من تحذيرات ملا بختيار إلى مبادرة الاتحاد الإسلامي.. رحلة استقصائية في جذور الانقسام الكردي ومستقبله
لم تكن التصريحات التي أدلى بها السياسي الكردي المخضرم ملا بختيار مجرد تعليق عابر على تعثر تشكيل حكومة إقليم كردستان، بل بدت بالنسبة إلى كثير من المراقبين بمثابة جرس إنذار غير مسبوق، حمل في طياته رسالة تتجاوز حدود الخلاف التقليدي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لتلامس مستقبل التجربة السياسية الكردية برمتها.
فحين حذر بختيار من أن استمرار الانقسام قد يدفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع الطرف الذي تعتبره ممثلا شرعيا للكرد إذا عجز الحزبان عن التوصل إلى اتفاق، لم يكن يتحدث عن أزمة حكومية عابرة، بل عن احتمال انتقال القضية الكردية إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الانقسام الداخلي عاملا مؤثرا في شكل العلاقة مع القوى الدولية، وفي موقع إقليم كردستان داخل المعادلة العراقية والإقليمية.
جاءت هذه التصريحات في وقت يعيش فيه الإقليم حالة انسداد سياسي غير مسبوقة، بعدما مضى ما يقرب من عشرين شهرا على تعثر تشكيل الحكومة الجديدة، رغم إجراء الانتخابات، واستمرار جولات التفاوض بين الحزبين الرئيسيين من دون الوصول إلى اتفاق نهائي يضع حدا لحالة الشلل السياسي والإداري التي ألقت بظلالها على مؤسسات الإقليم وأوضاعه الاقتصادية والمالية.
وقبل هذه التصريحات بأيام قليلة فقط، كانت الأنظار تتجه إلى مبادرة أطلقها الاتحاد الإسلامي الكردستاني، سعت إلى جمع الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول طاولة حوار جديدة، في محاولة لكسر الجمود الذي خيم على المشهد السياسي طوال الأشهر الماضية. وقد حظيت المبادرة باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، واعتبرها كثيرون فرصة ربما تكون الأخيرة لإعادة الثقة بين الطرفين قبل أن تتفاقم الأزمة إلى مستويات أكثر تعقيدا.
وبين تحذير يحمل نبرة القلق من المستقبل، ومبادرة تبحث عن نافذة للحل، عاد سؤال قديم ليفرض نفسه بقوة على الرأي العام داخل إقليم كردستان وخارجه:
كيف وصلت التجربة الكردية، التي كثيرا ما قدمت بوصفها أنجح تجارب الحكم الذاتي في الشرق الأوسط، إلى مرحلة تبدو فيها عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة رغم مرور كل هذا الوقت؟ وهل تكمن المشكلة في خلاف سياسي قابل للحل، أم أن الأزمة أعمق من ذلك، وتمتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي نشأ في الإقليم منذ أكثر من ثلاثة عقود؟.
ولم يعد هذا السؤال يهم المواطنين الكرد وحدهم، بل أصبح محل متابعة دقيقة في بغداد، كما يحظى باهتمام متزايد لدى العواصم الإقليمية والدولية التي تنظر إلى إقليم كردستان بوصفه شريكا أساسيا في ملفات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وفي خضم سيل الأخبار اليومية، والتصريحات المتبادلة، والمواقف الحزبية المتناقضة، يصبح من الصعب على القارئ أن يرسم صورة متكاملة لما يجري. فالأحداث المتلاحقة تكشف جانبا من المشهد، لكنها كثيرا ما تغفل جذوره التاريخية، أو تكتفي بتناول نتائجه المباشرة دون التوقف عند أسبابه البنيوية، أو ما قد يترتب عليه مستقبلا.
لهذا لا يكتفي هذا التحقيق بتتبع آخر تطورات الأزمة، بل يعود إلى محطاتها المفصلية منذ الانقسام الكبير الذي شهدته الحركة السياسية الكردية في سبعينيات القرن الماضي، مرورا بالحرب الأهلية الكردية، واتفاق واشنطن، وتجربة تقاسم السلطة بعد عام 2003، وصولا إلى الأزمة الراهنة، محاولا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي أصبحت تشغل المتابعين للشأن الكردي داخل العراق وخارجه.
هل تمثل مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني فرصة حقيقية لإنهاء الانسداد السياسي، أم أنها ستنضم إلى سلسلة المبادرات التي انتهت دون نتائج حاسمة؟ وما مدى واقعية التحذيرات التي أطلقها ملا بختيار بشأن احتمال تغير طريقة تعامل الولايات المتحدة مع القوى الكردية إذا استمر الانقسام؟ ولماذا أخفقت القوى السياسية الكردية، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس مؤسسات الإقليم، في بناء مؤسسات موحدة تتجاوز الاصطفافات الحزبية؟ ثم السؤال الأهم: هل تقف القضية الكردية اليوم أمام أزمة حكومة، أم أمام أزمة نموذج حكم يحتاج إلى مراجعة شاملة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، يعتمد هذا التحقيق على مراجعة المسار التاريخي للأزمة، وتحليل مواقف القوى السياسية، وقراءة التصريحات الرسمية، واستعراض المبادرات المطروحة، وربطها بالتحولات العراقية والإقليمية والدولية، في محاولة لتقديم صورة متكاملة تساعد القارئ على فهم واحدة من أكثر الأزمات السياسية تعقيدا في العراق والمنطقة.
الفصل الأول
جرس الإنذار… لماذا أثارت تصريحات ملا بختيار كل هذا الاهتمام؟
في الحياة السياسية الكردية، لا تقاس أهمية التصريحات دائما بما تحمله من عبارات حادة، وإنما بالشخص الذي يطلقها، وبالتوقيت الذي تصدر فيه، وبالرسائل التي تحملها بين السطور.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت التصريحات الأخيرة لملا بختيار اهتماما استثنائيا داخل الأوساط السياسية والإعلامية في العراق وإقليم كردستان، ليس لأنها كشفت عن خلاف جديد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، فذلك الخلاف لم يعد خافيا على أحد، وإنما لأنها صدرت عن أحد السياسيين الذين عايشوا معظم مراحل التجربة السياسية الكردية الحديثة، منذ سنوات الكفاح المسلح، مرورا بالحرب الأهلية، ثم مرحلة الشراكة في الحكم بعد عام 2003.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في حديثه لم يكن انتقاده للأداء السياسي، ولا حديثه عن أزمة الثقة بين الحزبين، بل تحذيره من أن استمرار حالة الانسداد قد يدفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع الطرف الذي تعتبره ممثلا شرعيا للكرد إذا بقيت القوى الكردية عاجزة عن الاتفاق فيما بينها.
وبغض النظر عن مدى اتفاق المتابعين مع هذا الطرح، فإن مجرد صدور مثل هذا التحذير من شخصية شاركت في صناعة القرار الكردي لعقود طويلة يعكس حجم القلق الذي يسود أوساطا واسعة من النخبة السياسية في الإقليم.
ففي العرف السياسي، لا تختار القوى الدولية عادة ممثلي الشعوب أو المكونات السياسية، لكنها تبحث دائما عن شريك قادر على اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات. وعندما تعجز المؤسسات المحلية عن إنتاج موقف موحد، يصبح التعامل الخارجي أكثر ميلا إلى القوى التي تمتلك القدرة العملية على إدارة الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم تصريحات ملا بختيار بوصفها تحذيرا من نتائج الانقسام، لا إعلانا عن قرار أمريكي قائم بالفعل.
أكثر من خلاف على تشكيل حكومة
قد يبدو للمتابع من خارج العراق أن الأزمة الحالية لا تتجاوز خلافا بين حزبين على توزيع المناصب الوزارية، وهي صورة تعززها أحيانا البيانات الرسمية التي تتحدث عن استمرار المفاوضات أو قرب التوصل إلى اتفاق.
غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن تشكيل الحكومة ليس سوى رأس جبل الجليد.
فالخلافات تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، من بينها توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد المالية، والعلاقة مع بغداد، وتوحيد المؤسسات الأمنية، ومستقبل قوات البيشمركة، وآليات اتخاذ القرار داخل الإقليم.
ولهذا السبب، لم تنجح عشرات الاجتماعات التي عقدت خلال الأشهر الماضية في إنتاج اتفاق نهائي، لأن التباين لا يتعلق بحقيبة وزارية هنا أو منصب هناك، بل برؤية كل طرف لشكل السلطة داخل الإقليم وحدود نفوذها.
أزمة ثقة تراكمت عبر عقود
في مقابل الحديث عن جولات الحوار المتكررة، كان ملا بختيار يلفت الانتباه إلى نقطة يراها أكثر خطورة، وهي أن المشكلة الأساسية لم تعد في نقص الاجتماعات، بل في تآكل الثقة بين الشريكين اللذين شكلا العمود الفقري لتجربة الحكم في إقليم كردستان منذ أكثر من ثلاثة عقود.
فالعلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لم تكن مستقرة في أي مرحلة من تاريخها. فقد انتقلت من التحالف إلى الانقسام، ومن المواجهة العسكرية إلى الشراكة السياسية، ثم عادت لتشهد موجات متكررة من التوتر، دون أن تصل إلى بناء مؤسسات تتجاوز منطق التوازنات الحزبية.
ومع مرور السنوات، تراكمت ملفات الخلاف دون أن تجد حلولا جذرية، الأمر الذي جعل كل أزمة جديدة تستدعي إرث الأزمات السابقة، فتبدو المفاوضات وكأنها تبدأ في كل مرة من النقطة نفسها.
لماذا أثارت عبارة “أمريكا قد تختار” كل هذا الجدل؟
ربما كانت هذه العبارة هي الأكثر تداولا بعد نشر المقابلة، لأنها مست واحدا من أكثر الملفات حساسية في الوعي السياسي الكردي.
فالولايات المتحدة ليست دولة عابرة في المشهد الكردي؛ فقد لعبت أدوارا محورية في حماية الإقليم بعد عام 1991، وأسهمت في رعاية اتفاق واشنطن عام 1998 الذي أنهى الحرب الأهلية بين الحزبين، كما أصبحت بعد عام 2003 أحد أهم الشركاء الأمنيين والسياسيين للإقليم في إطار الحرب على الإرهاب ودعم قوات البيشمركة.
لهذا، فإن أي حديث عن تغير في طبيعة العلاقة بين واشنطن والقوى السياسية الكردية يقرأ على أنه مؤشر يستحق التوقف عنده، حتى وإن جاء في إطار تحليل سياسي أو تحذير من سيناريو محتمل.
لكن القراءة الدقيقة لتصريحات ملا بختيار تشير إلى أنه لم يكن يتحدث عن نية أمريكية معلنة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية الكردية، وإنما كان يحذر من نتيجة قد يفرضها استمرار الانقسام، إذا أصبحت القوى الدولية مضطرة للتعامل مع طرف يملك القدرة على اتخاذ القرار، في ظل غياب موقف كردي موحد.
رسالة إلى الحزبين أكثر منها إلى واشنطن
يذهب عدد من المتابعين إلى أن الرسالة الحقيقية في تصريحات ملا بختيار لم تكن موجهة إلى الولايات المتحدة بقدر ما كانت موجهة إلى الحزبين الكبيرين.
فالرجل أراد أن يقول، بلغة السياسة، إن استمرار الصراع الداخلي قد ينتهي إلى تقليص قدرة الكرد على تقرير مصير قراراتهم بأنفسهم، لأن الفراغ السياسي لا يبقى فراغا، بل تملؤه دائما قوى أكثر تنظيما أو أكثر قدرة على فرض إيقاعها.
وهذا المعنى لا يرتبط بالولايات المتحدة وحدها، بل ينطبق أيضا على العلاقة مع بغداد، كما ينسحب على أدوار القوى الإقليمية التي تتابع تطورات المشهد الكردي باهتمام بالغ.
غير أن هذه التصريحات، على أهميتها، لم تكن الحدث الوحيد الذي استقطب اهتمام الشارع الكردي خلال الأيام الماضية.
فقبلها بقليل، كانت الساحة السياسية تشهد حراكا مختلفا، حمل قدرا من التفاؤل بعد إعلان الاتحاد الإسلامي الكردستاني مبادرة جديدة للوساطة بين الحزبين الرئيسيين، في محاولة لإعادة قطار الحوار إلى مساره بعد أشهر طويلة من التعثر.
فهل جاءت هذه المبادرة في الوقت المناسب؟ وما الذي دفع الاتحاد الإسلامي إلى الدخول على خط الأزمة؟ وهل تمتلك هذه الوساطة من عناصر القوة ما يكفي لإحداث اختراق في واحدة من أعقد الأزمات السياسية التي عرفها إقليم كردستان منذ تأسيسه؟
الفصل الثاني
قبل جرس الإنذار… مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني هل تمثل الفرصة الأخيرة؟
بينما كانت المفاوضات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تدور في حلقة مفرغة، بدا المشهد السياسي في الإقليم وكأنه دخل مرحلة من الإرهاق؛ لقاءات متكررة، ولجان مشتركة، وتصريحات متفائلة تعقبها انتكاسات جديدة، من دون أن تلوح في الأفق تسوية قادرة على إنهاء الانسداد السياسي.
في هذه الأجواء، أعلن الاتحاد الإسلامي الكردستاني عن مبادرة سياسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الحزبين، في خطوة أعادت القضية إلى واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي، وأثارت تساؤلات حول قدرة طرف ثالث على كسر الجمود الذي استعصى على عشرات الاجتماعات الثنائية.
ولم يكن الاهتمام بالمبادرة نابعا من حجم الاتحاد الإسلامي في البرلمان فحسب، بل من طبيعة موقعه السياسي؛ فهو لم يكن طرفا مباشرا في الصراع على السلطة بين الحزبين، الأمر الذي منحه هامشا للتحرك بوصفه وسيطا أكثر من كونه منافسا.
لماذا الآن؟
السؤال الذي تردد في الأوساط السياسية لم يكن عن مضمون المبادرة بقدر ما كان عن توقيتها.
فلماذا اختار الاتحاد الإسلامي هذه اللحظة تحديدا؟
تشير قراءة تطورات المشهد إلى أن المبادرة جاءت في ظل تزامن عدد من العوامل الضاغطة:
أولها، استمرار الفراغ الحكومي لفترة غير مسبوقة، وما ترتب عليه من تراجع في كفاءة الإدارة العامة، وتعطل ملفات تشريعية وتنفيذية كان يفترض أن تحسمها حكومة تتمتع بكامل الصلاحيات.
وثانيها، تصاعد الضغوط الاقتصادية، مع استمرار الجدل حول الرواتب، والإيرادات، وآليات تنفيذ الاتفاقات المالية مع الحكومة الاتحادية، وهو ما جعل المواطن يشعر بأن الخلافات السياسية لم تعد مجرد نزاع بين الأحزاب، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في حياته اليومية.
أما العامل الثالث، فيتمثل في القناعة المتزايدة لدى كثير من القوى السياسية بأن استمرار الأزمة يضعف موقع الإقليم في بغداد، ويحد من قدرته على التفاوض في القضايا المصيرية، وفي مقدمتها الموازنة العامة، وإدارة الثروات الطبيعية، والعلاقة الدستورية بين الحكومة الاتحادية والإقليم.
ماذا تضمنت المبادرة؟
لم تنشر حتى الآن وثيقة رسمية كاملة تتضمن جميع بنود المبادرة، إلا أن التصريحات الصادرة عن قادة الاتحاد الإسلامي، وما رشح عن اللقاءات السياسية، تشير إلى أنها انطلقت من مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها:
- استئناف الحوار المباشر بين الحزبين بعيدا عن التصعيد الإعلامي.
- الإسراع في تشكيل حكومة جديدة تستند إلى نتائج الانتخابات.
- إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية بصورة كاملة.
- معالجة الملفات الخلافية عبر لجان مشتركة وجدول زمني واضح.
- تغليب المصلحة العامة للإقليم على الحسابات الحزبية.
ورغم أن هذه العناوين تبدو عامة، فإن أهميتها تكمن في أنها تحاول نقل النقاش من دائرة تبادل الاتهامات إلى دائرة البحث عن آليات عملية لاستعادة الثقة.
كيف استقبلها الطرفان؟
اللافت أن المبادرة لم تواجه برفض مباشر من أي من الحزبين، بل صدرت تصريحات إيجابية من الجانبين، أكدت الترحيب بأي جهد يسهم في تقريب وجهات النظر.
غير أن الترحيب السياسي لا يعني بالضرورة وجود توافق على تفاصيل الحل.
فالتجربة الكردية خلال العقود الماضية شهدت العديد من المبادرات التي حظيت في بدايتها بإشادات متبادلة، لكنها اصطدمت لاحقا بالخلاف على الملفات الجوهرية، لتعود الأزمة إلى نقطة الصفر.
ولهذا تعامل كثير من المراقبين مع ردود الفعل الإيجابية بوصفها مؤشرا مشجعا، لكنه غير كاف للحكم على فرص نجاح الوساطة.
لماذا تختلف هذه المبادرة عن سابقاتها؟
هناك ثلاثة عوامل تجعل المبادرة الحالية تحظى باهتمام أكبر من محاولات سابقة.
العامل الأول هو أن الأزمة الحالية تجاوزت في مدتها معظم الأزمات الحكومية التي عرفها الإقليم، ما جعل استمرارها أكثر كلفة على جميع الأطراف.
