مقدمة
لم يعد استكشاف الفضاء في القرن الحادي والعشرين مجرد سباق للوصول إلى الكواكب أو إرسال المركبات الفضائية، بل أصبح مشروعًا علميًا عالميًا يسعى إلى الإجابة عن أكثر الأسئلة عمقًا في تاريخ الإنسان: كيف نشأ الكون؟ وما الذي يشكله؟ وكيف تطورت المجرات التي تملأ فضاءه الشاسع؟
وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران 2026 عن واحد من أبرز الإنجازات الفلكية في السنوات الأخيرة، بعدما نجح تلسكوب «إقليدس» (Euclid) في التقاط أوسع وأدق صورة حتى الآن لقلب مجرة درب التبانة، كاشفًا عن أكثر من ستين مليون نجم في منطقة واحدة من السماء، في إنجاز وصفه العلماء بأنه يمثل بداية مرحلة جديدة في دراسة مجرتنا وفهم بنيتها الداخلية، كما يمهد الطريق لاكتشاف آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، ورصد أجرام سماوية لم يكن من الممكن التعرف إليها بالتقنيات السابقة.[1]
ولم يكن هذا الإعلان مجرد إضافة رقمية إلى سجل الاكتشافات الفلكية، بل جاء نتيجة سنوات من التخطيط والتطوير والاستثمار العلمي، شارك فيها مئات الباحثين والمهندسين من عشرات الدول الأوروبية، في إطار واحدة من أكثر المهمات الفضائية طموحًا خلال العقد الحالي. فقد صُمم تلسكوب «إقليدس» في الأصل لدراسة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وهما من أكثر مكونات الكون غموضًا، إلا أن قدراته البصرية الفائقة مكّنته من تحقيق إنجازات تجاوزت الأهداف الأصلية للمهمة، وفي مقدمتها تصوير مركز مجرتنا بدرجة غير مسبوقة من الوضوح والتفصيل.[2]
ولعل ما زاد من الاهتمام العالمي بهذا الحدث هو تداول أخبار على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي تزعم أن التلسكوب اكتشف تسعين مليون جرم سماوي في قلب المجرة. غير أن مراجعة البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة الفضاء الأوروبية، وكذلك التقارير العلمية التي نشرتها وكالة ناسا وعدد من المؤسسات البحثية، تُظهر أن الرقم الموثق حتى الآن هو أكثر من ستين مليون نجم جرى التعرف إليها في الصورة المنشورة، بينما لا يزال تحليل البيانات مستمرًا، ومن المتوقع أن يكشف عن مزيد من الأجرام في المستقبل.[3]
إن هذا التصحيح لا يقلل من قيمة الاكتشاف، بل يؤكد أهمية الاعتماد على المصادر العلمية الأصلية، خاصة في زمن تنتشر فيه الأخبار العلمية بسرعة قد تسبق التحقق من دقتها. فالفارق بين ستين وتسعين مليونًا ليس هو جوهر الإنجاز، وإنما تكمن أهميته في أن العلماء أصبحوا يمتلكون، لأول مرة، خريطة بصرية فائقة الدقة لقلب مجرتنا، يمكن أن تُستخدم لسنوات طويلة في دراسة النجوم والكواكب والثقوب السوداء والبنية الديناميكية للمجرة.
لماذا يعد هذا الاكتشاف حدثا استثنائيا؟
قد يتساءل القارئ: ما الذي يجعل صورة جديدة لمجرة درب التبانة تستحق كل هذا الاهتمام؟
للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولًا إدراك أن الإنسان يعيش داخل مجرة يبلغ قطرها نحو 100 ألف سنة ضوئية، وتضم ما بين 100 و400 مليار نجم وفق أحدث التقديرات الفلكية.[4] ورغم أننا نقيم داخل هذه المجرة، فإننا لا نستطيع رؤيتها من الخارج، ولذلك يعتمد علماء الفلك على رسم خرائط دقيقة لمكوناتها من الداخل، وهي مهمة بالغة الصعوبة بسبب السحب الكثيفة من الغبار والغاز التي تحجب الرؤية، ولا سيما في المنطقة المركزية المعروفة باسم الانتفاخ المجري (Galactic Bulge).
