هل يمكن التنبؤ بالزلازل.. قصة فرانك هوغربيتس بين الفرضية الفلكية والحقائق العلمية
الساعات الأولى التي أعقبت الزلزال القوي الذي ضرب سواحل فنزويلا مؤخرا، لم تكن مواقع رصد الزلازل وحدها هي التي شهدت نشاطا غير مسبوق، بل امتلأت منصات التواصل الاجتماعي أيضا بمنشورات تعيد تداول اسم الباحث الهولندي “فرانك هوغربيتس” وتستحضر توقعاته السابقة، متسائلة: “هل توقع هذا الزلزال أيضا؟.
هذا المشهد ليس جديدا؛ فمنذ الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في السادس من فبراير/شباط 2023، وخلف عشرات الآلاف من الضحايا، أصبح اسم هوغربيتس يتكرر عقب كل زلزال كبير تقريبا.
هناك من يراه باحثا سبق عصره، ويعتقد أن العالم لم ينصفه بعد، بينما يرى آخرون أن شهرته بنيت على تفسيرات وانتقاءات لا ترقى إلى مستوى الدليل العلمي.
وبين هذين الموقفين المتعارضين، تبرز أسئلة تستحق البحث بعيدا عن ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي:
-هل نجح الرجل فعلا في التنبؤ بالزلازل؟
-هل تقوم فرضيته على أسس علمية قابلة للاختبار؟
-هل نجاحه بالتنبؤ ليس سوى توافقات إحصائية ومصادفات يضخمها الانتشار الإعلامي؟.
هذا التحقيق لا يهدف إلى إصدار حكم سريع على شخص أو فكرة، بل يسعى إلى ما هو أبعد من ذلك.
سننتهز الجدل الذي أثارته توقعات هوغربيتس لنفتح ملفا علميا واسعا حول واحدة من أعقد الظواهر الطبيعية التي عرفها الإنسان؛ الزلازل.
سنستعرض نشأة فرضيته، والأسس التي يبني عليها توقعاته، ثم نضعها في ميزان الفيزياء وعلوم الأرض والإحصاء، ونقارنها بما توصلت إليه المؤسسات العلمية العالمية.
كما سنجيب عن أسئلة يطرحها ملايين البشر كلما وقع زلزال كبير:
* هل يمكن التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟.
* لماذا تستطيع اليابان إرسال إنذار قبل وصول الهزة بثوان، لكنها لا تستطيع معرفة موعدها قبل أيام؟.
* ما الفرق بين “التنبؤ” و “الإنذار المبكر”؟.
* إلى أين وصلت الأبحاث في مجال رصد الزلازل؟.
* وهل يمكن أن يغير الذكاء الاصطناعي مستقبل هذا العلم، فينجح فيما عجزت عنه الوسائل التقليدية؟.
إن هذا التحقيق لا يدافع عن فرضية، ولا يسعى إلى هدمها، بل ينطلق من مبدأ بسيط يقوم عليه كل بحث علمي رصين:
“الأفكار تحترم، لكن الأدلة هي التي تحكم”.
وبين الفضول العلمي، والفرضيات المثيرة، والحقائق التي أثبتتها التجارب، ندعو القارئ إلى رحلة استقصائية تجمع بين السرد الصحفي والتحليل العلمي، لنقترب قدر الإمكان من الإجابة عن سؤال لا يزال يؤرق العلماء منذ أكثر من قرن:
هل سيأتي يوم يستطيع فيه الإنسان التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟
من باحث مغمور إلى أشهر اسم في عالم الزلازل
في فجر السادس من فبراير/شباط 2023، استيقظ العالم على واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية في القرن الحادي والعشرين. فقد ضرب زلزال بلغت قوته 7.8 درجات جنوب تركيا وشمال سوريا، مخلفا عشرات الآلاف من الضحايا ومئات الآلاف من المشردين، إضافة إلى دمار واسع طال مدنا كاملة.
وكما يحدث بعد كل كارثة كبرى، بدأت الأسئلة تتزاحم في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي: هل كان بالإمكان توقع هذا الزلزال؟ وهل يستطيع العلم معرفة موعد وقوع الزلازل قبل حدوثها؟.
وبين آلاف المنشورات التي اجتاحت الإنترنت، برز اسم لم يكن معروفا لدى معظم الناس قبل ذلك التاريخ: “فرانك هوغربيتس”، الباحث الهولندي الذي نشر قبل أيام من الكارثة رسالة تحدث فيها عن احتمال وقوع نشاط زلزالي كبير في المنطقة.
وخلال ساعات قليلة، انتشرت صور منشوراته بمختلف اللغات، وبدأت وسائل الإعلام تتساءل:
هل نجح الرجل في التنبؤ بالزلزال؟ وهل اكتشف ما عجز عنه علماء الجيولوجيا منذ أكثر من قرن؟.
منذ تلك اللحظة، تحول اسم فرانك هوغربيتس إلى واحد من أكثر الأسماء تداولا كلما وقع زلزال كبير في أي مكان من العالم؛ فكل هزة أرضية قوية كانت تعيد إلى الواجهة السؤال ذاته:
هل سبق أن حذر منها؟.
لكن الإجابة لم تكن بهذه البساطة.
ففي الوقت الذي رأى فيه كثيرون أن ما حدث يمثل دليلا على امتلاك الرجل قدرة استثنائية على استشراف الكوارث، تعامل المجتمع العلمي بحذر شديد، مؤكدا أن نجاح توقع واحد – أو حتى عدة توقعات – لا يكفي لإثبات صحة أي نظرية ما لم تخضع لاختبارات صارمة قابلة للتكرار والتحقق.
ومن هنا بدأ الجدل الحقيقي.
لماذا تجذبنا فكرة التنبؤ بالزلازل؟
منذ فجر الحضارات، حاول الإنسان فهم الظواهر الطبيعية التي تهدد حياته. فالزلازل تأتي غالبا بلا مقدمات يشعر بها الإنسان، وتترك خلفها خسائر بشرية ومادية هائلة، لذلك كان البحث عن وسيلة للتنبؤ بها حلما راود العلماء والفلاسفة وحتى العامة.
في الحضارات القديمة، نسبت الزلازل إلى غضب الآلهة أو إلى مخلوقات أسطورية تحمل الأرض على ظهورها. ومع تطور العلوم، أدرك الإنسان أن السبب الحقيقي يكمن في حركة الصفائح التكتونية التي تشكل القشرة الأرضية، لكن معرفة السبب لا تعني بالضرورة القدرة على معرفة **موعد** حدوث الزلزال.
ولهذا بقي السؤال مطروحا حتى يومنا هذا: هل يمكن أن يأتي يوم يصبح فيه التنبؤ بالزلازل أمرا ممكنا كما نتنبأ بحالة الطقس؟
هذا السؤال تحديدا هو ما منح فرانك هوغربيتس شهرته العالمية، لأن نظريته تعد الناس بإجابة طال انتظارها.
من هو فرانك هوغربيتس؟
فرانك هوغربيتس باحث هولندي يهتم بدراسة العلاقة بين حركة الأجرام السماوية والنشاط الزلزالي. ويعمل من خلال منظمة مستقلة تحمل اسم **SSGEOS**، وهي اختصار لعبارة “Solar System Geometry Survey”، أي “دراسة هندسة النظام الشمسي”.
