في أروقة واشنطن المعتمة، حيث تحاك الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأمريكية، لا ترسم الخرائط الاستراتيجية دائما في الغرف المغلقة للبنتاغون أو وزارة الخارجية، بل تتشكل في كثير من الأحيان داخل دوائر مغلقة تشتبك فيها مصالح شبكة معقدة من الفاعلين. بين النفوذ المتعاظم لجماعات الضغط (اللوبيات)، وسطوة رؤوس الأموال، وضغوط الحلفاء الإقليميين، والمصالح الشديدة الذاتية لكبار السياسيين، تتحول القرارات الكبرى في الحرب والسلام من خيارات استراتيجية تراعي المصلحة القومية للولايات المتحدة والمواطن الأمريكي، إلى نتاج مساومات شخصية وتوازنات نفوذ تعبر الأوقيانوس.
ولعل القصة الأخيرة للسيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام تقدم النموذج الأوضح لكيفية تداخل الأجندة الشخصية والدولية في عقل رجل واحد استطاع، عبر علاقاته العابرة للقارات، أن يمارس تأثيرا طاغيا على دوائر صنع القرار في البيت الأبيض والدول المجاورة.
كواليس “لعبة غراهام”: وثائقي ينبش الأسرار
بدأت الحكاية عندما أتاح غراهام للمخرج أليكس هولدر مرافقته بعين الكاميرا على مدى أشهر طويلة وثقت مئات الساعات من اللقاءات والكواليس الخاصة، ليخرج إلى النور مشروع الفيلم الوثائقي (Lindsey’s Game)، والذي كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن بعض أجزائه الحصرية. هذه التسجيلات لم تكن مجرد مذكرات لسياسي في أواخر حياته، بل كشفت نقاب الاستراتيجية التي كان يت تحريكها بعيدا عن أعين الرأي العام.
تظهر التسجيلات كيف تحول غراهام إلى مهندس حقيقي للتصعيد العسكري في الشرق الأوسط. وفي إحدى المحادثات المسجلة مع مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان، كان غراهام يضع تصورا حاسما للمواجهة؛ إذ جزم بأن العاصمة الإيرانية طهران ستفقد السيطرة على بعض مدنها خلال ثلاثة إلى أربعة أسابيع من بدء الضغط المباشر، مؤكدا أن جر دول المنطقة للخرائط العسكرية سينشئ “ديناميكية جارفة” تجعل من قرار التراجع عن الحرب أمرا مستحيلا على الإدارات الأمريكية متعاقبة.
لم يقف نفوذ غراهام عند حدود أروقة الكابيتول هيل؛ إذ وثق التقرير الصادر عن الصحيفة استقباله في تل أبيب بمراسم لا تمنح عادة لسيناتور محلي، بل لرؤساء حكومات أو ملوك. كان يتحرك بين أروقة المقرات الاستخباراتية وجهاز الموساد كشريك في القرار. وفي مفارقة دراماتيكية كشفها التقرير، تجلت النقطة التي كان فيها غراهام أكثر اندفاعا نحو التصعيد من القيادة الإسرائيلية نفسها؛ ففي مارس، كان السيناتور يتجهز للسفر إلى فلوريدا لإقناع الرئيس دونالد ترامب بإقحام واشنطن المباشر في هجوم على حزب الله في لبنان، إلا أن اتصالا هاتفيا حاسما من بنيامين نتنياهو أقنعه بالتراجع، مؤكدا أن التركيز يجب أن يظل منصبا بالكامل على إيران دون تشتيت الجبهات، ليرد غراهام بعبارته الشهيرة: “هذه نصيحة جيدة بالفعل”.
“لا يمكن أن أموت الآن”.. سباق مع الزمن
في الأسابيع الأخيرة من حياته، وبينما كان ينهكه التعب الجسدي، ظهر غراهام في التقرير وهو يصارع الوقت تحقيقا لثلاثة أهداف كبرى نصب نفسه عرابا لها:
إسقاط النظام الإيراني، إنهاء حرب أوكرانيا، وتنسيق اتفاق التاريخ للتطبيع بين السعودية وإسرائيل. كان يتردد في أعماقه هجس دائم: “لا يمكن أن أموت الآن”.