وتُعد هذه المنطقة من أكثر أجزاء المجرة ازدحامًا، إذ تحتوي على أعداد هائلة من النجوم القديمة، إضافة إلى تجمعات نجمية كثيفة وسحب جزيئية ومصادر إشعاعية متنوعة، فضلًا عن وجود الثقب الأسود الهائل المعروف باسم القوس A* (Sagittarius A*) في مركز المجرة.[5]
وقد ظلت دراسة هذه المنطقة محدودة لعقود طويلة، لأن التلسكوبات السابقة كانت تواجه معضلتين رئيسيتين: ضيق مجال الرؤية، وصعوبة اختراق الغبار الكوني. أما تلسكوب «إقليدس»، فقد جمع بين مجال رؤية واسع جدًا وحساسية ضوئية عالية، ما أتاح له تصوير مساحة كبيرة من قلب المجرة بدقة تكفي لتمييز ملايين النجوم المنفردة، وهو إنجاز لم يكن متاحًا من قبل.[6]
ومن هنا، فإن الصورة الجديدة ليست مجرد إنجاز بصري، بل هي قاعدة بيانات علمية ضخمة ستشكل مرجعًا لعشرات المشاريع البحثية خلال السنوات القادمة، بدءًا من دراسة تطور النجوم، ومرورًا بالبحث عن الكواكب الخارجية، وانتهاءً بفهم توزيع المادة المظلمة داخل مجرتنا.
من هو «إقليدس» الذي حمل التلسكوب اسمه؟
اختارت وكالة الفضاء الأوروبية اسم إقليدس لهذا المرصد الفضائي تكريمًا للعالم اليوناني الشهير الذي عاش في الإسكندرية نحو عام 300 قبل الميلاد، ويُعد مؤسس علم الهندسة الإقليدية، وهو العلم الذي قامت عليه معظم التطبيقات الهندسية والرياضية عبر التاريخ.
ولم يكن اختيار الاسم أمرًا رمزيًا فحسب، بل يعكس طبيعة المهمة نفسها؛ إذ يعتمد التلسكوب على قياسات هندسية دقيقة للغاية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد للكون، وقياس تأثير الجاذبية في توزيع المجرات، وتحليل التشوهات الطفيفة في أشكالها الناتجة عن المادة المظلمة. ولذلك رأى العلماء أن اسم «إقليدس» يجسد الفكرة الأساسية للمهمة، وهي استخدام الهندسة والقياس الدقيق لفهم البنية الكونية.[7]
وعلى الرغم من أن مهمة التلسكوب تركز أساسًا على الكون البعيد، فإن نتائجه المتعلقة بمجرتنا تُظهر كيف يمكن للأدوات المصممة للإجابة عن أسئلة كونية كبرى أن تقدم أيضًا اكتشافات مذهلة في محيطنا الكوني القريب.