ويعتمد في أبحاثه على فرضية مفادها أن اصطفاف الشمس والقمر وبعض الكواكب قد يؤدي إلى زيادة الإجهاد الواقع على الصدوع الجيولوجية، مما يرفع احتمال وقوع زلازل قوية عندما تكون تلك الصدوع أصلا على وشك الانكسار.
ويؤكد هوغربيتس أن هدفه ليس تحديد كل زلزال بدقة، وإنما تحديد الفترات الزمنية التي ترتفع فيها احتمالات النشاط الزلزالي اعتمادا على الحسابات الفلكية.
غير أن هذه الفرضية لا تحظى حتى الآن بقبول المؤسسات العلمية المتخصصة في علم الزلازل، التي ترى أن الأدلة المنشورة لا تكفي لإثبات وجود علاقة سببية بين اصطفاف الكواكب وحدوث الزلازل.
كيف تحولت تغريدة إلى قضية عالمية؟
قبل أيام من زلزال تركيا وسوريا، نشر هوغربيتس رسالة أشار فيها إلى احتمال تعرض المنطقة لنشاط زلزالي كبير. وبعد وقوع الزلزال، أعيد تداول تلك الرسالة ملايين المرات، وأصبحت بالنسبة إلى كثيرين دليلا على نجاح توقعه.
إلا أن باحثين ومتخصصين دعوا إلى قراءة المشهد كاملا، لا إلى الاكتفاء بمنشور واحد. وأشاروا إلى أن تقييم أي منهج علمي لا يتم بالنظر إلى الحالات التي توافق فيها التوقع مع الواقع فحسب، بل يشمل أيضا جميع التوقعات الأخرى التي لم تتحقق، ومدى دقة تحديد المكان والزمان والقوة، وإمكانية تكرار النجاح بصورة منهجية.
ومن هنا انتقل النقاش من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الدوائر العلمية والإعلامية، وبدأت مرحلة جديدة من الجدل حول حقيقة ما يقدمه الباحث الهولندي.
بين الفضول العلمي والانبهار الشعبي
يصعب إنكار أن قصة فرانك هوغربيتس تمتلك جميع عناصر الإثارة: باحث مستقل، نظرية غير مألوفة، كارثة عالمية، ورسائل منشورة قبل وقوع بعض الزلازل.
لكن التاريخ العلمي يعلمنا أن الأفكار غير التقليدية لا تقبل ولا ترفض بسبب غرابتها أو شهرة أصحابها، وإنما تخضع لمعيار واحد لا يتغير:
هل يمكن إثباتها بالأدلة؟ وهل تنجح في الاختبارات المتكررة؟.
ولذلك، فإن الحكم على نظرية هوغربيتس لا ينبغي أن يبنى على منشور واحد أو زلزال واحد، بل على دراسة شاملة لجميع توقعاته، وتحليل منهجه، ومقارنته بما توصل إليه علم الزلازل الحديث.
وهذا ما سنفعله في الفصول التالية من هذا التقرير، حيث سنستعرض بالتفصيل أبرز توقعاته، ونشرح نظريته كما يطرحها هو نفسه، ثم نعرض الموقف العلمي منها، قبل أن نجيب عن السؤال الذي يشغل ملايين البشر:
هل يمكن حقا التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟
هل أصاب فرانك هوغربيتس حقا؟ قراءة نقدية في أشهر توقعاته
بعد الشهرة التي اكتسبها فرانك هوغربيتس إثر زلزال تركيا وسوريا، انقسم الرأي العام إلى فريقين متقابلين؛ فريق رأى فيه باحثا سبق عصره، وربما امتلك مفتاحا لفهم ظاهرة استعصت على العلماء لعقود طويلة، وفريق آخر اعتبره مجرد شخص حالفه الحظ في توقع واحد، ثم صنعت منه وسائل التواصل الاجتماعي أسطورة علمية.
لكن البحث العلمي لا يعرف الانحياز لأي من الطرفين، بل يعتمد على سؤال أكثر دقة:
هل يمكن تقييم أي نموذج للتنبؤ بالزلازل من خلال الحالات التي نجح فيها فقط، أم يجب دراسة جميع توقعاته، سواء أصابت أم أخطأت؟.
هذا هو المنهج الذي سنعتمده في هذا الفصل.
أولا: زلزال تركيا وسوريا… التوقع الذي غير حياة هوغربيتس
في الثالث من فبراير/شباط 2023 نشر هوغربيتس رسالة قال فيها إن منطقة جنوب وسط تركيا وشمال سوريا والأردن ولبنان قد تشهد نشاطا زلزاليا قويا نتيجة اصطفافات فلكية اعتبرها مؤثرة.
وبعد ثلاثة أيام فقط وقع الزلزال المدمر الذي بلغت قوته 7.8 درجات، أعقبه زلزال ثان كبير وعدد هائل من الهزات الارتدادية.
لا شك أن هذا التوافق الزمني منح توقعه شهرة عالمية، لكنه في الوقت نفسه أثار أسئلة علمية عديدة.
لماذا يعده أنصاره دليلا على صحة نظريته؟
يرى المؤيدون أن؛ المنطقة التي أشار إليها كانت صحيحة بصورة عامة، وان التوقيت جاء قبل وقوع الزلزال بأيام قليلة، مشيرين غلى ان قوة الزلزال كانت ضمن النطاق الذي تحدث عنه.
ويعتبر ون أن نجاح هذا التوقع لا يمكن تجاهله أو اعتباره مجرد صدفة.
لكن لماذا يتحفظ العلماء؟
يشير علماء الزلازل إلى أن التقييم العلمي لا يعتمد على حالة واحدة، بل على مجموعة من المعايير، منها:
* هل حدد الموقع بدقة أم تحدث عن منطقة واسعة؟.
* هل حدد يوم وقوع الزلزال أم فترة زمنية تمتد عدة أيام؟.
* هل قدم توقعات مشابهة لم تتحقق؟.
* وهل يمكن تكرار النجاح بالطريقة نفسها مرات عديدة؟.
ويؤكد المختصون أن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية قبل اعتبار أي توقع نجاحا علميا.
ثانيا: ماذا حدث بعد زلزال تركيا؟
كان من المتوقع أن يؤدي نجاح التوقع، إذا كان قائما على منهج علمي متين إلى سلسلة من النجاحات المشابهة.
لكن الواقع كان أكثر تعقيدا.
فقد واصل هوغربيتس نشر تقارير دورية يحذر فيها من فترات قد تشهد نشاطا زلزاليا مرتفعا، وشملت تحذيراته مناطق متعددة من العالم مثل:
-اليابان.
-إندونيسيا.
-الفلبين.
-تشيلي.
-المكسيك.
-منطقة الكاريبي.
-شرق البحر المتوسط.
وقد وقع بالفعل عدد من الزلازل خلال بعض تلك الفترات، بينما مرت فترات أخرى دون وقوع أحداث كبيرة في المناطق المشار إليها.
وهنا تظهر إحدى المشكلات الأساسية في تقييم هذه التوقعات، وهي أن النشاط الزلزالي على الأرض لا يتوقف أصلا، إذ تسجل الشبكات العالمية آلاف الهزات الأرضية كل يوم، يقع كثير منها في المناطق المعروفة بنشاطها الجيولوجي.