تتبعته الكاميرات حتى في لحظات غضبه وإحباطه؛ ففي مقابلة أجريت معه داخل متجر صغيرا للخبز في ولاية كارولاينا الجنوبية عقب الاتفاق التكتيكي في يونيو، أبدى غراهام تبرمه من التردد الذي أبدته بعض الأطراف داخل إدارة ترامب، بل ومن ترامب نفسه الذي رأى أنه “سمح للأمر بأن يفلت من يده”، مصمما على أن يذهب شخصيا ويقنعه بحسم المعركة.
وعندما انطلقت الضربات الأولى، خنقت غراهام العبرة أمام الكاميرات في لحظة اندفاع عاطفي وهو يخاطب فريق التصوير: “انظروا ماذا فعلنا هنا… كدت أبكي. منذ كم سنة ونحن ندفع في هذا الاتجاه؟”. ثم ينقل باحتفاء حديثه مع ترامب صباح ذلك اليوم، معتبرا إياه إنجازا تاريخيا ومرددا بابتسامة أن الرئيس “يحب تفجير الأشياء”.
لقد اختزلت رحلة غراهام الأخيرة ظاهرة الحضور الفردي المحرك للسياسة الدولية؛ سيناتور يمثل ولاية أمريكية واحدة، يقيم خطوطا ساخنة مع قادة الشرق الأوسط، ويتحكم بمسارات قرار الحرب والسلام عبر شبكة مصالح معقدة، غالبا ما تتجاوز الأولويات البسيطة للناخب الأمريكي القابع في كولومبيا أو تشارلستون.
قراءة استشرافية: إلى أين تجرف هذه التأثيرات السياسة الأمريكية؟
تطرح تسريبات “لعبة غراهام” أسئلة مصيرية حول مستقبليات السياسة الخارجية الأمريكية إذا ما استمرت ارتهاناتها لهذا النمط من التأثيرات الفردية ولعلاقات اللوبي العابرة للحدود:
- اتساع الفجوة بين “المؤسسة” و”المصلحة القومية”: إن استمرار صياغة القرارات المصيرية بناء على أوهام النفوذ والتأثيرات الشخصية يهدد بإقحام الولايات المتحدة في صراعات لا متناهية، تبدد الموارد الاقتصادية والقدرات العسكرية في حروب لا تخدم الناخب الذي يدفع الضرائب، وهو ما يعمق الانقسام الداخلي والشكوك في جدوى النظام السياسي بأسره.
- زلزال التحول لدى الناخب والشباب (تأثير حرب غزة وما بعدها): كشفت الحرب على غزة وما تلاها من أحداث إقليمية عن شرخ جيلي عميق في الداخل الأمريكي. الجيل الجديد من الناخبين (Gen Z والأجيال الشابة) لم يعد يتلقى روايات واشنطن من خلال وسائل الإعلام التقليدية أو البيانات الرسمية المؤطرة، بل بات يعتمد على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات نقل الصورة المباشرة مثل (TikTok و X).
- منصات التواصل الاجتماعي كقوة كاسرة للاحتكار: إن انتشار التحقيقات الميدانية والتسجيلات الكواليسية—مثل التسجيلات الحية لفيلم غراهام—عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ينزع الهالة السرية عن صناعة القرار. هذا الانتشار الرقمي أصبح يغير بوضوح مزاج الناخب الأمريكي؛ إذ يقدم دليلا مرئيا ساطقا على كيفية إدارة الأزمات بآلية “الصفقات المغلقة”، مما يعزز صعود التيارات التحررية والانعزالية لدى اليمين واليسار على حد سواء، ويجعل الدعم الأبيض التقليدي للحروب الخارجية عبئا انتخابيا لا يطاق.
في النهاية، يقف الشارع الأمريكي اليوم على أعتاب مرحلة إعادة تعريف لدور بلاده في العالم. وإذا ما واصلت التحقيقات الاستقصائية كشف هذه الكواليس، فإن “مزاج الناخب” قد ينقلب من موقف المستسلم للعبة النخب، إلى الفاعل الذي يحاسب صندوق الاقتراع كل من يضع مصالح اللوبيات وشبكات النفوذ فوق مصالح الشعب الأمريكي نفسه.