الفصل الأول: تلسكوب «إقليدس»… المشروع الذي أراد رسم خريطة الكون
لم يكن بناء تلسكوب «إقليدس» مشروعًا عاديًا يضاف إلى سلسلة المراصد الفضائية التي أطلقتها البشرية خلال العقود الماضية، بل جاء ثمرة رؤية علمية بدأت تتبلور منذ مطلع الألفية الثالثة، حين أدرك علماء الكونيات أن الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة تتطلب مرصدًا فضائيًا يجمع بين دقة القياس، وسعة مجال الرؤية، والاستقرار طويل الأمد في الفضاء.[8]
ومن هنا اعتمدت وكالة الفضاء الأوروبية مشروع Euclid رسميًا عام 2011، بعد سنوات من الدراسات الفنية والعلمية، وشاركت في تطويره أكثر من ثلاثمائة مؤسسة بحثية وجامعة ومركز علمي من مختلف أنحاء أوروبا، إلى جانب مساهمات تقنية من وكالة ناسا وعدد من المؤسسات الدولية، ليصبح واحدًا من أضخم المشاريع العلمية في تاريخ الوكالة.[9]
وقد استغرقت أعمال التصميم والتجميع والاختبارات أكثر من اثني عشر عامًا، حتى أُطلق التلسكوب بنجاح في الأول من يوليو/تموز 2023 على متن صاروخ Falcon 9 التابع لشركة SpaceX من قاعدة كيب كانافيرال في ولاية فلوريدا الأمريكية.[10]
ووصل التلسكوب بعد رحلة استغرقت نحو شهر إلى نقطة لاغرانج الثانية (L2) الواقعة على مسافة تقارب مليونًا ونصف المليون كيلومتر من الأرض، وهي منطقة تتمتع بتوازن جاذبي بين الأرض والشمس يسمح للمركبات الفضائية بالبقاء في بيئة مستقرة نسبيًا، مع استهلاك محدود للوقود اللازم لتصحيح المدار.[11]
ويعد هذا الموقع من أفضل المواقع الفلكية المعروفة حتى اليوم، إذ يوفر بيئة باردة ومستقرة وخالية من اضطرابات الغلاف الجوي، كما يحجب ضوء الشمس والأرض والقمر عن الأجهزة الحساسة، وهو السبب ذاته الذي جعل تلسكوب جيمس ويب يستقر في الموقع نفسه.[12]
مواصفات تقنية جعلت «إقليدس» مختلفًا
عند النظر إلى تلسكوب إقليدس قد يبدو أصغر حجمًا من بعض المراصد الفضائية الشهيرة، غير أن تميزه الحقيقي لا يكمن في حجم مرآته فحسب، وإنما في فلسفة تصميمه.
فقد زُوّد بمرآة رئيسية يبلغ قطرها 1.2 متر، وهي أصغر بكثير من مرآة تلسكوب جيمس ويب التي يبلغ قطرها 6.5 أمتار، إلا أن إقليدس يمتلك ميزة مختلفة تمامًا، تتمثل في مجال رؤية واسع للغاية يسمح له بتصوير مساحات شاسعة من السماء في لقطة واحدة، مع المحافظة على درجة عالية من الوضوح.[13]
وقد صُمم التلسكوب ليُنجز ما يشبه “المسح السكاني” للكون، فهو لا يركز على جسم سماوي واحد كما يفعل جيمس ويب، وإنما يصور ملايين المجرات والنجوم في كل حملة رصد، ثم يستخدم العلماء هذه الصور لإجراء قياسات إحصائية دقيقة تساعد في فهم البنية الكونية على نطاق واسع.
ويضم التلسكوب جهازين علميين رئيسيين:
أولًا: كاميرا الضوء المرئي (VIS)
وتُعد واحدة من أعلى الكاميرات دقة التي أُرسلت إلى الفضاء، إذ تبلغ دقتها نحو 609 ميجابكسل، وهي قادرة على التقاط صور شديدة الوضوح تكشف أدق تفاصيل المجرات والنجوم، مما يسمح بقياس أشكالها وأحجامها بدقة فائقة.[14]
ثانيًا: جهاز الأشعة تحت الحمراء (NISP)
ويعمل هذا الجهاز في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، ويؤدي وظيفتين أساسيتين:
- تصوير الأجرام التي يحجبها الغبار الكوني.
- تحليل الأطياف الضوئية للمجرات والنجوم، وهو ما يساعد العلماء على تحديد المسافات الكونية وسرعات الأجرام واتجاه حركتها.[15]
ويعمل الجهازان معًا بصورة متزامنة، بحيث يحصل العلماء على صورة مرئية وصورة بالأشعة تحت الحمراء في الوقت نفسه، الأمر الذي يزيد كمية المعلومات المستخرجة من كل عملية رصد.
لماذا احتاج العلماء إلى تلسكوب جديد رغم وجود «هابل» و«جيمس ويب»؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إطلاق تلسكوب جديد أمر غير ضروري في ظل وجود مراصد عملاقة مثل هابل وجيمس ويب، إلا أن الحقيقة تختلف تمامًا.
