مقدمة
من أكثر الآيات دلالة على طبيعة القرآن ووظيفته قوله تعالى في مطلع سورة الكهف:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الكهف: 1-2]
تبدو الآية للوهلة الأولى وكأنها تصف القرآن بعبارتين متقاربتين: لا عوج فيه، وهو قيّم.
لكن التأمل في ألفاظ القرآن، واستقراء استعمال كلمتي العوج والقيّم في سياقات أخرى، يكشف أن الأمر أعمق من مجرد مقابلة بين كلمتين متضادتين.
فالقرآن لا يكتفي بنفي العوج عن نفسه، وإنما يثبت لنفسه في المقابل صفة القيومية والاستقامة والقدرة على التقويم والإصلاح.
ومن هنا يمكن أن يكون السؤال المركزي:
لماذا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ثم أتبعها بقوله: ﴿قَيِّمًا﴾؟ وما الفرق بين الوصفين؟ وهل بينهما علاقة بمفاهيم الاستقامة والميزان والقسط التي تشكل جانبا مهما من الرؤية القرآنية للإنسان والحياة؟.
أولا: ما معنى العوج في القرآن؟
العوج من الجذر العربي ع و ج، وأصل معناه يدل على الميل والانحراف عن الاستقامة.
ومن هذا الأصل الحسي نشأت استعمالات معنوية متعددة، فيقال: عوج في الطريق، وعوج في الرأي، وعوج في الأمر، أي خروج عن المسار المستقيم أو اختلال في بنيته واتجاهه.
ولهذا فإن العوج أوسع من مجرد الخطأ.
فالخطأ قد يكون واقعة جزئية أو حكما غير صحيح، أما العوج فيوحي بوجود ميل عن المسار المستقيم أو اختلال في الاتجاه.
وهذا المعنى يزداد وضوحا عند النظر في استعمال القرآن للكلمة.
فالله تعالى يقول:﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
أي أنهم لا يكتفون بمخالفة سبيل الله، وإنما يريدون أن يجعلوا هذا السبيل نفسه يبدو منحرفا أو أن يُدخلوا عليه الانحراف.
ويقول تعالى:﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾[الزمر: 28]
فهنا ينتقل العوج من الاستعمال الحسي إلى وصف النص نفسه: القرآن ليس ذا انحراف ولا اضطراب ولا اختلال في هدايته ومعانيه.
ثانيا: أين ورد العوج في القرآن؟
وردت مادة ع و ج في القرآن في سياقات تكشف تنوع الدلالة مع بقاء المعنى المركزي، وهو الميل والانحراف عن الاستقامة.
ومن أبرز مواضعها قوله تعالى في ال عمران 99:﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
وقوله في الاعراف 45: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
وقوله في الاعراف 86: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
ويتكرر هذا المعنى في سورة هود 19: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
وفي سورة إبراهيم 3:﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
ثم يأتي في سورة الكهف: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾
وفي سورة طه 107:﴿لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾
ويقول سبحانه طه: 108: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾
ثم يعود القرآن في سورة الزمر إلى وصفه لنفسه:﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾
ومن مجموع هذه المواضع يتبين أن العوج في القرآن يمكن أن يرتبط بالطريق، والدين، والاتباع، والأرض، والنص، وأن الجامع بينها هو اختلال الاستقامة أو الميل عن الوضع الصحيح.
ثالثا: العوج ليس مجرد خطأ
هذه النقطة مهمة لفهم الآية في سورة الكهف.
لو كان المقصود مجرد نفي الأخطاء عن القرآن، لكان من الممكن التعبير بألفاظ أخرى مثل نفي الخطأ أو الباطل أو الاختلاف؛ لكن اختيار كلمة العوج يحمل معنى أكثر تركيبا.
العوج هو أن يكون هناك ميل في المسار؛ وقد يكون هذا الميل:
- ميلا في الطريق.
- ميلا في التصور.
- ميلا في الحكم.
- ميلا في المنهج.
- ميلا في العلاقة بين الإنسان وربه.
- ميلا في فهم الحق.
- ميلا في ميزان القيم.
ولهذا جاء وصف القرآن بأنه غير ذي عوج وصفا بالغ الدقة؛ لأنه لا ينفي عنه مجرد وقوع الأخطاء الجزئية، وإنما ينفي عنه أن يكون في بنيته أو هدايته انحراف عن الاستقامة التي أنزله الله من أجلها.