ثالثا: زلزال فنزويلا… لماذا عاد الجدل؟
عاد اسم هوغربيتس إلى الواجهة بعد نشره تحذيرا من احتمال ارتفاع النشاط الزلزالي بالتزامن مع اصطفافات فلكية معينة.
وبعد ذلك بفترة قصيرة شهدت فنزويلا ومنطقة الكاريبي نشاطا زلزاليا لافتا، ما دفع كثيرين إلى إعادة تداول منشوراته بوصفها دليلا جديدا على نجاح توقعاته.
لكن عند تحليل الحالة بصورة علمية، تظهر عدة ملاحظات مهمة:
أولا، لم يحدد مدينة بعينها داخل فنزويلا.
ثانيا، لم يحدد ساعة أو يوما محددا.
ثالثا، كان التحذير يشمل نطاقا جغرافيا واسعا يمتد إلى أكثر من منطقة.
ولهذا يرى المختصون أن هذه الحالة لا تكفي وحدها لإثبات القدرة على التنبؤ الدقيق.
رابعا: التوقعات التي لا يتحدث عنها أحد
من الظواهر اللافتة في وسائل التواصل الاجتماعي أن الجمهور يتذكر غالبا التوقعات التي تصيب، بينما تختفي من الذاكرة التوقعات التي لم تتحقق.
ويعد هذا أحد أهم أسباب الجدل المحيط بفرانك هوغربيتس.
فعلى مدار السنوات نشر عشرات التقارير التي أشارت إلى احتمال وقوع نشاط زلزالي قوي في فترات مختلفة، لكن كثيرا منها مر دون أن يشهد الزلزال الكبير الذي توقعه المتابعون.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن منهجه خاطئ، لكنه يعني أن تقييمه لا يجوز أن يعتمد على الحالات الناجحة فقط.
فلو نشر أي شخص مئات التوقعات العامة خلال سنوات طويلة، فمن الطبيعي أن يتوافق بعضها مع أحداث تقع بالفعل، ولذلك يستخدم العلماء أدوات إحصائية لقياس ما إذا كانت نسبة النجاح أعلى من المتوقع بالمصادفة أم لا.
خامسا: كيف يقيم العلماء أي نموذج للتنبؤ؟
عندما يدعي باحث امتلاك طريقة جديدة للتنبؤ بالزلازل، فإن المجتمع العلمي لا يسأل أولا: “كم مرة أصاب؟”، بل يسأل:
1. هل التوقع محدد؟
2. هل أمكن تسجيله قبل وقوع الحدث؟
3. هل يمكن اختباره بصورة مستقلة؟
4. هل ينجح باستمرار؟
5. وهل يتفوق على الاحتمال الإحصائي العادي؟
فإذا تحققت هذه الشروط، تبدأ مرحلة دراسة النموذج ونشره في الدوريات العلمية المحكمة، ثم تحاول فرق بحثية مستقلة إعادة تطبيقه.
أما إذا تعذر تكرار النتائج، فإن الفرضية تبقى غير مثبتة مهما كانت بعض نجاحاتها لافتة.
بين المصادفة والفرضية
من الخطأ وصف كل توقع نجح بأنه مصادفة محضة، كما أنه من الخطأ اعتبار كل نجاح دليلا قاطعا على صحة النظرية، فالاحتمالان يظلان قائمين إلى أن تتوافر أدلة كافية تسمح بالحكم العلمي؛ ولهذا يصر الباحثون على ضرورة التفريق بين ثلاثة أمور:
اﻻول- الملاحظة: وجود توافق بين توقع وحدث.
الثاني- محاولة تفسير هذا التوافق.
الثالث- تفسير أثبت صحته من خلال تجارب واختبارات متكررة ومستقلة.
وحتى اليوم، ما يطرحه فرانك هوغربيتس ما يزال يقع في دائرة الفرضيات التي لم تنتقل بعد إلى مرتبة النظرية العلمية المعترف بها.
إذا كانت صحة التوقعات محل نقاش، فإن السؤال الأهم يبقى:
ما هي النظرية التي يعتمد عليها فرانك هوغربيتس أصلا؟
كيف يمكن لاصطفاف كوكب يبعد مئات الملايين من الكيلومترات عن الأرض أن يؤثر في الصخور الموجودة على عمق عشرات الكيلومترات داخل القشرة الأرضية؟
وهل توجد قوانين فيزيائية تدعم هذا التصور، أم أن الأمر مجرد استنتاج لم تثبت صحته؟
في الفصل القادم سنغادر ساحة الأخبار إلى عالم الفيزياء والفلك، لنشرح نظرية هوغربيتس كما يعرضها هو نفسه، ثم نضعها تحت مجهر العلم الحديث.
نظرية فرانك هوغربيتس… هل تؤثر الكواكب فعلا في حدوث الزلازل؟
“لكي تحكم على أي فكرة بعدل، عليك أولا أن تفهمها كما يقصدها صاحبها، لا كما يفسرها خصومه”
بعد استعراض أبرز توقعات فرانك هوغربيتس، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله:
ما الذي يجعل باحثا هولنديا يربط بين حركة الكواكب والزلازل؟
قد تبدو الفكرة لأول وهلة غريبة، وربما أقرب إلى الخيال منها إلى العلم، لكنها بالنسبة إلى هوغربيتس ليست مجرد حدس أو تخمين، بل هي فرضية يعتقد أنها تستند إلى قوانين فيزيائية وحسابات فلكية. ومن أجل تقييمها بإنصاف، ينبغي أولًا فهمها من داخلها، ثم مناقشتها في ضوء ما توصل إليه العلم الحديث.
الأرض… كائن جيولوجي دائم الحركة
لفهم نظرية هوغربيتس، علينا أن نبدأ من حقيقة علمية لا خلاف عليها.
فالأرض ليست كتلة صخرية جامدة، بل هي كوكب حي جيولوجيًا، تتكون قشرته الخارجية من صفائح تكتونية ضخمة تتحرك ببطء فوق طبقة أكثر ليونة من الوشاح الأرضي.
وتتحرك هذه الصفائح بسرعات تتراوح بين بضعة مليمترات وعدة سنتيمترات في السنة، لكنها أثناء حركتها تتصادم أو تتباعد أو تنزلق بمحاذاة بعضها بعضًا.
وعندما تتراكم الضغوط على طول الصدوع الجيولوجية لسنوات أو عقود، تصل الصخور في لحظة ما إلى حد لا تستطيع معه تحمل المزيد من الإجهاد، فتتحرر الطاقة المختزنة بصورة مفاجئة، وهنا يقع الزلزال.
هذه الآلية تمثل اليوم التفسير المعتمد عالميا لنشأة معظم الزلازل.
أين يختلف هوغربيتس عن علماء الزلازل؟
حتى هذه النقطة لا يوجد أي خلاف بين هوغربيتس والمجتمع العلمي.
لكن الاختلاف يبدأ عند السؤال التالي:
ما الذي يحدد اللحظة الأخيرة التي ينكسر فيها الصدع؟
يرى علماء الزلازل أن هذه اللحظة تنتج عن تفاعل معقد بين عوامل داخلية في القشرة الأرضية، كثير منها لا يزال غير مفهوم بصورة كاملة.