والعامل الثاني أن الأوضاع الاقتصادية والمالية لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل، في ظل ارتباط عدد من الملفات الخدمية والمعيشية بوجود حكومة كاملة الصلاحيات.
أما العامل الثالث، فهو إدراك معظم القوى السياسية أن استمرار الانقسام ينعكس سلبا على صورة التجربة الكردية أمام الداخل والخارج، ويمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع للتأثير في مسار الأحداث.
بين التفاؤل والحذر
ومع ذلك، فإن التفاؤل الذي رافق إطلاق المبادرة ظل محكوما بقدر كبير من الحذر.
فالخلافات التي تعطل تشكيل الحكومة ليست خلافات إجرائية يمكن تجاوزها عبر وساطة سياسية، بل ترتبط بملفات تراكمت على مدى سنوات طويلة، وتشمل توزيع النفوذ داخل مؤسسات الإقليم، والعلاقة بين الأجهزة الأمنية، وآليات اتخاذ القرار، وتقاسم الموارد، ومستقبل العلاقة مع بغداد.
ومن هنا، فإن نجاح المبادرة لن يقاس بمجرد عقد اجتماع جديد بين الحزبين، بل بقدرتها على معالجة جذور الأزمة، أو على الأقل فتح الطريق أمام تسوية مستدامة لا تعود معها الخلافات إلى الظهور مع كل استحقاق سياسي.
لكن… هل الأزمة وليدة الأشهر العشرين الماضية؟
هنا تتوقف المبادرة عند حدود الحاضر، بينما يقودنا التحقيق إلى سؤال أكثر عمقا.
فلو كانت المشكلة تتعلق فقط بتشكيل حكومة، لكان من الممكن حلها بجولة مفاوضات إضافية أو بتقديم تنازلات متبادلة.
أما إذا كانت الأزمة تعود إلى بنية النظام السياسي نفسه، فإن أي اتفاق لن يكون سوى هدنة مؤقتة، سرعان ما تختبرها أول أزمة جديدة.
ومن هنا تبدأ رحلة العودة إلى التاريخ؛ ليس من باب استعادة الماضي، وإنما لفهم الحاضر.
فالأزمة التي يعيشها إقليم كردستان اليوم لم تبدأ بعد الانتخابات الأخيرة، ولا حتى بعد عام 2003، بل تمتد جذورها إلى نصف قرن، حين انقسمت الحركة السياسية الكردية إلى مشروعين متنافسين، سيحددان معا شكل الحياة السياسية في الإقليم حتى يومنا هذا.
الفصل الثالث
العودة إلى البدايات… كيف انقسم البيت الكردي قبل نصف قرن؟
لفهم الأزمة التي يعيشها إقليم كردستان اليوم، لا يكفي تتبع جولات المفاوضات الأخيرة، ولا الوقوف عند الخلافات المتعلقة بتشكيل الحكومة أو توزيع الحقائب الوزارية، لأن هذه القضايا تمثل نتائج أكثر مما تمثل أسبابا.
فالأزمة الحالية ليست حدثا منفصلا عن سياقها التاريخي، وإنما هي امتداد لمسار سياسي طويل تشكلت خلاله معادلات القوة، وتراكمت فيه الخلافات، وتعززت فيه هويات حزبية ظلت، حتى اليوم، أقوى من مؤسسات الدولة نفسها.
ولذلك، فإن الإجابة عن سؤال: “لماذا تعثرت الحكومة؟” تبدأ في الحقيقة بسؤال آخر أكثر عمقا:
كيف تشكل النظام السياسي في إقليم كردستان؟
حزب واحد… وقضية واحدة
عندما تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946 بقيادة الزعيم الكردي مصطفى بارزاني، لم يكن يمثل مجرد تنظيم سياسي، بل كان التعبير الأبرز عن الحركة القومية الكردية في العراق.
خلال العقود اللاحقة، قاد الحزب معظم مراحل النضال الكردي ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، وأصبح اسم بارزاني مرتبطا في الوعي الكردي بقضية الحكم الذاتي والحقوق القومية.
وفي تلك المرحلة، لم يكن الانقسام الداخلي هو التحدي الأكبر؛ بل كانت الأولوية موجهة نحو العلاقة مع السلطة المركزية في بغداد.
لكن هذه الصورة لم تستمر طويلا.
عام 1975… اللحظة التي غيرت كل شيء
يعتبر كثير من الباحثين أن عام 1975 هو نقطة التحول الكبرى في التاريخ السياسي الكردي المعاصر.
ففي ذلك العام، أدى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران إلى توقف الدعم الإيراني للثورة الكردية، وهو ما تسبب في انهيارها خلال فترة وجيزة، ودخول الحركة الكردية في واحدة من أصعب مراحلها.
لم يكن أثر ذلك الانهيار عسكريا فقط، بل كان سياسيا أيضا.
فقد ظهرت داخل الحركة الكردية أصوات رأت أن أسباب الهزيمة لا ترتبط فقط بالمتغيرات الإقليمية، وإنما بطريقة إدارة العمل السياسي والعسكري، الأمر الذي فتح الباب أمام مراجعات داخلية واسعة.
ومن رحم تلك المراجعات، تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني، ليبدأ فصل جديد في تاريخ السياسة الكردية.
مشروعان… لا قضية واحدة
منذ ولادة الاتحاد الوطني، لم يعد المشهد السياسي الكردي قائما على حزب يقود قضية قومية واحدة، بل على مشروعين سياسيين يتفقان على الهدف العام، ويختلفان في أساليب الإدارة، والتحالفات، وآليات اتخاذ القرار.
الحزب الديمقراطي احتفظ بثقله التاريخي، وبقاعدته الشعبية الواسعة في أربيل ودهوك والمناطق الشمالية، مستندا إلى الإرث السياسي لعائلة بارزاني.
أما الاتحاد الوطني، فقد وجد قاعدته الأساسية في السليمانية، معتمدا بصورة أكبر على النخب السياسية والثقافية، ومتأثرا بمدارس فكرية مختلفة عن تلك التي طبعت تجربة الحزب الديمقراطي.
ورغم أن الطرفين بقيا يرفعان شعار الدفاع عن الحقوق القومية للكرد، فإن المنافسة على قيادة المشروع الكردي بدأت منذ تلك اللحظة، ولم تتوقف حتى اليوم.
من التنافس إلى المواجهة
خلال سنوات الثمانينيات، فرضت الحرب العراقية الإيرانية ظروفا استثنائية على الحركة الكردية، ما أدى إلى تأجيل كثير من الخلافات الداخلية.
لكن بعد انتفاضة عام 1991، وانسحاب مؤسسات الحكومة العراقية من معظم مناطق الإقليم، وجد الحزبان نفسيهما أمام تحد جديد لم يسبق أن واجهاه من قبل.
للمرة الأولى، لم يعد المطلوب قيادة ثورة، بل إدارة سلطة.
وهنا بدأت تظهر الأسئلة التي سترافق التجربة الكردية حتى اليوم:
من يدير؟
ومن يقرر؟
ومن يسيطر على الموارد؟
وكيف توزع السلطات؟
كانت هذه أسئلة دولة ناشئة، لكنها وضعت على طاولة أحزاب خرجت لتوها من تجربة العمل المسلح، ولم تمتلك بعد مؤسسات قادرة على استيعاب هذا التحول.
عندما انتصرت الأحزاب على الدولة
أجريت أول انتخابات برلمانية في إقليم كردستان عام 1992، في خطوة اعتبرت آنذاك بداية تجربة ديمقراطية واعدة.
لكن نتائج الانتخابات أفرزت توازنا شبه كامل بين الحزبين الكبيرين، وهو توازن بدا في ظاهره ضمانة للشراكة، بينما تحول في الواقع إلى مصدر دائم للتنافس.
فكل طرف امتلك ما يكفي من القوة لمنع الآخر من الانفراد بالقرار، لكنه لم يمتلك ما يكفي لفرض مشروعه كاملا.
ومع غياب مؤسسات راسخة، أصبحت الأحزاب نفسها هي الإطار الذي تدار من خلاله السلطة، وتحولت الوزارات، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات الاقتصادية، تدريجيا إلى امتداد لموازين القوى الحزبية.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتشكل النموذج السياسي الذي سيحكم الإقليم لعقود لاحقة؛ نموذج يقوم على التوافق بين حزبين قويين، أكثر مما يقوم على مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة الخلافات.
بذور الأزمة الحالية
قد تبدو الخلافات التي يعيشها الإقليم اليوم مرتبطة بالانتخابات الأخيرة، لكنها في جوهرها امتداد لذلك النموذج الذي تأسس منذ أكثر من ثلاثة عقود.