رابعا: ما معنى «قيّمًا»؟
بعد أن قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾
قال: ﴿قَيِّمًا﴾
والكلمة من الجذر ق و م، وهو من أكثر الجذور حضورًا في البناء الدلالي للقرآن.
ومن هذا الجذر: قام، يقوم، أقام، استقام، مستقيم، أقوم، قيّم، قيوم، قيام، تقويم.
والأصل في «قام» يدل على الانتصاب والوقوف، ثم اتسعت دلالته في العربية ليشمل الثبات، وتولي الأمر، ورعايته، وإصلاحه، والقيام عليه.
ولهذا فإن تفسير «قيّم» بأنه مستقيم صحيح من جهة، لكنه لا يستوعب جميع دلالات الكلمة.
فالكتاب القيّم هو كتاب: مستقيم في ذاته، ثابت في منهجه، قائم بالحق، ومُقوِّم لما ينحرف عن الحق.
وهذا الاتساع في المعنى هو الذي يجعل اختيار كلمة «قيّمًا» في الآية بالغ الأهمية.
خامسا: «قيّمًا» بين الاستقامة والتقويم
من أبرز ما ذكره المفسرون في معنى «قيّمًا» أنه مستقيم لا اختلاف فيه ولا تفاوت.
وهذا ينسجم مع قوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء: 82]
فالقرآن لا عوج فيه؛ أي لا اضطراب في أصله ولا تناقض يضرب بنيته ولا اختلال في هدايته.
لكن «قيّمًا» تضيف معنى آخر.
فالقرآن ليس فقط مستقيما، وإنما هو مُقوِّم.
وهنا ينتقل الوصف من الحديث عن القرآن في ذاته إلى الحديث عن وظيفته في حياة الإنسان.
يمكن التعبير عن ذلك بهذه العبارة: القرآن مستقيم في ذاته، ومُقوِّم لغيره.
وهذه ليست مجرد مقابلة لفظية، بل تكشف انتقئلا من سلامة المصدر والمنهج إلى فاعليته في إصلاح الإنسان والحياة.
سادسا: هل «قيّمًا» مجرد تأكيد لقوله «لم يجعل له عوجًا»؟
ذهب عدد من المفسرين إلى أن «قيّمًا» تحمل معنى الاستقامة، فهي تؤكد نفي العوج.
وهذا صحيح من جهة الدلالة فحين تقول: هذا الطريق لا اعوجاج فيه.
ثم تقول: إنه طريق مستقيم.
فأنت تنفي العيب أولًا، ثم تثبت الصفة المقابلة له.
لكن السياق القرآني يسمح بفهم أوسع؛ فلو كان المقصود مجرد التأكيد على أن القرآن مستقيم، لكان وصفه بـ«مستقيم» يؤدي جزءا كبيرا من المعنى؛ أما «قيّم» فتنتمي إلى عائلة لغوية واسعة ترتبط بـ: القيام، والإقامة، والاستقامة، والتقويم، والقوام.
وهذا يفتح أمامنا معنى آخر: الكتاب الذي لا عوج فيه هو نفسه الكتاب الذي يستطيع أن يقيم ما اعوجّ، وهنا تصبح العلاقة بين الكلمتين أكثر عمقا: نفي العوج عن القرآن؛ يؤهله لأن يكون قيّمًا على الإنسان والحياة.
سابعا: القرآن «غير ذي عوج» و«يهدي للتي هي أقوم»
إذا أردنا البحث عن مفتاح قرآني يفسر «قيّمًا»، فإن سورة الإسراء تقدم لنا آية شديدة الأهمية: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء: 9]
لاحظ العلاقة بين الكلمات:عوج، استقامة، أقوم.
فالقرآن لا يكتفي بأن يكون مستقيما، وإنما يهدي إلى ما هو أقوم.
و«أقوم» من الجذر نفسه: ق و م.
فالمعنى القرآني لا يتوقف عند إزالة الانحراف، بل يتجه نحو الوصول إلى الصورة الأقوم والأصلح والأعدل؛ وهذا يجعل وظيفة القرآن أكبر من مجرد تصحيح الأخطاء: إنه ينقل الإنسان من العوج إلى الاستقامة، ومن الاستقامة إلى ما هو أقوم.
ثامنا: «الدين القيّم» في القرآن
لا تقتصر صفة «القيّم» على الكتاب في سورة الكهف، بل نجدها في وصف الدين.