أما هوغربيتس، فيعتقد أن الصفدع قد يكون بالفعل على وشك الانكسار، لكن حدوث الزلزال في يوم معين وليس قبله أو بعده قد يرتبط بتأثيرات خارجية مصدرها النظام الشمسي.
وبعبارة مبسطة، فهو لا يقول إن الكواكب تصنع الزلازل، بل إنها قد تعمل ـ بحسب فرضيته ـ كعامل يحفز انطلاق زلزال كان قريبًا أصلًا من نقطة الانهيار.
ما المقصود بـ “الهندسة الكوكبية”؟
يطلق هوغربيتس على فكرته اسم الهندسة الكوكبية (Planetary Geometry).
ويقصد بها الطريقة التي تصطف بها الشمس والقمر والكواكب بالنسبة إلى الأرض في أوقات معينة.
فعندما تقع عدة أجرام سماوية تقريبا على خط هندسي واحد، أو عندما تتشكل زوايا معينة بينها، يعتقد أن مجموع تأثيراتها الجاذبية يصبح مختلفا عن الظروف العادية.
ومن خلال متابعة هذه الاصطفافات، يحاول تحديد الفترات التي يرى أنها تستحق المراقبة من الناحية الزلزالية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى نقطة مهمة:
في الأدبيات العلمية، لا يعد “الاصطفاف الكوكبي” مصطلحا ذا تعريف فيزيائي دقيق، بل هو وصف هندسي لمواضع الأجرام السماوية كما تُرى من الأرض أو تحسب بالنسبة إليها. أما اعتبار هذا الاصطفاف سببًا مباشرا للنشاط الزلزالي، فهو جزء من فرضية هوغربيتس وليس من الحقائق العلمية المتفق عليها.
دور القمر في النظرية
يعطي هوغربيتس أهمية خاصة للقمر.
وهذا ليس أمرا غريبا تماما، لأن تأثير القمر في الأرض حقيقة مثبتة علميا.
فهو المسؤول، مع الشمس، عن ظاهرة المد والجزر في البحار والمحيطات.
لكن الباحث الهولندي يذهب إلى أبعد من ذلك.
فهو يرى أن قوى المد والجزر لا تؤثر في المياه فقط، بل تمتد بدرجات معينة إلى القشرة الأرضية نفسها، وهو ما يعرف علميًا باسم المد الأرضي (Earth Tides).
ويعتقد أن هذا التأثير، عندما يتزامن مع اصطفافات معينة للكواكب، قد يزيد من احتمالات انطلاق الزلازل في الصدوع القريبة أصلًا من نقطة الانكسار.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
- وجود المد الأرضي حقيقة مثبتة، وقد تم قياسه بأجهزة دقيقة.
- أما قدرة هذا المد على التنبؤ بالزلازل أو إطلاقها بصورة منتظمة، فهي مسألة ما زالت محل بحث ولم تثبت علميًا.
لماذا يهتم بالمشتري وزحل؟
يظهر اسما المشتري وزحل باستمرار في تحليلات هوغربيتس.
والسبب أن هذين الكوكبين هما أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ولذلك يفترض أن لهما أكبر تأثيرات جاذبية بين الكواكب.
ويعتقد أن اصطفافهما مع الأرض والقمر والشمس قد ينتج ظروفًا تستحق المراقبة.
لكن هنا يبرز سؤال فيزيائي مهم:
هل تصل جاذبية المشتري أو زحل إلى الأرض بقوة تسمح بالتأثير في صخور تقع على عمق عشرات الكيلومترات؟
هذا السؤال سيكون محور الفصل القادم، لأنه يمثل نقطة الخلاف الأساسية بين هوغربيتس ومعظم علماء الفيزياء والجيوفيزياء.
هل توجد سوابق تاريخية لهذه الفكرة؟
قد يظن البعض أن الربط بين السماء والزلازل بدأ مع هوغربيتس، لكن الحقيقة أن جذوره أقدم بكثير.
فقد اعتقدت حضارات قديمة، مثل الحضارتين البابلية والصينية، أن الظواهر السماوية تحمل إشارات إلى ما سيقع على الأرض، بما في ذلك الزلازل.
وفي أوروبا خلال القرون الوسطى، ربط بعض الفلكيين بين مواقع الكواكب والكوارث الطبيعية.
ومع ظهور المنهج العلمي الحديث، تراجعت هذه التفسيرات تدريجيًا، وحلت محلها دراسات تعتمد على الرصد والقياس والتجربة.
ومع ذلك، لم تختف الفكرة تمامًا، بل عادت بصيغ جديدة بين حين وآخر، وكان هوغربيتس أحد أبرز من أعاد طرحها في العصر الحديث.
بين الفرضية والبرهان
حتى هذه اللحظة، تبدو نظرية هوغربيتس متماسكة من الناحية المنطقية الداخلية؛ فهي لا تنكر حركة الصفائح التكتونية، ولا تدعي أن الكواكب تولد الطاقة الزلزالية من العدم، بل تفترض أن تأثيرًا سماويًا صغيرًا قد يكون كافيًا لتحفيز صدع بلغ أصلًا حافة الانهيار.
لكن في العلم، لا يكفي أن تكون الفكرة منطقية أو جذابة.
فقد تبدو فرضيات كثيرة معقولة، لكنها تسقط عند أول اختبار تجريبي.
ولهذا فإن السؤال الحاسم ليس: هل تبدو النظرية ممكنة؟ بل: هل تؤيدها الأدلة والقياسات؟؟.
زهل تستطيع الكواكب حقا أن تحرك أعماق الأرض، أم أن الأمر لا يعدو كونه تزامنًا يثير الانتباه أكثر مما يفسره؟.
عندما تتحدث الفيزياء… هل تستطيع الكواكب تحريك الأرض؟
“في العلم، لا تقاس قوة الفكرة بمدى انتشارها، بل بقدرتها على الصمود أمام الاختبار”.
بعد أن تعرفنا إلى فرضية فرانك هوغربيتس، حان الوقت للانتقال من عالم الفرضيات إلى عالم الفيزياء.
فالقضية الأساسية ليست: هل نجح في توقع بعض الزلازل؟
بل هي؛ هل تسمح قوانين الطبيعة أصلا بأن تؤثر الكواكب في حدوث الزلازل؟.
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولا أن نفهم كيف تعمل الجاذبية في الكون.
قانون الجاذبية… القوة التي تربط الكون
في أواخر القرن السابع عشر، وضع العالم الإنجليزي “إسحاق نيوتن” قانون الجاذبية العامة، الذي ينص على أن كل جسم في الكون يجذب أي جسم آخر، وتزداد قوة هذا الجذب بزيادة الكتلة، وتتناقص بسرعة كبيرة كلما ازدادت المسافة بين الجسمين.
وقد استطاع هذا القانون أن يفسر سقوط الأجسام على الأرض، وحركة الكواكب، ومدارات الأقمار، وغيرها من الظواهر الطبيعية.
ومن هنا تبدأ نقطة الاتفاق الأولى مع فرانك هوغربيتس.
فمن الناحية الفيزيائية، لا خلاف على أن “كل الكواكب تؤثر بجاذبيتها في الأرض”.
لكن السؤال ليس هل يوجد تأثير؟ بل؛ هل هذا التأثير كبير بما يكفي لإطلاق زلزال؟.