فكل أزمة سياسية تعيد طرح السؤال نفسه:
هل الأولوية لسلطة المؤسسات، أم لتوازنات الأحزاب؟
وهل يمكن لحكومة واحدة أن تعمل بكفاءة، إذا بقيت مراكز القوة موزعة بين أكثر من مرجعية سياسية؟
هذه الأسئلة ظلت حاضرة في كل محطة مفصلية، لكنها انفجرت بصورة أكثر وضوحا بعد سنوات قليلة، عندما انتقل التنافس السياسي من داخل البرلمان إلى ساحات المواجهة العسكرية، لتبدأ أخطر فصول الانقسام في تاريخ إقليم كردستان الحديث.
فما الذي دفع الحزبين إلى حمل السلاح في مواجهة بعضهما بعضا؟ وكيف انتهت تلك الحرب؟ ولماذا لا تزال آثارها حاضرة في السياسة الكردية حتى اليوم؟
الفصل الرابع
حرب الإخوة… الجرح الذي لم يلتئم
إذا كان عام 1975 قد شهد الانقسام السياسي الأكبر في الحركة الكردية، فإن الأعوام الممتدة بين 1994 و1998 شهدت أخطر محطاتها على الإطلاق.
فخلال تلك السنوات، تحولت المنافسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من صراع سياسي على النفوذ إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، عرفت لاحقا باسم “الحرب الأهلية الكردية” أو “حرب الإخوة”، وهي تسمية لا تزال حتى اليوم تستحضر في الذاكرة الكردية باعتبارها المرحلة الأكثر إيلاما في تاريخ الحكم الذاتي.
ورغم مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على انتهائها، فإن كثيرا من الباحثين يرون أن آثارها السياسية لم تنته، وأن جانبا مهما من الأزمة الراهنة يعود إلى تلك السنوات أكثر مما يعود إلى الخلافات المستجدة.
من شراكة الحكم إلى صراع النفوذ
بعد انتفاضة عام 1991، دخل إقليم كردستان مرحلة غير مسبوقة.
انسحبت مؤسسات الحكومة العراقية من معظم مدنه، وأصبحت إدارة الإقليم مسؤولية القيادات الكردية لأول مرة.
كان ذلك إنجازا تاريخيا، لكنه حمل في الوقت نفسه تحديات لم تكن الحركة الكردية قد اختبرتها من قبل.
فإدارة سلطة قائمة تختلف جذريا عن قيادة حركة تحرر.
وخلال فترة قصيرة، بدأت الخلافات تظهر حول ملفات بدت في ظاهرها إدارية واقتصادية، لكنها كانت تمس جوهر السلطة نفسها.
من يدير المعابر الحدودية؟
من يشرف على الإيرادات الجمركية؟
كيف توزع الموارد؟
من يقود الأجهزة الأمنية؟
ومن يمتلك القرار العسكري؟
كانت هذه الأسئلة كافية لإشعال خلافات متزايدة، خصوصا في ظل غياب مؤسسات مستقلة قادرة على الفصل بين السلطات أو إدارة التنافس السياسي.
عندما أصبح السلاح وسيلة لحسم السياسة
في عام 1994 انفجر الخلاف بصورة عسكرية، ودخل الحزبان في حرب استمرت، بصورة متقطعة، قرابة أربع سنوات، شهدت معارك عنيفة في عدد من مدن الإقليم، وأوقعت آلاف القتلى والجرحى، فضلا عن موجات نزوح وانقسامات اجتماعية امتدت آثارها إلى كثير من العائلات الكردية.
ولم يكن المشهد يقتصر على مواجهة داخلية، بل تحول إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية.
فقد لجأ كل طرف، في مراحل مختلفة من الصراع، إلى بناء تحالفات خارجية لتعزيز موقعه، الأمر الذي أضفى على الحرب بعدا إقليميا تجاوز حدود الخلاف الداخلي.
وهكذا، وجدت القضية الكردية نفسها، للمرة الأولى، أمام معادلة معقدة أصبح فيها الانقسام الداخلي عاملا مؤثرا في طبيعة العلاقات مع القوى المحيطة.
إدارتان… بدل حكومة واحدة
مع استمرار القتال، لم يعد الانقسام يقتصر على القيادات السياسية.
فقد تشكل على الأرض واقع جديد.
أصبحت أربيل ودهوك تخضعان لإدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني، بينما أصبحت السليمانية ومحيطها تحت إدارة الاتحاد الوطني الكردستاني.
لكل إدارة وزاراتها، وأجهزتها الأمنية، وقواتها العسكرية، ومؤسساتها المالية، بل وحتى أسلوبها المختلف في إدارة الشأن العام.
وبذلك، لم يعد الإقليم مجرد ساحة خلاف سياسي، بل تحول عمليا إلى إدارتين تعملان داخل إطار جغرافي واحد.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه المرحلة هي التي أرست الأساس الحقيقي للازدواجية المؤسسية التي لا يزال الإقليم يحاول تجاوزها حتى اليوم.
اتفاق واشنطن… نهاية الحرب أم بداية الهدنة؟
برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، توصل الحزبان إلى اتفاق واشنطن،في عام 1998، الذي وضع حدا للمواجهات العسكرية، وفتح الباب أمام استئناف الحوار السياسي.
مثل الاتفاق محطة تاريخية مهمة، لأنه أنهى نزيف الدم، وأعاد قنوات التواصل بين الطرفين، الا انه عالج النتائج أكثر مما عالج الأسباب.
فقد توقفت الحرب، لكن البنية السياسية التي أنتجتها بقيت قائمة، ولم تدمج المؤسسات بصورة كاملة، ولم توحد الأجهزة الأمنية، كما لم تحل الإشكاليات المتعلقة بتوزيع النفوذ ومراكز القرار، لهذا بقي السلام قائما على التوازن السياسي بين الحزبين، أكثر من قيامه على مؤسسات موحدة ومستقلة.
السلام الذي لم يكتمل
مع مرور السنوات، نجحت القيادات الكردية في تقديم صورة أكثر استقرارا للعالم، شهد الإقليم نموا اقتصاديا ملحوظا، وتوسعا عمرانيا، وانفتاحا على الاستثمارات الأجنبية، خصوصا بعد عام 2003، لكن خلف هذه الصورة، ظلت كثير من البنى التي نشأت خلال سنوات الحرب قائمة، فالبيشمركة بقيت، في جانب كبير منها، موزعة بين ولاءات حزبية.
والأجهزة الأمنية احتفظت بخصوصياتها، والقرار السياسي ظل يعتمد على التوافق بين الحزبين، أكثر من اعتماده على المؤسسات الدستورية، ومن هنا كانت كثير من الأزمات التي شهدها الإقليم خلال العقدين الماضيين تعيد إلى السطح السؤال ذاته:
هل انتهت حرب التسعينيات فعلا، أم أنها تحولت من مواجهة عسكرية إلى منافسة سياسية داخل مؤسسات الحكم؟.
لماذا لا تزال الحرب حاضرة؟
قد يظن كثير من أبناء الجيل الجديد أن الحرب الأهلية أصبحت جزءا من التاريخ، لكن المتابع للحياة السياسية في الإقليم يلاحظ أن آثارها لا تزال تظهر بصورة غير مباشرة.
فعندما يتعثر تشكيل حكومة، يعود الحديث عن موازين القوة، وعندما يناقش ملف توحيد البيشمركة، تستحضر الانقسامات القديمة، وعندما تختلف الرؤى بشأن العلاقة مع بغداد أو توزيع الصلاحيات، يعود الإرث التاريخي ليؤثر في طريقة قراءة كل طرف للمشهد، بهذا المعنى، فإن الأزمة الحالية ليست استمرارا للحرب، لكنها استمرار لآثارها المؤسسية والسياسية.
وهنا يبرز سؤال محوري: إذا كانت الحرب قد انتهت منذ عام 1998، فلماذا بقيت آثارها حاضرة حتى اليوم؟.
تكمن الإجابة في المرحلة التي تلت سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حين انتقلت الأحزاب الكردية من إدارة إقليم شبه مستقل إلى المشاركة في بناء العراق الجديد، وهي مرحلة حملت معها فرصا تاريخية لتوحيد المؤسسات، لكنها حملت أيضا تحديات جديدة ستعيد إنتاج كثير من الخلافات القديمة في ثوب مختلف.
الفصل الخامس
بعد عام 2003… فرصة تاريخية لبناء الدولة أم تكريس لتقاسم النفوذ؟
مثل سقوط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان/أبريل 2003 لحظة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، لكنه بالنسبة لإقليم كردستان كان أكثر من مجرد تغيير للنظام السياسي في بغداد، فبعد أكثر من عقد على إدارة الإقليم لشؤونه الداخلية في ظل الحماية الدولية، وجد القادة الكرد أنفسهم أمام فرصة تاريخية لم يكونوا قد امتلكوها من قبل؛ المشاركة في صياغة العراق الجديد بوصفهم شريكا أساسيا في العملية السياسية، مع الاحتفاظ بالمكاسب التي تحققت داخل الإقليم منذ عام 1991.