قال تعالى:﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161]
وقال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[التوبة: 36]
وقال جل جلاله:﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[يوسف: 40]
وقال جل شأنه:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾[الروم: 30]
وهنا نرى بوضوح العلاقة بين:الاستقامة، والقيام، والإقامة، والقيّم.
فالدين القيّم ليس دينا صحيحا في ذاته فقط، بل دينا قادرا على إقامة حياة الإنسان على أساس صحيح.
تاسعا: من «القيّم» إلى «القسط»
تزداد الصورة عمقا عندما ننتقل إلى سورة الحديد قال تعالى في الآية 25:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
هنا نجد سلسلة من المفاهيم: الرسل، البينات، الكتاب، الميزان، قيام الناس، القسط.
وفي سورة الكهف: الكتاب، لا عوج فيه، قيّمًا، الإنذار والبشارة.
وفي سورة الإسراء: القرآن، يهدي، للتي هي أقوم.
هذه الآيات لا تعطي تطابقا اصطلاحيا بين الكلمات، لكنها تكشف عن حقل دلالي قرآني متماسك يدور حول الاستقامة والقيام والتقويم والعدل؛ فالقرآن ليس كتابا يقدم معلومات مجردة، وإنما كتاب يرتبط بإقامة الإنسان على الحق.
عاشرا: ما علاقة «العوج» بالميزان؟
العوج في أبسط صوره هو ميل؛ والميزان وظيفته الأساسية أن يكشف الميل عن الاعتدال.
ولهذا فإن مفهومي العوج والميزان يلتقيان عند فكرة الاستقامة، وإن لم يكونا مترادفين.
يمكن تصور العلاقة هكذا:
العوج = الميل عن الاعتدال
الميزان = معيار كشف الميل وضبطه
التقويم = إعادة الشيء إلى الاستقامة
القسط = تحقق العدل والاعتدال في التعامل
ومن هنا يصبح الربط بين «قيّمًا» و«الميزان» ذا دلالة مهمة؛ فالكتاب القيّم يقدم للإنسان مرجعية تقوِّم نظرته إلى الأشياء، وتكشف له مواطن الانحراف، وتوجهه نحو ما هو أقوم.
الحادي عشر: العوج والأمت في سورة طه
قال الله تعالى:﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا…﴾
وفي وصف الأرض بعد زوال الجبال يقول سبحانه:﴿لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾
ذكر المفسرون في معنى «الأمت» الارتفاع أو النتوء، وفي «العوج» الانخفاض أو الاختلال.
فتصبح الصورة القرآنية للأرض: لا انخفاض ولا ارتفاع، ولا اختلال ولا نتوء؛ أرض مستوية لا عوج فيها.
وهذه الصورة الحسية تساعدنا على فهم الاستعمال المعنوي، فالشيء المستقيم هو الذي لا يميل أحد جانبيه عن الآخر، ولا يختل فيه التوازن؛ ومن هنا يقترب مفهوم الاستقامة من مفهوم الاعتدال والتوازن.
الثاني عشر: العوج في «سبيل الله»
من أكثر الاستعمالات القرآنية للعوج دلالة قوله تعالى:﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، فالسياق هنا يكشف أمرا بالغ الأهمية: الانحراف ليس دائما مجرد وقوع الإنسان في الخطأ، أحيانا يسعى الإنسان إلى إحداث الانحراف في الطريق نفسه، أي أنه يحاول إعادة تعريف الطريق المستقيم بحيث يبدو المنحرف مستقيما، أو المستقيم منحرفا، وهنا يصبح القرآن، بوصفه «قيّمًا»، معيارًا لاستعادة الاستقامة، وهذا يفسر أهمية قوله تعالى:﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى معلومات، وإنما يحتاج إلى معيار يستطيع به التمييز بين الطريق المستقيم والطريق الذي أريد له أن يبدو مستقيما وهو معوج.
الثالث عشر: لماذا قال «لم يجعل له عوجًا»؟
في قوله:﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾إسناد الفعل إلى الله تعالى مهم جدا.
فالقرآن كتاب أنزله الله على عبده، ولم يجعل فيه عوجا، أي أن استقامته ليست نتيجة محاولة بشرية لتنقيح نص أو تصحيح أخطائه، وإنما هي جزء من طبيعته بوصفه وحيا منزلا من الله.
ثم يأتي وصفه:﴿قَيِّمًا﴾ليبين أن هذا الكتاب المستقيم ليس نصا معزولا عن الحياة، بل يحمل قدرة هادية ومقوِّمة.