عندما تصبح المسافة هي العامل الحاسم
قد يبدو المشتري كوكبا هائلا، فهو أكبر من الأرض بأكثر من ألف وثلاثمائة مرة من حيث الحجم، لكن المشتري يبعد عن الأرض مئات الملايين من الكيلومترات.
وهنا يظهر أثر المسافة؛ فوفق قانون الجاذبية، تتناقص القوة بسرعة كبيرة جدا مع ازدياد المسافة، ولذلك فإن الحجم الضخم للكوكب لا يعني بالضرورة أن تأثيره سيكون كبيرا على الأرض.
ولهذا يرى معظم الفيزيائيين أن تأثير المشتري أو زحل على الصخور الموجودة في القشرة الأرضية ضئيل للغاية مقارنة بالقوى الداخلية الهائلة التي تتحكم في حركة الصفائح التكتونية.
ماذا عن القمر؟
هنا تختلف الصورة؛ فالقمر قريب جدا من الأرض مقارنة بأي كوكب آخر، لذلك فإن تأثيره الجاذبي واضح ويمكن قياسه بسهولة، ويظهر هذا التأثير في ظاهرتين معروفتين هما؛ المد والجزر البحري والمد الأرضي.
ويعني المد الأرضي أن القشرة الأرضية نفسها ترتفع وتنخفض بمقادير صغيرة جدا نتيجة تأثير جاذبية القمر والشمس، وقد أكدت أجهزة القياس الحديثة وجود هذه الظاهرة بصورة لا خلاف عليها.
إذن القمر يؤثر بالفعل في الأرض، لكن يبقى السؤال الأصعب: هل يكفي هذا التأثير لإحداث زلزال؟.
ماذا تقول الدراسات الحديثة؟
أجريت خلال العقود الماضية عشرات الدراسات لمحاولة معرفة ما إذا كانت هناك علاقة بين المد الأرضي وحدوث الزلازل، وكانت النتائج أكثر تعقيدا مما توقعه الباحثون؛ فقد أشارت بعض الدراسات إلى وجود زيادة طفيفة في احتمال وقوع بعض أنواع الزلازل أثناء حالات معينة من المد الأرضي، خصوصا إذا كان الصدع الجيولوجي قد وصل أصلا إلى مرحلة حرجة.
لكن هذه العلاقة كانت ضعيفة جدا من الناحية الإحصائية، ولم تسمح للعلماء بتحديد موعد أي زلزال مسبقا، وبعبارة أخرى قد يكون المد الأرضي عاملا مساعدا في بعض الحالات، لكنه لا يصلح حتى الآن أداة للتنبؤ.
هل يمكن لدفعة صغيرة أن تطلق حدثا كبيرا؟
هنا يطرح هوغربيتس فكرة تبدو معقولة للوهلة الأولى، فهو يقول إن الصدع الجيولوجي يشبه صخرة ضخمة تقف على حافة منحدر؛ الصخرة لا تحتاج إلى قوة هائلة حتى تسقط، بل ربما تكفيها دفعة صغيرة جدا إذا كانت أصلا على وشك الانهيار.
ويشبه تأثير اصطفاف الكواكب بهذه “الدفعة الأخيرة”، من الناحية الفكرية، تبدو هذه الفكرة جذابة لكن الفيزياء لا تكتفي بالتشبيه، فالفيزيائي يريد أن يعرف؛ ما مقدار هذه الدفعة؟ وهل يمكن قياسها؟ وهل تكفي فعلا لتحريك كتل صخرية هائلة؟ وهنا يبدأ الخلاف.
أين يعترض علماء الفيزياء؟
يرى معظم المتخصصين أن الطاقة المختزنة داخل الصفائح التكتونية تفوق بكثير أي تغير طفيف في الجاذبية ناتج عن اصطفاف الكواكب، كما يشيرون إلى أن الاصطفافات الفلكية تحدث باستمرار، بينما لا تتزامن دائما مع زلازل كبرى، ولو كانت العلاقة سببية ومباشرة، لكان من المتوقع ظهور نمط واضح ومتكرر يمكن التحقق منه بسهولة.
لكن هذا النمط لم يظهر حتى الآن بصورة تقنع المجتمع العلمي، فهل أخطأ العلم من قبل؟ قد يقول قائل: “لقد رفض العلماء في الماضي أفكارا كثيرة ثم تبين أنها صحيحة”، وهذا صحيح.
فالتاريخ العلمي مليء بأمثلة لنظريات قوبلت بالرفض في بدايتها، ثم أصبحت فيما بعد جزءا من المعرفة الإنسانية؛ لكن الصورة ليست بهذه البساطة، ففي مقابل كل فكرة ثبتت صحتها لاحقا، هناك آلاف الفرضيات الأخرى اختفت لأنها لم تصمد أمام الاختبار.
ولهذا لا يرفض العلماء أي فكرة لأنها جديدة، بل يطلبون من صاحبها أن يقدم دليلا يمكن لأي باحث آخر التحقق منه، وهذا هو جوهر المنهج العلمي.
ما الذي يحتاجه هوغربيتس لإقناع المجتمع العلمي؟
إذا أراد أي باحث إثبات صحة منهجه، فعليه أن يقدم نموذجا يستطيع، بصورة متكررة، أن يحدد:
1-المنطقة الجغرافية بدقة.
2-الإطار الزمني الضيق.
3-القوة التقريبية للزلزال.
4-نسبة نجاح أعلى بكثير من المصادفة.
ثم يسمح لفرق بحثية مستقلة بإعادة اختبار النموذج دون تدخله.
فإذا نجح النموذج مرة بعد أخرى، فسيتحول من فرضية مثيرة للجدل إلى اكتشاف علمي قد يغير فهمنا للزلازل.
لكن حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم يتحقق ذلك.
العلم… بين الشك والانفتاح
من الأخطاء الشائعة تصوير العلم على أنه يرفض كل فكرة غير مألوفة، والحقيقة أن العلم يقوم على مبدأين متكاملين؛ الأول: الانفتاح على الفرضيات الجديدة، والثاني: التشدد في طلب الأدلة.
فرضية فرانك هوغربيتس ليست مرفوضة لأنها تتحدث عن الكواكب، وإنما لأنها لم تقدم حتى الآن أدلة تجريبية كافية تسمح بقبولها؛ فالفرق كبير بين أن تكون الفكرة ممكنة من حيث التصور، وأن تكون مثبتة من خلال التجربة، وهذا الفرق هو ما يصنع الحدود الفاصلة بين الفلسفة الطبيعية والعلم التجريبي.
فإذا كان المجتمع العلمي لا يستطيع حتى اليوم التنبؤ بموعد الزلازل، فهل يعني ذلك أن العلماء يقفون مكتوفي الأيدي؟.
الإجابة لا؛ فخلال العقود الأخيرة طورت دول مثل اليابان والولايات المتحدة والصين وتشيلي أنظمة متقدمة لرصد النشاط الزلزالي، وبعضها يستطيع إرسال إنذار قبل وصول الموجات المدمرة بثوان قد تكون كافية لإنقاذ آلاف الأرواح.
لماذا لا يستطيع العلماء التنبؤ بالزلازل؟
الفرق بين التنبؤ والإنذار المبكر… الحقيقة التي يجهلها كثيرون
“الزلزال لا يرسل رسالة قبل أن يبدأ… لكنه يرسل إشارات بعد أن يبدأ، والفرق بين الأمرين هو الفرق بين التنبؤ والإنذار المبكر”.