فلكل تلسكوب مهمة صُمم من أجلها.
هابل يشبه عدسة تصوير احترافية تستطيع التقاط صور مذهلة لأجسام محددة، لكنه لا يستطيع مسح السماء بسرعة.
أما جيمس ويب فهو أشبه بمجهر فلكي بالغ القوة، يركز على تفاصيل دقيقة جدًا في مناطق محددة، ويستطيع النظر إلى الكون المبكر والغلاف الجوي للكواكب البعيدة.
أما إقليدس فهو أشبه بطائرة استطلاع عملاقة مزودة بكاميرا فائقة الدقة، مهمتها رسم الخرائط، وليس دراسة جسم واحد فقط.
ولهذا يستطيع إقليدس خلال سنوات قليلة أن يمسح مساحة من السماء تعادل آلاف المرات ما يستطيع جيمس ويب تصويره خلال الفترة نفسها.[16]
ولهذا السبب لا تتنافس هذه التلسكوبات فيما بينها، وإنما يكمل بعضها بعضًا، فحين يعثر إقليدس على ظاهرة تستحق الدراسة، يستطيع هابل أو جيمس ويب توجيه عدساته إليها للحصول على تفاصيل أكثر دقة.
كيف التقط «إقليدس» صورة قلب مجرة درب التبانة؟
كان تصوير مركز مجرتنا يمثل تحديًا علميًا هائلًا منذ عقود، لأن هذه المنطقة تقع خلف سحب كثيفة من الغبار والغاز، تحجب جزءًا كبيرًا من الضوء المرئي.
وللتغلب على هذه المشكلة استخدم العلماء مزيجًا من الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، حيث تستطيع الأشعة تحت الحمراء اختراق الغبار بصورة أفضل، بينما تمنح كاميرا الضوء المرئي تفاصيل دقيقة للنجوم التي يمكن رؤيتها.
وخلال شهر مارس/آذار 2025، وجّه العلماء التلسكوب نحو منطقة الانتفاخ المجري، واستمرت عملية الرصد نحو 26 ساعة متواصلة، التُقطت خلالها تسع صور فائقة الدقة جرى دمجها لاحقًا بواسطة خوارزميات معالجة متقدمة لتكوين صورة واحدة عملاقة.[17]
وتبلغ مساحة هذه الصورة ما يعادل عشرات أضعاف مساحة القمر المكتمل كما يُرى من الأرض، وهي مساحة ضخمة بمقاييس التصوير الفلكي، ومع ذلك احتفظت الصورة بدرجة وضوح سمحت بتمييز أكثر من ستين مليون نجم منفرد.[18]
وقد احتاج العلماء إلى أشهر من معالجة البيانات قبل نشر الصورة، لأن كل لقطة احتوت على مليارات البكسلات، وكان لا بد من تصحيح التشوهات الضوئية، وإزالة الضوضاء الإلكترونية، ودمج الصور بطريقة تحافظ على مواقع النجوم وألوانها الحقيقية.
قاعدة بيانات ستخدم العلماء لعقود
لا تكمن قيمة هذه الصورة في جمالها فحسب، بل في كمية البيانات التي تحملها.
فكل نقطة ضوء في الصورة تمثل سجلًا علميًا يحتوي على معلومات عن:
- موقع النجم.
- لمعانه.
- لونه.
- درجة حرارته التقريبية.
- حركته النسبية.
- احتمالية انتمائه إلى نظام نجمي مزدوج.
- احتمالية وجود كواكب تدور حوله.
ولهذا يتوقع علماء الفلك أن تصبح هذه البيانات مرجعًا لآلاف الأبحاث خلال السنوات القادمة، تمامًا كما لا تزال بيانات تلسكوب هابل تُستخدم بعد أكثر من ثلاثة عقود على إطلاقه.