الرابع عشر: بين «العوج» و«الاختلاف»
هناك رابط آخر مهم في القرآن. قال تعالى:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء: 82]
وهذا ينسجم مع تفسير «قيّمًا» بأنه كتاب لا اختلاف فيه ولا تفاوت، فالاستقامة هنا ليست مجرد استقامة أخلاقية، وإنما تشمل تماسك المنظومة القرآنية واتساقها الداخلي، فالكتاب الذي يتعارض بعضه مع بعض، أو تتناقض أصوله، لا يمكن أن يكون «قيّمًا» بهذا المعنى.
ولهذا يجتمع في القرآن: عدم العوج، وعدم الاختلاف، والهداية إلى ما هو أقوم.
الخامس عشر: من سلامة النص إلى إصلاح الإنسان
يمكن أن نفهم ترتيب الآية على النحو الآتي:﴿أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾هذا هو المصدر.
ثم:﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾هذه سلامة الكتاب من الانحراف.
ثم: ﴿قَيِّمًا﴾هذه قدرته على إقامة الحق وتقويم الحياة.
ثم:﴿لِيُنْذِرَ… وَيُبَشِّرَ﴾هذه وظيفته تجاه الإنسان.
وبذلك يتحول السياق من: الوحي
إلى: سلامة الوحي
إلى: قيوميته ووظيفته الإصلاحية
إلى: أثره في الإنسان.
وهذه بنية شديدة الدقة في افتتاح السورة.
السادس عشر: القرآن لا يكتفي بإزالة العوج
يمكن أن نميز هنا بين مرحلتين: المرحلة الأولى: إزالة الانحراف﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾
أي لا عوج في الكتاب.
المرحلة الثانية: بناء الاستقامة﴿قَيِّمًا﴾فالغاية ليست أن يظل الإنسان في حالة «عدم الخطأ» فقط، وإنما أن يمتلك منظومة تقيم حياته على الحق، ولهذا كان القرآن: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
أي إنه لا يكتفي بأن يقول للإنسان: لا تفعل الخطأ، بل يرشده إلى الصورة الأقوم للحياة والفكر والسلوك.
السابع عشر: من «العوج» إلى «التقويم»
إذا جمعنا ألفاظ الجذرين: “ع و ج” و “ق و م” ظهرت لنا مقابلة دلالية بالغة الثراء:
العوج = ميل.
الاستقامة = عدم الميل.
التقويم = معالجة الميل.
القيام = الثبات والاستقرار.
الإقامة = جعل الشيء قائما.
الأقوم = بلوغ درجة أعلى من الاستقامة.
القيّم = القائم على الشيء والمصلح له.
ومن هنا يمكن أن نفهم «قيّمًا» باعتبارها أكثر من وصف للقرآن بأنه «مستقيم»، إنها تشير إلى كتاب يمتلك خاصية التقويم والإقامة والهداية إلى الأقوم.
الثامن عشر: هل يمكن القول إن القرآن «ميزان»؟
ينبغي هنا قدر من الدقة، القرآن يصرح بأن الله أنزل: ﴿الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، لكن لا ينبغي اختزال الكتاب والميزان في مفهوم واحد دون دليل، مع ذلك، فإن بينهما علاقة وظيفية واضحة في بناء الهداية والعدل؛ فالميزان يكشف الانحراف عن الاعتدال، والكتاب يبين للإنسان الحق الذي ينبغي أن يقيم حياته عليه، وفي الآية نفسها:﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وهذا التعبير بالغ الأهمية: يقوم الناس بالقسط؛ فالمقصود النهائي ليس مجرد امتلاك كتاب أو ميزان، وإنما قيام الإنسان بالعدل؛ وهنا تلتقي مفاهيم:
الكتاب – القيّم – الاستقامة – الميزان – القسط – القيام.
التاسع عشر: قراءة خاصة لسورة الكهف
إذا انتقلنا من الآية الأولى إلى بنية سورة الكهف كلها، يمكن أن نلاحظ أن السورة تعرض نماذج متعددة من الاختبارات التي تهدد استقامة الإنسان:
-فتنة الدين في قصة أصحاب الكهف.
-فتنة المال في قصة صاحب الجنتين.
-فتنة العلم في قصة موسى والخضر.
-فتنة السلطة والقوة في قصة ذي القرنين.