في تمام الساعة 2:46 بعد ظهر يوم 11 مارس/آذار 2011، كان آلاف الموظفين في العاصمة اليابانية طوكيو يمارسون أعمالهم اليومية بصورة اعتيادية؛ وفجأة، صدرت من الهواتف المحمولة وصفارات الإنذار وشاشات التلفاز رسالة عاجلة:
“زلزال قوي… احتموا فورا” لم يكن معظم الناس قد شعروا بأي اهتزاز بعد، مع ذلك، بدأ الجميع بتنفيذ إجراءات السلامة، وتوقفت القطارات فائقة السرعة، وتعطلت المصاعد تلقائيا، وأوقفت بعض المصانع خطوط الإنتاج خلال ثوان معدودة.
وبعد لحظات فقط، وصلت الموجات الزلزالية إلى المدينة، لتبدأ واحدة من أعظم الكوارث الطبيعية في تاريخ اليابان الحديث، وهي “زلزال توهوكو” الذي بلغت قوته 9 درجات، وأعقبه تسونامي مدمر تسبب في كارثة محطة “فوكوشيما” النووية.
وهنا يطرح كثير من الناس سؤالا منطقيا، إذا كانت اليابان استطاعت تحذير السكان قبل وصول الزلزال، فلماذا يقول العلماء إن التنبؤ بالزلازل غير ممكن؟.
الإجابة تكمن في فهم الفرق بين مفهومين يختلطان على الجمهور، رغم أن بينهما فارقا علميا وزمنيا كبيرا.
أولا: ما هو التنبؤ بالزلازل؟
هو أن تستطيع جهة علمية أن تقول، قبل وقوع الزلزال؛ سيحدث زلزال في هذه المنطقة تحديدا، خلال هذا اليوم أو الساعة، وبقوة تقارب مقدارا معينا، هذا هو المعنى الحقيقي للتنبؤ، ولو استطاع العلماء فعل ذلك باستمرار، لأمكن إخلاء المدن قبل الكوارث، وإنقاذ مئات الآلاف من الأرواح، وتقليل الخسائر الاقتصادية بصورة هائلة.
لكن الواقع العلمي يقول إن هذا الهدف لم يتحقق حتى اليوم؛ فالأرض ليست جهازا يمكن قراءة ما بداخله بسهولة، بل نظام جيولوجي بالغ التعقيد، تتفاعل داخله ضغوط هائلة في أعماق لا تصل إليها أدوات القياس المباشر.
ولهذا تؤكد هيئات علمية، مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، أنه لا توجد حتى الآن وسيلة معتمدة للتنبؤ بموعد وقوع الزلازل بدقة من حيث المكان والزمان والقوة.
ثانيا: ما هو الإنذار المبكر؟
أما الإنذار المبكر (Early Warning)، فهو شيء مختلف تماما؛ فالزلزال يكون قد بدأ بالفعل، لكن لأن الموجات الزلزالية لا تتحرك جميعها بالسرعة نفسها، يمكن اكتشاف الموجات الأولى، ثم إرسال تحذير قبل وصول الموجات الأكثر تدميرا إلى المدن البعيدة عن مركز الزلزال.
وهنا تظهر عبقرية الفكرة، فالإنذار لا يخبرك بما سيحدث غدا، بل يخبرك بما يحدث الآن… في مكان آخر، ولأن الموجات الزلزالية تحتاج إلى عدة ثوان أو عشرات الثواني حتى تصل إلى المدن البعيدة، تستطيع الأنظمة الإلكترونية استغلال هذه المهلة القصيرة لإرسال التحذيرات.
كيف يعمل نظام الإنذار المبكر؟
لفهم الفكرة، تخيل أن الزلزال وقع في منطقة جبلية تبعد مائة كيلومتر عن مدينة كبيرة، تبدأ أولا بالانطلاق موجات أولية تعرف باسم “P-Waves” هذه الموجات؛ هي الأسرع انتشارا، وأقل قدرة على التدمير، وتستطيع أجهزة الرصد اكتشافها فور وصولها، بعدها بثوان، تصل الموجات الثانوية “S-Waves”، وهذه هي الموجات التي تسبب معظم الاهتزازات والانهيارات.
وبمجرد أن تلتقط الشبكات الزلزالية الموجات الأولى، تقوم الحواسيب بتحليل البيانات في أجزاء من الثانية، ثم ترسل تحذيرا إلى:
* الهواتف الذكية.
* محطات القطارات.
* المطارات.
* المستشفيات.
* المدارس.
* المصانع.
* شبكات الكهرباء والغاز.
وقد تبدو عشر ثوان مدة قصيرة، لكنها قد تكون كافية لإيقاف قطار سريع، أو فتح أبواب محطات الإطفاء، أو تمكين الجراح من إبعاد الأدوات الدقيقة، أو منح شخص فرصة للابتعاد عن واجهة زجاجية قابلة للتحطم.
لماذا تنجح اليابان في ذلك؟
تقع اليابان فوق واحدة من أكثر المناطق نشاطا زلزاليا على سطح الأرض، عند التقاء عدة صفائح تكتونية، من هنا استثمرت الحكومة على مدى عقود، في إنشاء واحدة من أكثر شبكات الرصد الزلزالي تطورا في العالم، تضم هذه الشبكة آلاف أجهزة الاستشعار الموزعة في مختلف أنحاء البلاد، والمتصلة بحواسيب فائقة السرعة تعمل على مدار الساعة.
ولا تقتصر الاستفادة من النظام على إرسال التحذيرات إلى المواطنين، بل تمتد إلى تشغيل أنظمة آلية توقف القطارات فائقة السرعة، وتعزل بعض خطوط الغاز والكهرباء، وتساعد المستشفيات والمرافق الحيوية على اتخاذ إجراءات وقائية خلال ثوان معدودة.
لماذا لا يعد ذلك تنبؤا؟، قد يبدو الفرق لغويا، لكنه في الحقيقة فرق علمي جوهري، التنبؤ يعني معرفة الحدث قبل أن يبدأ، أما الإنذار المبكر، فيعني اكتشاف الحدث بعد أن بدأ بالفعل، ثم نقل المعلومة بسرعة أكبر من وصول الموجات المدمرة إلى بعض المناطق.
ولهذا يحرص علماء الزلازل على استخدام المصطلحين بدقة، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى توقعات غير واقعية بشأن قدرات العلم الحالية.
لماذا لا يشبه الزلزال توقع الطقس؟
يتساءل كثيرون؛ إذا كنا نستطيع معرفة حالة الطقس بعد أسبوع، فلماذا نعجز عن معرفة موعد الزلزال؟ يكمن الجواب في طبيعة النظامين.
فالطقس ظاهرة يمكن مراقبة عناصرها بصورة مباشرة؛ إذ تدور آلاف الأقمار الصناعية حول الأرض، وتقيس باستمرار درجات الحرارة، والضغط الجوي، والرطوبة، وحركة السحب والرياح.
أما الزلازل، فتنشأ في أعماق قد تصل إلى عشرات الكيلومترات تحت سطح الأرض، حيث لا يمكن وضع أجهزة قياس داخل كل صدع نشط، ولا مراقبة جميع التغيرات التي تسبق الانكسار الصخري.