وللمرة الأولى، لم تعد القضية الكردية محصورة بالمطالبة بالحقوق، بل أصبحت جزءا من معادلة الحكم في الدولة العراقية.
من الميدان إلى الدولة
دخل الحزبان الكبيران، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بغداد هذه المرة لا بوصفهما حركتين معارضتين، وإنما شريكين في تأسيس النظام السياسي الجديد، وقد حصل الكرد على مكاسب دستورية وسياسية غير مسبوقة، اعترف الدستور العراقي بإقليم كردستان ككيان اتحادي يتمتع بصلاحيات واسعة.
وأصبحت قوات البيشمركة قوة معترفا بها دستوريا، وتولى الكرد مناصب سيادية في الدولة العراقية، كان أبرزها منصب رئيس الجمهورية الذي شغله الزعيم الكردي جلال طالباني، في خطوة حملت رمزية سياسية كبيرة، بدت تلك المرحلة وكأنها تؤسس لعهد جديد، يتجاوز صراعات الماضي، ويتيح للحزبين تحويل تجربة الشراكة العسكرية والسياسية إلى شراكة مؤسساتية مستقرة، لكن الواقع سار في اتجاه مختلف.
تقاسم السلطة… لا بناء المؤسسات
بدلا من أن تكون المرحلة الجديدة فرصة لإذابة الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب الأهلية، اتجهت الحياة السياسية إلى نموذج آخر، فقد جرى توزيع المسؤوليات والنفوذ بين الحزبين على أساس التوافق، بما يضمن استمرار الشراكة، لكنه لم يؤد إلى إنهاء الازدواجية التي تشكلت خلال التسعينيات، وأصبح كثير من القرارات الكبرى يعتمد على التفاهم السياسي بين الحزبين، أكثر مما يعتمد على الآليات الدستورية والمؤسساتية.
وبمرور الوقت، تحول هذا الأسلوب من وسيلة لإدارة المرحلة الانتقالية إلى قاعدة شبه ثابتة في إدارة الإقليم.
هل نجحت معادلة التوازن؟
يصعب إنكار أن هذا النموذج وفر للإقليم قدرا كبيرا من الاستقرار خلال سنوات طويلة، فقد شهدت مدن الإقليم توسعا عمرانيا ملحوظا، وازدهرت حركة الاستثمار، وارتفع مستوى الخدمات مقارنة بمناطق عراقية عديدة كانت تعاني اضطرابات أمنية متواصلة، كما استطاع الإقليم أن يقدم نفسه، خلال سنوات ما بعد 2003، بوصفه إحدى أكثر مناطق العراق استقرارا، غير أن هذا النجاح كان يخفي في داخله إشكالية بنيوية، فكلما نجحت الأحزاب في إدارة التوازن بينها، استمر النظام في العمل، أما عندما تهتز الثقة، فإن مؤسسات الحكم نفسها تبدأ بالتعثر.
وبعبارة أخرى، أصبح استقرار المؤسسات مرتبطا باستقرار العلاقة بين الحزبين، وليس باستقلال المؤسسات عن الخلافات السياسية.
الدولة أم الحزب؟
يطرح عدد من الباحثين في الشأن الكردي سؤالا محوريا عند تقييم تجربة الحكم في الإقليم؛ هل نجحت الأحزاب في بناء دولة، أم نجحت في إدارة سلطة؟.
الفرق بين السؤالين ليس لغويا، بل جوهريا، فالدولة تقوم على مؤسسات تستمر في أداء وظائفها مهما تغيرت الحكومات أو الأحزاب، أما السلطة الحزبية، فتعتمد بدرجة كبيرة على التفاهمات السياسية بين القوى المتنفذة.
وخلال العقدين الماضيين، بدا أن التجربة الكردية حققت نجاحا واضحا في إدارة السلطة، لكنها لم تنجز بالقدر نفسه مشروع بناء مؤسسات مستقلة بالكامل عن التوازنات الحزبية، لذلك، كلما دخلت العلاقة بين الحزبين في أزمة، انعكس ذلك مباشرة على عمل الحكومة، والبرلمان، والإدارة العامة.
اختبار عام 2017
شكل استفتاء الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017 أحد أكبر الاختبارات التي واجهتها القيادة الكردية منذ عام 2003، رغم أن الاستفتاء حظي بتأييد شعبي واسع داخل الإقليم، فإن نتائجه السياسية جاءت معقدة، فقد واجه رفضا من بغداد، وتحفظا من قوى إقليمية ودولية مؤثرة.
ثم جاءت أحداث كركوك بعد أسابيع قليلة لتفتح صفحة جديدة من الخلافات الداخلية، إذ تبادل عدد من القيادات السياسية الاتهامات بشأن إدارة الأزمة، وطريقة التعامل مع التطورات الميدانية، والمسؤولية عن فقدان السيطرة على المدينة، لم تكن الاتهامات مجرد سجال سياسي، بل أعادت إلى الواجهة أزمة الثقة القديمة بين الحزبين، في لحظة كان الشارع الكردي ينتظر فيها توحيد الصفوف لمواجهة تحديات غير مسبوقة.
ويرى مراقبون أن ما بعد عام 2017 مثل بداية مرحلة جديدة من التباعد السياسي، انعكست آثارها لاحقا على معظم الملفات المشتركة.
من الشراكة إلى الانسداد
على مدى السنوات اللاحقة، تراكمت الخلافات حول ملفات النفط، والمالية العامة، والعلاقة مع الحكومة الاتحادية، وإدارة المؤسسات، وتقاسم الصلاحيات.
ومع كل انتخابات جديدة، كانت المفاوضات تستغرق وقتا أطول، وتصبح أكثر تعقيدا، إلى أن وصلت الأمور، بعد الانتخابات الأخيرة، إلى حالة من الانسداد السياسي امتدت قرابة عشرين شهرا، وهي أطول فترة يشهدها الإقليم دون تشكيل حكومة جديدة منذ تأسيس مؤسساته؛ وهنا برزت حقيقة يصعب تجاهلها.
فالأزمة لم تعد مجرد خلاف بين حزبين على شكل الحكومة المقبلة، وإنما أصبحت اختبارا لقدرة النموذج السياسي الذي حكم الإقليم طوال العقود الماضية على الاستمرار؛ وهذا يقود التحقيق إلى سؤال أكثر حساسية:
إذا كان النظام القائم على التوافق بين الحزبين قد وصل إلى هذا المستوى من التعثر، فما هي الملفات الحقيقية التي تمنع الوصول إلى اتفاق؟ هل الخلاف يدور حول الوزارات فقط، أم أن هناك صراعا أعمق على النفوذ، والقرار، ومستقبل السلطة في إقليم كردستان؟
الفصل السادس
خلف أبواب التفاوض… ما الذي يمنع الاتفاق فعلا؟
على امتداد الأشهر الماضية، خرجت وفود التفاوض من اجتماعاتها المتكررة بتصريحات تكاد تكون متشابهة؛ “الأجواء إيجابية”، “المباحثات مستمرة”، “تم تحقيق تقدم في عدد من الملفات”، ثم تمر الأيام والأسابيع من دون إعلان تشكيل الحكومة، هذا التكرار دفع كثيرا من المواطنين إلى طرح سؤال بسيط في صياغته، بالغ التعقيد في مضمونه:
إذا كانت الأجواء إيجابية دائما، فلماذا لا تتشكل الحكومة؟
تكشف مراجعة مسار المفاوضات أن الأزمة تتجاوز بكثير توزيع الوزارات أو اختيار رئيس الحكومة ونائبه، إذ تتداخل فيها ملفات سياسية وأمنية واقتصادية تراكمت عبر سنوات، حتى أصبحت كل قضية مرتبطة بالأخرى، بحيث يصعب حل واحدة بمعزل عن بقية الملفات.
الملف الأول… من يملك القرار؟
تبدو المناصب الوزارية في ظاهر المشهد هي محور الخلاف، لكنها في الواقع تمثل انعكاسا لسؤال أكثر أهمية:
من يملك القرار النهائي داخل مؤسسات الإقليم؟
فكل حزب يسعى إلى ضمان أن يكون شريكا حقيقيا في صناعة القرار، لا مجرد مشارك في تحمل المسؤولية، من هنا لا ينحصر النقاش في عدد الوزارات، بل يمتد إلى طبيعة الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار، وحدود نفوذ كل طرف داخل الحكومة.