وهذه القراءة لا تعني أن السورة تختزل في هذه العناوين وحدها، لكنها تكشف عن وحدة موضوعية مهمة: الإنسان يواجه أشكالا متعددة من الفتن التي يمكن أن تحدث خللا في رؤيته للحق ولذاته وللعالم، وفي مقدمة هذه السورة يأتي القرآن: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾، وكأن السورة تقدم منذ البداية المرجعية التي ينبغي للإنسان أن يعود إليها حين تتعدد عليه طرق الانحراف، إنها قراءة تدبرية لبنية السورة، وليست تفسيرا حصريا لها.
العشرون: من العوج إلى الاستقامة الحضارية
إذا وسعنا الدائرة قليلا، فإن «العوج» لا يعود مفهوما فرديا فقط؛ فالانحراف يمكن أن يصيب:
- الإنسان.
- الأسرة.
- المجتمع.
- المعرفة.
- الاقتصاد.
- السلطة.
- منظومة القيم.
- علاقة الإنسان بالطبيعة.
- تصور الإنسان عن الله والوجود.
وعندما يقدم القرآن نفسه بأنه:﴿قَيِّمًا﴾، فإن ذلك يفتح بابا لفهم وظيفته الحضارية: إقامة الإنسان على معيار يضبط علاقته بنفسه وبغيره وبالعالم؛ وهنا تتضح أهمية اقتران الكتاب في سورة الحديد بالميزان: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، فالاستقامة القرآنية ليست استقامة فردية منعزلة عن المجتمع، وإنما لها ثمرة في العدل والقسط وقيام الناس بالحق.
الحادي والعشرون: الخلاصة
يمكن تلخيص الدلالة العميقة لقوله تعالى:
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ في أن القرآن يجمع بين صفتين متكاملتين:
أولًا: السلامة من العوج
أي أنه ليس كتابا منحرفا أو مضطرا أو متناقضا، ولا يحمل في هدايته ميلا عن الحق.
ثانيا: القيومية
أي أنه ليس مجرد كتاب سالم من الخلل، بل كتاب قائم بالحق، مستقيم في ذاته، هاد إلى ما هو أقوم، وقادر على تقويم حياة الإنسان وإقامتها على أساس صحيح.
ومن هنا فإن الفرق بين الكلمتين ليس فرقا بين: «معوج» و«مستقيم» فقط.
بل يمكن أن يكون أعمق من ذلك: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: نفي الانحراف عن الكتاب؛﴿قَيِّمًا﴾: إثبات قدرته على إقامة ما يحتاج إلى تقويم؛ وهكذا ينتقل القرآن من سلامة المنهج إلى فاعلية المنهج.
خاتمة: القرآن المستقيم الذي يقيم الحياة
ربما يمكن اختزال البناء كله في جملة واحدة: القرآن لا عوج فيه، ولذلك يستطيع أن يكون قيّمًا على حياة الإنسان؛ فالعوج هو الميل عن الاستقامة، والقيّم هو ما يقوم ويقيم ويقوِّم.
ومن هنا تتصل مجموعة من المفاهيم القرآنية في بناء واحد:
العوج، الاستقامة، التقويم، القيام، القسط.
ويصبح من الممكن فهم العلاقة بين:﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾و ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾و ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾على أنها حلقات في تصور قرآني واحد:
وحيٌ لا عوج فيه، يهدي إلى ما هو أقوم، ويقيم الإنسان على القسط.
وهنا تتحول كلمة «قيّمًا» من وصف يبدو لأول وهلة مكررا لنفي العوج إلى مفتاح لفهم وظيفة القرآن في العالم:
فالكتاب المستقيم لا يكتفي بأن يكون خاليا من الانحراف؛ بل يصبح معيارا يستطيع الإنسان به أن يكتشف الانحراف، وميزانا يراجع به اختلاله، ومنهجا يستعيد به استقامته، ومرجعية يمكن أن تقوم بها الحياة على القسط.
وهذا ربما هو أحد أعمق المفاتيح لفهم افتتاح سورة الكهف:
الإنسان يعيش في عالم تتعدد فيه الفتن والانحرافات، ولذلك يبدأ القرآن السورة بتقديم نفسه باعتباره كتابا لا عوج فيه، ولكنه في الوقت نفسه «قيّم»؛ أي صالح لأن يكون مرجعا لإقامة الإنسان وتقويم مساره.
فالقرآن ليس فقط كتابا لا ينحرف؛ إنه كتاب يعيد المنحرف إلى الاستقامة.