وبعبارة أخرى، يستطيع علماء الأرصاد الجوية رؤية جزء كبير من النظام الذي يدرسون سلوكه، بينما يدرس علماء الزلازل نظاما لا يزال معظم ما يحدث داخله بعيدا عن الرصد المباشر.
ولهذا فإن المقارنة بين التنبؤ بالطقس والتنبؤ بالزلازل ليست دقيقة من الناحية العلمية.
ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟
خلال السنوات الأخيرة، بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل بقوة إلى مجال علوم الأرض، وتعمل فرق بحثية في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا والصين على تدريب نماذج حاسوبية لتحليل ملايين السجلات الزلزالية، بحثا عن أنماط دقيقة قد يصعب على الإنسان ملاحظتها.
وقد حققت بعض هذه النماذج نتائج واعدة في تحسين اكتشاف الهزات الصغيرة، وتحليل سلوك الصدوع، وتقدير احتمالات النشاط الزلزالي، لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الأدوات، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مرحلة التنبؤ الدقيق بموعد ومكان الزلازل، بل تستخدم أساسا لتحسين الرصد وفهم العمليات الجيولوجية، وليس لإعلان موعد الكارثة المقبلة.
بين الحقيقة والفرضية
✅ **حقيقة مثبتة:** لا توجد حتى اليوم طريقة علمية معتمدة تستطيع التنبؤ بموعد ومكان وقوة الزلزال بدقة.
✅ **حقيقة مثبتة:** أنظمة الإنذار المبكر لا تتنبأ بالزلازل، وإنما تكتشف بدايتها وترسل تحذيرا قبل وصول الموجات المدمرة إلى بعض المناطق.
✅ **حقيقة مثبتة:** اليابان والولايات المتحدة والمكسيك والصين تمتلك أنظمة متقدمة للإنذار المبكر أسهمت في تقليل الخسائر البشرية والمادية.
🟡 **فرضية قيد البحث:** استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة قد يحسن مستقبلا فهم سلوك الصدوع الزلزالية، لكن لم يثبت حتى الآن أنه قادر على التنبؤ الدقيق بالزلازل.
الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالزلازل سباق قد يغير مستقبل البشرية
في أحد مختبرات علوم الأرض، لا يقف العلماء اليوم أمام مجسمات للصخور أو خرائط ورقية كما كان الحال قبل عقود، بل أمام شاشات تعرض بلايين البيانات التي تتدفق من الأقمار الصناعية، ومحطات الرصد الزلزالي، وأجهزة قياس تشوه القشرة الأرضية، وأجهزة تحديد المواقع العالمية (GPS).
لم يعد السؤال المطروح داخل هذه المختبرات؛ هل سيقع زلزال؟ فهذا أمر مؤكد في المناطق النشطة زلزاليا بل أصبح السؤال: هل توجد إشارات خفية تسبق الزلزال يمكن للحواسيب اكتشافها بينما يعجز الإنسان عن ملاحظتها؟.
هذا السؤال يقود اليوم أحد أكثر ميادين البحث العلمي طموحا، حيث تتلاقى علوم الزلازل مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.
لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من علم الزلازل؟
على مدى أكثر من قرن، اعتمد علماء الزلازل على تحليل السجلات الزلزالية يدويا أو باستخدام برامج متخصصة، لكن حجم البيانات اليوم أصبح هائلا؛ فشبكات الرصد حول العالم تسجل يوميا آلاف الهزات الأرضية، إضافة إلى ملايين القياسات المتعلقة بحركة الصفائح، وتشوه سطح الأرض، والتغيرات في المجالين المغناطيسي والجاذبي، وغيرها من المؤشرات.
هذه الكميات الضخمة من البيانات تفوق قدرة الإنسان على تحليلها بالكامل؛ وهنا ظهر دور الذكاء الاصطناعي، القادر على معالجة ملايين الأنماط في وقت قصير، والبحث عن علاقات قد تكون غير مرئية للمحلل البشري.
لكن من المهم التمييز بين أمرين؛ اكتشاف الأنماط الإحصائية، والقدرة على التنبؤ المؤكد بموعد الزلزال، فالأول تحقق تقدم فيه، أما الثاني فما يزال بعيد المنال.
فماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل اليوم؟
الذكاء الاصطناعي أحدث تطورا ملحوظا في عدة مجالات، منها:
أولا: اكتشاف الهزات الصغيرة، اذ تستطيع النماذج الحديثة التعرف إلى إشارات زلزالية ضعيفة جدا، كانت تضيع سابقا وسط الضوضاء المسجلة، وهذا يساعد الباحثين على رسم صورة أكثر دقة للنشاط الزلزالي، وفهم كيفية تطور الصدوع مع الزمن.
ثانيا: تحسين تحديد مركز الزلزال؛ تستخدم خوارزميات التعلم الآلي لتقدير موقع الزلزال وعمقه بسرعة أكبر، ما يسرع إصدار التنبيهات، ويساعد فرق الطوارئ على الاستجابة.
ثالثا: تحليل تسلسل الهزات؛ بعد وقوع زلزال كبير، تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي على تحليل توزع الهزات الارتدادية، وتقدير احتمالات استمرار النشاط الزلزالي، وهو أمر مهم لفرق الإنقاذ والسلطات المحلية.
رابعا: دعم أنظمة الإنذار المبكر؛ حيث تسهم الخوارزميات الحديثة في تقليل زمن معالجة البيانات، ما يسمح بإرسال التحذيرات خلال ثوان قليلة من بدء الزلزال.
هل توجد إشارات تسبق الزلزال؟
منذ عشرات السنين، يبحث العلماء عن “بصمة” تسبق الزلزال الكبير ومن بين المؤشرات التي درست؛ التغيرات طفيفة في تشوه القشرة الأرضية، وكذلك انبعاث بعض الغازات مثل الرادون من الشقوق الصخرية، والاضطرابات في المجال الكهرومغناطيسي، وتغيرات في المياه الجوفية، واي نشاط زلزالي دقيق يسبق أحيانا الزلازل الكبرى.
لكن المشكلة أن هذه الظواهر ليست ثابتة، فقد تظهر قبل بعض الزلازل، وتغيب تماما قبل زلازل أخرى، كما قد تحدث دون أن يعقبها أي زلزال كبير، عليه لم يتمكن العلماء حتى الآن من اعتماد أي منها مؤشرا موثوقا للتنبؤ.
ماذا عن الأقمار الصناعية؟
شهدت السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة الأرض، فبفضل تقنيات الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (InSAR)، أصبح بالإمكان قياس تشوهات سطح الأرض بدقة تصل إلى بضعة مليمترات في بعض الحالات.
وتستخدم هذه التقنية لرصد حركة الصفائح، ومراقبة تشوهات البراكين، وتقييم آثار الزلازل بعد وقوعها؛ لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة، هي ان هذه القياسات تساعد على فهم كيفية تراكم الإجهادات داخل القشرة الأرضية، لكنها لا تسمح حتى الآن بتحديد اللحظة التي سينكسر فيها الصدع ويبدأ الزلزال.
هل يمكن أن يتغير هذا الواقع؟
يعتقد عدد من الباحثين أن الإجابة قد تكون: نعم، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يتخيلها الناس.