ويذهب بعض المتابعين إلى أن التجربة السياسية في الإقليم قامت، منذ سنوات، على مبدأ “التوازن بين الحزبين”، لا على مبدأ “الفصل بين السلطات”، وهو ما يجعل كل تعديل في موازين القوة السياسية ينعكس مباشرة على بنية الحكومة نفسها.
الملف الثاني… البيشمركة بين التوحيد والانقسام
ربما لا يوجد ملف يعكس عمق الأزمة أكثر من ملف قوات البيشمركة، فمنذ سنوات طويلة، تتكرر الدعوات إلى توحيد هذه القوات تحت قيادة مهنية واحدة، باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية للإقليم، وقد أحرزت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، بدعم من شركاء دوليين، إلا أن عملية الدمج لم تكتمل حتى الآن.
ويرى خبراء أمنيون أن استمرار تعدد مراكز القيادة يضعف القدرة على بناء مؤسسة عسكرية موحدة، ويجعل ملف الأمن أحد أكثر الملفات حساسية في أي مفاوضات سياسية.
و يؤكد مسؤولون في الإقليم بالمقابل، أن جهود الإصلاح مستمرة، وأن توحيد البيشمركة يحتاج إلى توافق سياسي وإداري يتطلب وقتا وإجراءات متدرجة.
الملف الثالث… النفط والمال
إذا كانت السياسة تحدد شكل السلطة، فإن الاقتصاد يحدد قدرتها على الاستمرار، ومن هنا يحتل ملف النفط والإيرادات موقعا مركزيا في الخلافات، فإدارة الموارد المالية، وآليات توزيع الإيرادات، والعلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، تمثل جميعها ملفات ذات أبعاد سياسية ودستورية واقتصادية في آن واحد، وأي اتفاق حكومي لا بد أن يتضمن رؤية مشتركة لكيفية إدارة هذه الملفات، لأنها ترتبط مباشرة بتمويل المؤسسات العامة، وصرف الرواتب، وتنفيذ المشاريع، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
يمكننا أن نقوا إن الخلاف حول الاقتصاد ليس خلافا ماليا فحسب، بل هو جزء من النقاش حول شكل العلاقة بين الإقليم والدولة الاتحادية.
الملف الرابع… العلاقة مع بغداد
لا يمكن فصل الأزمة الداخلية عن العلاقة مع الحكومة الاتحادية، فكلما تأخر تشكيل حكومة الإقليم، أصبحت قدرة أربيل على التفاوض مع بغداد أكثر تعقيدا، في المقابل، تحتاج بغداد أيضا إلى شريك كردي يمتلك قرارا موحدا، سواء في ملفات الموازنة، أو النفط، أو تنفيذ الأحكام والاتفاقات الدستورية.
واستمرار الانقسام يقلل من القوة التفاوضية للإقليم، لأن أي اتفاق مع بغداد يحتاج في النهاية إلى موقف كردي متماسك يحظى بغطاء سياسي واسع؛ وهذا ما قصده ملا بختيار عندما قال إن الانقسام يخدم بغداد، ليس بمعنى وجود طرف منتصر وآخر خاسر، وإنما لأن ضعف الموقف الموحد يمنح الطرف المقابل مساحة أوسع للمناورة.
الملف الخامس… أزمة الثقة
رغم أهمية جميع الملفات السابقة، ومن خلال متابعتنا لجولات التفاوض المتكررة، نرى أن العقبة الأصعب ليست النفط، ولا الوزارات، ولا حتى البيشمركة.
إنها الثقة؛ فكل اتفاق يحتاج إلى ضمانات، وكل تنازل يحتاج إلى يقين بأن الطرف الآخر سيلتزم بما اتفق عليه، لكن التجارب السابقة، بما حملته من نجاحات وإخفاقات، جعلت بناء هذه الثقة أكثر صعوبة مع مرور الوقت؛ لذلك تبدو المفاوضات أحيانا وكأنها تدور حول المستقبل، بينما تظل أسيرة الماضي.
وبعد مراجعة الملفات الخلافية، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن جميع ما سبقه، هل لو تغيرت القيادات السياسية ستنتهي الأزمة؟ أم أن المشكلة أعمق من الأشخاص؟.
يرى عدد من الباحثين أن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة النموذج السياسي الذي نشأ بعد عام 1991، ثم ترسخ بعد عام 2003، فالنظام القائم على التوافق بين القوى الكبرى نجح، لسنوات، في منع الانفجار الداخلي، لكنه في المقابل جعل كثيرا من المؤسسات تعتمد في عملها على استمرار التفاهمات السياسية، وعندما تتعثر تلك التفاهمات، تتعطل مؤسسات الحكم نفسها.
وبذلك، تصبح كل أزمة سياسية اختبارا لقدرة النظام بأكمله على الاستمرار، لا لقدرة الحكومة وحدها على أداء مهامها.
من هنا تبدأ أهمية مبادرة الاتحاد الإسلامي
في ضوء هذه الصورة، يتضح أن مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني لم تكن محاولة لحل خلاف عابر، بل جاءت في لحظة بات فيها كثير من الفاعلين السياسيين يدركون أن استمرار الانسداد قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في فاعلية مؤسسات الإقليم، ويزيد من الضغوط الداخلية والخارجية.
لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمتلك المبادرة مقومات النجاح فعلا؟ أم أن حجم الأزمة أكبر من أن تعالجه وساطة سياسية، مهما كانت نواياها؟
وللإجابة عن ذلك، لا بد من تقييم المبادرة نفسها، وقياسها على تجارب الوساطات السابقة، وتحليل فرصها في ضوء موازين القوى الحالية.
الفصل السابع
هل تنجح مبادرة الاتحاد الإسلامي؟ قراءة في فرص الوساطة وحدودها
حين أعلن الاتحاد الإسلامي الكردستاني إطلاق مبادرته لتقريب وجهات النظر بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لم يكن يقدم نفسه بديلا عن الحزبين، ولا منافسا لهما على قيادة المشهد السياسي، بل حاول أن يشغل موقع “الوسيط الداخلي” الذي يتحدث بلغة الشراكة لا بلغة الاصطفاف.
وهنا تكمن خصوصية هذه المبادرة؛ فالأزمات الكبرى في العادة تعالج بإحدى طريقتين؛ إما عبر تدخل خارجي يفرض إطارا للتسوية، وإما عبر مبادرة تنطلق من داخل البيت السياسي نفسه، ويبدو أن الاتحاد الإسلامي أراد أن يبعث برسالة مفادها أن الأزمة الكردية ينبغي أن تجد حلها داخل الإقليم، قبل أن تتحول إلى ملف تديره أطراف خارجية، وهي الفكرة نفسها التي يمكن أن تقرأ، بصورة غير مباشرة، في خلفية التحذيرات التي أطلقها ملا بختيار ﻻحقا.
لماذا يمتلك الاتحاد الإسلامي فرصة للوساطة؟
لا يعود ذلك إلى حجمه البرلماني وحده، بل إلى موقعه في الخريطة السياسية؛ فمنذ تأسيسه، حافظ الاتحاد الإسلامي على علاقات سياسية مع مختلف القوى الكردية، ولم يدخل في صراع وجودي مع أي من الحزبين الكبيرين، وقد أتاح له ذلك الاحتفاظ بمسافة سياسية جعلته مقبولا، من حيث المبدأ، لدى أطراف الأزمة.
كما أن الاتحاد الإسلامي يدرك أن استمرار الانسداد لا يهدد الحزبين وحدهما، بل ينعكس على مجمل التجربة السياسية في الإقليم، بما فيها الأحزاب التي لا تشارك في الحكومة، من هذا المنطلق جاءت مبادرته بصيغة أقرب إلى الدعوة لاستعادة الحوار، منها إلى طرح مشروع سياسي جديد.
عناصر القوة في المبادرة
تكشف قراءة المشهد الحالي عن عدد من العوامل التي قد تساعد المبادرة على تحقيق اختراق.
أول هذه العوامل هو الإرهاق السياسي: فبعد قرابة عشرين شهرا من المفاوضات غير الحاسمة، أصبحت كلفة استمرار الأزمة مرتفعة على جميع الأطراف، سواء من حيث الأداء الحكومي، أو صورة الإقليم أمام الرأي العام، أو علاقته مع بغداد.
أما العامل الثاني، فهو الضغط الشعبي: فالمواطن الكردي، الذي كان ينظر إلى التجربة السياسية في الإقليم بوصفها نموذجا للاستقرار مقارنة بما شهده العراق خلال العقود الماضية، أصبح أكثر اهتماما بالنتائج العملية؛ انتظام الرواتب، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، أكثر من اهتمامه بالسجالات الحزبية.
والعامل الثالث يتمثل في إدراك معظم القوى السياسية أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، وأن استمرار الانقسام قد يقلل من قدرة الإقليم على حماية مكاسبه الدستورية والسياسية.
