك بكثير.
فإذا تحقق توقع أغراوال بأن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيصبحون مستخدمين رئيسيين للإنترنت، فإن الشركات التي تبني الطرق التي ستسير عليها هذه الوكلاء قد تصبح من أهم شركات التكنولوجيا في العقد المقبل.
والسؤال لم يعد فقط:
“من سيصنع أذكى ذكاء اصطناعي؟”
بل ربما أصبح:
“من سيبني الإنترنت الذي سيعيش ويعمل فيه الذكاء الاصطناعي؟”