فربما لا يصل العلم إلى تحديد اليوم والساعة بدقة، وإنما إلى تحسين تقدير احتمالات الخطر في مناطق معينة خلال فترات زمنية محددة، بالاعتماد على دمج بيانات الزلازل، وتشوه القشرة، والقياسات الجيوفيزيائية، والذكاء الاصطناعي، وهذا سيكون تطورا مهما، حتى لو لم يصل إلى مفهوم “التنبؤ الكامل”.
لماذا يصدق الناس المتنبئين؟
بين علم النفس والمنهج العلمي كيف تتحول الفرضية إلى “حقيقة” في أذهان الملايين؟
في الأيام التي أعقبت زلزال تركيا وسوريا عام 2023، لم يكن اسم فرانك هوغربيتس وحده هو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل انتشرت معه عشرات الصور ومقاطع الفيديو التي قيل إنها “تثبت” أنه توقع الكارثة بدقة.
وبالنسبة إلى كثير من الناس، بدا الأمر محسوما، “لقد قالها فلان قبل وقوع الزلزال… إذن فهو يعلم”!.
لكن علماء النفس المعرفي يطرحون سؤالا مختلفا؛ لماذا نميل إلى الاقتناع السريع بالقصص التي تبدو مترابطة، حتى عندما تكون الأدلة غير مكتملة؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التعرف إلى بعض الآليات الذهنية التي تؤثر في طريقة تفكيرنا جميعا، دون استثناء.
أولا: التحيز التأكيدي… عندما نبحث عما يؤيد قناعاتنا
يعد التحيز التأكيدي (Confirmation Bias) من أكثر الظواهر النفسية دراسة في العلوم السلوكية، وهو يعني ميل الإنسان إلى ملاحظة المعلومات التي تؤيد ما يعتقده مسبقا، مع إهمال أو التقليل من شأن المعلومات التي تخالفه.
فإذا كان شخص ما مقتنعا بأن هوغربيتس يمتلك قدرة استثنائية على التنبؤ، فسيتذكر التوقعات التي بدت صحيحة، بينما قد يتجاهل التوقعات التي لم تتحقق، في المقابل، قد يقع الرافضون للنظرية في التحيز نفسه، فيركزون فقط على الأخطاء ويتجاهلون أي توافقات تستحق الدراسة.
من هنا فان العلماءلا يعتمدون على الانطباعات الشخصية، بل يجمعون جميع البيانات ثم يحللونها وفق معايير موحدة.
ثانيا: انتقائية الذاكرة
تعمل ذاكرتنا بطريقة مختلفة عما نتخيل.
فنحن لا نخزن كل الأحداث بالدرجة نفسها من الوضوح، فالحدث الذي يرتبط بعاطفة قوية، كزلزال مدمر أو كارثة إنسانية، يترك أثرا عميقا في الذاكرة.
بناء على ذلك عندما نرى منشورا قديما يتحدث عن احتمال وقوع زلزال، ثم يحدث زلزال بالفعل، يربط العقل بين الحدثين بقوة، حتى لو كانت هناك عشرات المنشورات الأخرى التي لم يتحقق مضمونها.
وهذا لا يعني أن المنشور الأول عديم القيمة، لكنه يعني أن تقييمه يجب أن يتم ضمن مجمل التوقعات لا بمعزل عنها.
ثالثا: مغالطة القناص في تكساس
من أشهر الأمثلة التي تدرس في الإحصاء وفلسفة العلم ما يعرف باسم (مغالطة القناص في تكساس) (Texas Sharpshooter Fallacy).
وتحكي القصة عن شخص أطلق عشرات الرصاصات عشوائيا على جدار حظيرة، ثم رسم دائرة حول أكثر الأماكن التي تجمعت فيها الطلقات، وادعى أنه قناص بارع لأنه أصاب الهدف.
المشكلة هنا ليست في الرصاصات، بل في أن الهدف رسم بعد وقوعها، ويستخدم العلماء هذا المثال للتحذير من البحث عن الأنماط بعد وقوع الأحداث، ثم اعتبارها دليلا على وجود قدرة تنبؤية، لهذا السبب يشدد المنهج العلمي على أن تسجل التوقعات مسبقا، وأن تكون محددة وقابلة للاختبار قبل وقوع الحدث.
رابعا: هل المصادفة أقل احتمالا مما نتصور؟
عندما يحدث زلزال كبير بعد تحذير منشور على الإنترنت، يبدو الأمر استثنائيا؛ لكن الإحصائيين ينظرون إلى الصورة كاملة، ففي العالم تسجل آلاف الهزات الأرضية يوميا، ويصدر في المقابل عدد كبير من التوقعات والتحذيرات والتحليلات، وفي مثل هذه البيئة، قد تتوافق بعض التوقعات مع أحداث حقيقية بالمصادفة وحدها.
وهذا لا يثبت صحة التوقع ولا ينفيها، إنما يدفع إلى سؤال أكثر دقة؛ هل تتجاوز نسبة النجاح ما يمكن تفسيره بالمصادفة؟، وهذا هو السؤال الذي تحاول الدراسات الإحصائية الإجابة عنه.
خامسا: لماذا لا يكتفي العلماء بالنجاح مرة واحدة؟
في الحياة اليومية، قد يكفي أن ينجح شخص مرة واحدة ليكسب ثقة الناس، أما في العلم، فالأمر مختلف تماما، فالنتيجة الواحدة قد تكون؛ مصادفة، أو خطأ في القياس، أو تفسيرا غير دقيق، أو نجاحا حقيقيا.
ولذلك لا تقبل الفرضية إلا إذا أمكن تكرار النجاح في ظروف مختلفة، ومن قبل فرق بحثية مستقلة، فالتجربة القابلة للتكرار تعد من أهم ركائز المنهج العلمي الحديث.
سادسا: كيف تتحول الفرضية إلى نظرية؟
تمر الأفكار العلمية عادة بعدة مراحل:
1. الملاحظ؛ة يلاحظ الباحث ظاهرة غير مألوفة.
2. الفرضية؛ يقترح تفسيرا محتملا لها.
3. الاختبار؛ يجري تجارب أو يقدم تنبؤات قابلة للتحقق.
4. المراجعة العلمية؛ يفحص باحثون آخرون النتائج ويحاولون تكرارها.
5. التراكم المعرفي؛ إذا صمدت الأدلة مع مرور الوقت، قد تصبح الفرضية جزءا من نظرية علمية أوسع.
هذا المسار لا يضمن أن كل فرضية ستصبح نظرية، لكنه يضمن أن النظريات المقبولة مرت باختبارات صارمة.
فرانك هوغربيتس… أين يقف على هذا المسار؟
إذا نظرنا إلى مسار هوغربيتس من زاوية فلسفة العلم، يمكن القول إنه قدم فرضية تستحق النقاش، لأنها تطرح سؤالا قابلا للاختبار من حيث المبدأ، لكن انتقال هذه الفرضية إلى مرتبة النظرية يتطلب أدلة تجريبية قابلة للتكرار، ونشرا في دوريات علمية محكمة، ونجاحا يمكن لفرق بحثية مستقلة التحقق منه.
حتى الآن، لم يتحقق هذا الانتقال وفق المعايير المعتمدة في المجتمع العلمي؛ وهذا لا يعني إغلاق باب البحث، بل يعني أن عبء الإثبات ما يزال قائما.