لكن العقبات لا تزال قائمة
في المقابل، تواجه المبادرة تحديات يصعب تجاهلها؛ فالأزمة الحالية ليست خلافا شخصيا يمكن أن ينتهي بمصافحة بين زعيمين، بل ترتبط بملفات تمس طبيعة السلطة نفسها؛ إذ كيف توزع الصلاحيات؟، وكيف تدار المؤسسات الأمنية؟ وكيف تتخذ القرارات المصيرية؟ وكيف تبنى العلاقة مع بغداد؟.
كل هذه الأسئلة تحتاج إلى تفاهمات استراتيجية، لا إلى تفاهمات تكتيكية، نجاح المبادرة لن يقاس بمجرد الإعلان عن تشكيل الحكومة، بل بقدرتها على وضع أسس تمنع تكرار الأزمة مع كل دورة انتخابية.
ما الذي قد يجعل المبادرة تنجح؟
من خلال مراجعة تجارب التسويات السياسية في الإقليم، يمكن القول إن فرص النجاح تزداد إذا توافرت أربعة شروط رئيسية.
1- وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الحزبين لتقديم تنازلات متبادلة، لا الاكتفاء بإدارة الوقت.
2- الاتفاق على آليات واضحة لتنفيذ أي تفاهم، بحيث لا يبقى رهنا بحسن النوايا.
3- تحييد الملفات الخدمية والمعيشية عن الخلافات السياسية، بما يضمن استمرار عمل المؤسسات حتى في أوقات التوتر.
4- الانتقال التدريجي من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء المؤسسات، لأن الأزمات المتكررة أثبتت أن التفاهمات السياسية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار على المدى البعيد.
وإذا فشلت؟
هنا يعود التحقيق إلى النقطة التي انطلق منها؛ إذا انتهت المبادرة كما انتهت محاولات سابقة، فإن السؤال لن يكون عن سبب فشل وساطة جديدة، بل عن قدرة النظام السياسي نفسه على إنتاج حلول من داخله، في هذه الحالة، قد تتسع مساحة الضغوط الداخلية والخارجية، وتزداد الحاجة إلى وساطات أخرى، أو إلى تدخلات سياسية غير مباشرة من أطراف معنية باستقرار الإقليم.
ولا يعني ذلك بالضرورة فرض حلول من الخارج، لكنه يعني أن الفراغ السياسي الطويل يفتح المجال دائما أمام ازدياد التأثير الخارجي، وهي الفكرة التي حذر منها ملا بختيار عندما دعا القوى الكردية إلى عدم ترك مصير قرارها السياسي رهنا بعجزها عن الاتفاق.
من الوساطة إلى السؤال الأكبر
رغم أهمية مبادرة الاتحاد الإسلامي، فإنها تبقى جزءا من مشهد أكبر، فالمبادرات السياسية، مهما بلغت جديتها، لا تستطيع وحدها معالجة أزمة تمتد جذورها إلى نصف قرن، ما لم تترافق مع مراجعة شاملة لطبيعة النظام السياسي وآليات عمل مؤسساته، وهنا يبرز السؤال الذي لا يتعلق بالحكومة المقبلة فقط، بل بمستقبل التجربة الكردية بأكملها:
إذا استمر الانقسام، فإلى أين يتجه إقليم كردستان؟
وهل يقف الإقليم أمام أزمة عابرة ستنتهي بتسوية سياسية، أم أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى داخل العراق، وتؤثر في مستقبل القضية الكردية على امتداد المنطقة؟.
الفصل الثامن
إذا استمر الانقسام… إلى أين يتجه إقليم كردستان؟
في التحقيقات السياسية، قد يكون استعراض الماضي أسهل من قراءة المستقبل؛ فالماضي تحكمه الوقائع، أما المستقبل فتحدده الاحتمالات.
ما يرد في هذا الفصل لا يمثل توقعات حتمية، وإنما قراءة استشرافية تستند إلى الوقائع التي عرضها التحقيق، وإلى طبيعة النظام السياسي في الإقليم، وإلى موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية؛ بعد مراجعة نصف قرن من تطور الأزمة، تبدو أمام إقليم كردستان خمسة سيناريوهات رئيسية، تختلف في احتمالات تحققها، لكنها جميعا ترتبط بعامل واحد هو: قدرة القوى السياسية على تجاوز الانقسام الحالي.
السيناريو الأول: تسوية سياسية تعيد إنتاج النظام القائم
وهو السيناريو الأكثر ترجيحا على المدى القريب؛ بموجب هذا السيناريو، تنجح الوساطات، سواء تلك التي يقودها الاتحاد الإسلامي الكردستاني أو أي جهود أخرى، في تقريب وجهات النظر، ويتم تشكيل الحكومة الجديدة بعد تقديم تنازلات متبادلة، إلا أن هذا النجاح سيبقى، في الأغلب، نجاحا إجرائيا أكثر منه تحولا بنيويا، فإذا اقتصر الاتفاق على توزيع المناصب، من دون معالجة جذور الأزمة، فإن النظام السياسي سيستمر بالآليات نفسها التي أنتجت الأزمات السابقة، ما يعني أن الخلافات قد تتجدد مع أول استحقاق سياسي كبير، وبعبارة أخرى، سيكون ذلك تأجيلا للأزمة، لا إنهاء لها.
السيناريو الثاني: استمرار الجمود
إذا بقيت المفاوضات تدور في الحلقة نفسها، فقد يدخل الإقليم مرحلة طويلة من الإدارة المؤقتة، حيث تستمر المؤسسات في أداء الحد الأدنى من وظائفها، بينما تتأخر القرارات الكبرى؛ وفي هذا السيناريو، لن يشهد الإقليم انهيارا مفاجئا، لكنه قد يواجه استنزافا تدريجيا، ويترتب عليه عدة سلبيات نجملها بما يلي:
أ- تتراجع ثقة المستثمرين.
ب- تزداد الضغوط الاقتصادية.
ج- يتوسع الشعور الشعبي بالإحباط.
د- تتعاظم هجرة الكفاءات والشباب.
هـ -تصبح معالجة الأزمات اليومية هي الأولوية، على حساب التخطيط الاستراتيجي.
وهذا النوع من الأزمات، وإن بدا أقل دراماتيكية من الصراعات المسلحة، قد يكون أشد أثرا على المدى البعيد.
السيناريو الثالث: تعاظم دور بغداد
كلما طال أمد الانقسام، ازدادت قدرة الحكومة الاتحادية على إدارة الملفات المشتركة من موقع تفاوضي أقوى، ولا يعني ذلك بالضرورة تقليص الصلاحيات الدستورية للإقليم، لكنه قد يؤدي إلى انتقال مركز الثقل العملي في بعض الملفات إلى بغداد، سواء تعلق الأمر بالموازنة، أو الرواتب، أو إدارة الموارد، أو تنفيذ الاتفاقات الاتحادية.
ومن هنا يمكن فهم ما قصده ملا بختيار عندما قال إن الانقسام يخدم بغداد، فالطرف الأكثر تماسكا يمتلك، بطبيعة الحال، قدرة تفاوضية أعلى من الطرف المنقسم.
السيناريو الرابع: اتساع التأثير الإقليمي والدولي
يقع إقليم كردستان في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية عديدة، لذا فإن أي فراغ سياسي طويل يجعل تلك القوى أكثر حضورا في المشهد، سواء عبر الوساطات، أو الدعم السياسي، أو التعاون الأمني، أو العلاقات الاقتصادية، ولا يعني ذلك بالضرورة تدخلا مباشرا في القرار الكردي، لكنه يعني أن ضعف الموقف الداخلي يحد من قدرة القيادات الكردية على إدارة علاقاتها الخارجية من موقع موحد، وفي هذا السياق، تكتسب تحذيرات ملا بختيار أهمية خاصة، لأنها تلفت الانتباه إلى أن الانقسام الداخلي لا يبقى شأنا داخليا إلى الأبد، بل يتحول مع الوقت إلى عامل مؤثر في طبيعة العلاقة مع الخارج.
السيناريو الخامس… إصلاح سياسي شامل
وهو السيناريو الأكثر طموحا، لكنه أيضا الأكثر صعوبة، لا يقوم هذا السيناريو على تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل على مراجعة شاملة للنظام السياسي الذي نشأ خلال العقود الثلاثة الماضية؛ ويشمل ذلك:
- تعزيز استقلال المؤسسات.
- استكمال توحيد قوات البيشمركة.
- تطوير الإدارة العامة على أسس مهنية.
- تقوية دور البرلمان.
- وضع آليات تحول دون تعطيل تشكيل الحكومات مستقبلا.
ولا يمكن إنجاز مثل هذا التحول بين ليلة وضحاها، لكنه يبقى الطريق الأكثر استدامة إذا أراد الإقليم تجاوز الأزمات الدورية التي رافقته منذ تأسيسه.
هل تعود الحرب؟
منذ اندلاع الأزمة الحالية، عاد هذا السؤال إلى التداول في بعض وسائل الإعلام، غير أن المعطيات المتوافرة لا تشير إلى أن العودة إلى المواجهة العسكرية تمثل سيناريو قائم؛ فالظروف الداخلية تغيرت كثيرا منذ تسعينيات القرن الماضي، والشارع الكردي يحمل ذاكرة مؤلمة عن سنوات الاقتتال الداخلي، كما أن البيئة الإقليمية والدولية لا تبدو مهيأة لتقبل انفجار جديد في شمال العراق.
لكن انخفاض احتمال الحرب لا يعني انتهاء المخاطر؛ فالأزمات السياسية الطويلة قد تضعف المؤسسات بصورة تدريجية، وتترك آثارا لا تقل خطورة عن آثار المواجهات العسكرية، وإن اختلفت طبيعتها.
السؤال الذي يتجاوز الحكومة
بعد استعراض هذه السيناريوهات، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد:
متى ستتشكل الحكومة؟
بل أصبح:
أي نموذج سياسي سيخرج من هذه الأزمة؟
فإذا انتهت الأزمة بتسوية تعيد إنتاج التوازنات القديمة، فإن احتمال تكرارها سيظل قائما؛ أما إذا تحولت إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وتعزيز المؤسسات، وإصلاح آليات الحكم، فقد تصبح نقطة تحول في تاريخ الإقليم، لا مجرد محطة جديدة في سلسلة الأزمات، وهنا يكتمل المشهد الذي بدأ به هذا التحقيق.
تصريحات ملا بختيار لم تكن تتحدث عن حكومة فقط؛ ومبادرة الاتحاد الإسلامي لم تكن تستهدف تشكيل وزارة جديدة فقط.
كلا الحدثين، كل بطريقته، كان يطرح السؤال نفسه:
هل ما زالت التجربة السياسية في إقليم كردستان قادرة على تجديد نفسها من الداخل، أم أنها دخلت مرحلة أصبحت فيها بحاجة إلى مراجعة شاملة تعيد تعريف العلاقة بين السلطة، والمؤسسات، والقضية الكردية نفسها؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التوقف عند البعد الأوسع للأزمة؛ ذلك البعد الذي يتجاوز حدود الإقليم، ليمس مستقبل القضية الكردية في العراق والمنطقة بأسرها، وهو ما يتناوله الفصل الختامي من هذا التحقيق
.
الفصل التاسع
أبعد من تشكيل الحكومة… هل تقف القضية الكردية أمام لحظة مراجعة تاريخية؟
عندما يتابع المراقب تطورات الأزمة في إقليم كردستان، قد يبدو له للوهلة الأولى أنها خلاف سياسي مألوف يتكرر بعد كل انتخابات، وأن الأمر لا يعدو كونه مفاوضات طويلة ستنتهي، كما انتهت أزمات سابقة، بتشكيل حكومة جديدة، غير أن مراجعة مسار الأحداث، منذ الانقسام الكبير عام 1975 وحتى تصريحات ملا بختيار الأخيرة، تكشف أن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها في جانب جوهري، فهي المرة الأولى التي تتزامن فيها أربعة متغيرات كبرى في وقت واحد:
المتغير اﻷول: أزمة سياسية داخلية ممتدة.
المتغير الثاني: ضغوط مالية واقتصادية متزايدة.
المتغير الثالث: تحولات إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
المتغير الرابع: متغيرات دولية تفرض على جميع الفاعلين إعادة حساباتهم.
السؤال لم يعد يتعلق بموعد إعلان الحكومة المقبلة، بل بقدرة النظام السياسي الكردي على مواكبة هذه التحولات.
بين نجاح التجربة ومواطن الخلل
سيكون من الظلم اختزال تجربة إقليم كردستان في أزمتها الحالية، فخلال العقود الثلاثة الماضية، استطاع الإقليم أن يبني مؤسسات تعليمية وصحية وإدارية، وأن يحقق مستوى من الاستقرار جذب الاستثمارات، واستقبل مئات الآلاف من النازحين العراقيين واللاجئين، وشارك بفاعلية في مواجهة تنظيم داعش، وأسهم في ترسيخ النظام الاتحادي في العراق بعد عام 2003… هذه حقائق لا يمكن تجاهلها.
لكن من الإنصاف أيضا الاعتراف بأن التجربة نفسها كشفت، مع مرور الزمن، عن اختلالات بنيوية تراكمت عاما بعد آخر، حتى أصبحت أكثر وضوحا مع كل أزمة سياسية جديدة.
ولعل أبرز تلك الاختلالات هو استمرار تغليب منطق التوازنات الحزبية على منطق المؤسسات، بحيث بقي استقرار النظام مرتبطا باستقرار العلاقة بين القوى السياسية، أكثر من ارتباطه بقوة المؤسسات الدستورية نفسها.
هل تخسر القضية الكردية؟
ربما يكون أخطر ما في الأزمة الحالية أنها لم تعد تؤثر في الحزبين الرئيسيين وحدهما، فكلما طال أمد الانقسام، انعكس ذلك على صورة التجربة الكردية أمام الرأي العام العراقي، وأمام الشركاء الإقليميين والدوليين، كما انعكس على ثقة المواطن الكردي بقدرة النخب السياسية على إدارة الخلافات ضمن أطر مؤسسية مستقرة.
والقضية الكردية، التي ظلت لعقود طويلة تستمد جزءا كبيرا من قوتها من وحدة موقفها في القضايا المصيرية، تجد نفسها اليوم أمام تحد مختلف؛ إذ إن استمرار الانقسام الداخلي قد يضعف قدرتها على التفاوض والدفاع عن مكتسباتها الدستورية داخل الدولة العراقية، ولا يعني ذلك أن تلك المكتسبات أصبحت مهددة بالزوال، لكنه يعني أن الحفاظ عليها يتطلب قدرا أكبر من التوافق الداخلي، في مرحلة تتسم بتعقيدات سياسية وإقليمية متزايدة.
ما الذي كشفت عنه الأزمة؟
بعد متابعة مسار الأحداث، يمكن استخلاص عدد من الحقائق الرئيسية.
أولها، أن الأزمة ليست وليدة الانتخابات الأخيرة، بل هي امتداد لمسار تاريخي بدأ قبل نحو نصف قرن.
وثانيها، أن تشكيل الحكومة، على أهميته، لن يكون نهاية الأزمة إذا بقيت أسبابها البنيوية من دون معالجة.
وثالثها، أن المبادرات السياسية، ومنها مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني، قد تنجح في فتح أبواب الحوار، لكنها وحدها لا تستطيع ضمان استقرار دائم ما لم تترجم إلى إصلاحات مؤسسية تعزز الثقة بين القوى السياسية.
أما الحقيقة الرابعة، فهي أن مستقبل التجربة الكردية لن يتحدد فقط بما يقرره الحزبان الكبيران، بل أيضا بقدرة المجتمع السياسي الكردي، بمختلف مكوناته، على تطوير نموذج للحكم يوازن بين التعددية السياسية ووحدة المؤسسات.
من جرس الإنذار إلى فرصة للمراجعة
بدأ هذا التحقيق بتحذير أطلقه ملا بختيار، وحمل في مضمونه خشية من أن يؤدي استمرار الانقسام إلى تراجع قدرة الكرد على إدارة شؤونهم من خلال موقف سياسي موحد، ثم انتقل إلى مبادرة الاتحاد الإسلامي الكردستاني، التي حاولت أن تقدم نافذة للحوار في لحظة بدا فيها المشهد السياسي أقرب إلى الجمود.
وبين التحذير والمبادرة، عاد التحقيق إلى التاريخ، واستعرض محطات الانقسام، والحرب الأهلية، والشراكة، والأزمات المتعاقبة، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الأزمة الحالية ليست حادثا عابرا، بل اختبارا حقيقيا للنموذج السياسي الذي حكم الإقليم منذ أكثر من ثلاثة عقود.
خاتمة
ربما تنجح المفاوضات خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة في تشكيل حكومة جديدة، وربما تتعثر مرة أخرى، لكن أيا تكن النتيجة، فإن السؤال الذي طرحته الأزمة سيبقى مطروحا:
هل يستطيع إقليم كردستان الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات الحزبية إلى مرحلة ترسيخ المؤسسات؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل قد تحدد أيضا ملامح المرحلة القادمة من تاريخ التجربة الكردية في العراق.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يجمع بين مبادرة سعت إلى رأب الصدع، وتحذير دعا إلى تدارك الخطر قبل أن تتجاوز تداعياته حدود الخلاف السياسي، لتطال مستقبل واحدة من أهم التجارب السياسية في العراق الحديث.