الفصل الثاني: قلب مجرة درب التبانة… المنطقة الأكثر غموضًا في مجرتنا
حين ينظر الإنسان إلى السماء في ليلة صافية بعيدًا عن أضواء المدن، يشاهد شريطًا أبيض يمتد عبر السماء، يبدو وكأنه سحابة مضيئة أو نهر من الضوء. هذا الشريط هو مجرة درب التبانة كما تُرى من داخلها، لأن الأرض ليست خارج المجرة، بل تقع في أحد أذرعها الحلزونية، على بعد يقارب 26 ألف سنة ضوئية من مركزها.[19]
ولأننا نعيش داخل المجرة، فإننا لا نستطيع تصويرها كاملة كما نصور المجرات البعيدة، بل نعتمد على جمع ملايين القياسات والصور لإعادة بناء شكلها وبنيتها. ومن هنا تأتي أهمية أي صورة جديدة لمركز المجرة، إذ تمثل قطعة أساسية من هذا اللغز الكوني الكبير.
ما هي مجرة درب التبانة؟
تنتمي درب التبانة إلى المجرات الحلزونية القضيبية (Barred Spiral Galaxy)، ويُقدَّر قطرها بما يتراوح بين 100 و120 ألف سنة ضوئية، بينما يبلغ سمك قرصها في المتوسط نحو ألف سنة ضوئية، وتضم مئات المليارات من النجوم، إلى جانب كميات هائلة من الغاز والغبار الكوني، وأعدادًا لا تحصى من الكواكب والأقمار والكويكبات والمذنبات.[20]
وتتكون المجرة من عدة أجزاء رئيسية:
- القرص المجري: ويضم معظم النجوم الفتية، ومن بينها الشمس.
- الأذرع الحلزونية: وهي مناطق غنية بالغاز والغبار، وتكثر فيها ولادة النجوم.
- الهالة المجرية: وهي منطقة واسعة تحيط بالمجرة وتحتوي على عناقيد نجمية كروية ومادة مظلمة.
- الانتفاخ المركزي: وهو قلب المجرة وأكثر أجزائها كثافة، ويضم الثقب الأسود الهائل في المركز.[21]
ويمثل هذا الانتفاخ الهدف الرئيس للصورة الجديدة التي التقطها تلسكوب «إقليدس».
لماذا يُعد قلب المجرة صعب الدراسة؟
قد يبدو من المنطقي أن يكون أقرب جزء في مجرتنا هو الأسهل دراسة، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا.
فالطريق البصري بين الأرض ومركز المجرة مليء بسحب كثيفة من الغبار والغاز، تعمل كستار طبيعي يحجب جزءًا كبيرًا من الضوء المرئي. ولذلك ظل مركز المجرة لعقود طويلة منطقة غامضة لا يمكن رؤيتها بوضوح، حتى مع أقوى التلسكوبات الأرضية.[22]
ولهذا يعتمد علماء الفلك على الأشعة تحت الحمراء والموجات الراديوية، لأنها تستطيع اختراق الغبار بصورة أفضل، وهو ما مكّنهم تدريجيًا من كشف ملامح هذه المنطقة.
وجاء تلسكوب «إقليدس» ليضيف إلى هذه الجهود قدرة جديدة، تتمثل في الجمع بين التصوير المرئي عالي الدقة والتصوير بالأشعة تحت الحمراء ضمن مجال رؤية واسع، وهو ما أتاح الحصول على صورة غير مسبوقة لمركز المجرة.
الانتفاخ المجري… مدينة النجوم العملاقة
إذا شبّهنا مجرة درب التبانة بمدينة ضخمة، فإن الانتفاخ المركزي يشبه وسط المدينة، حيث تتزاحم المباني والسكان بصورة تفوق كثيرًا ما يوجد في الضواحي.
ففي هذه المنطقة تتكدس النجوم بكثافات هائلة، حتى إن المسافات الفاصلة بينها تصبح أصغر بكثير من تلك الموجودة في محيط الشمس.
ويعتقد علماء الفلك أن معظم نجوم الانتفاخ المركزي تُعد من أقدم نجوم المجرة، إذ تشكلت قبل أكثر من 10 مليارات سنة، أي بعد وقت قصير نسبيًا من نشأة الكون.[23]
وتوفر دراسة هذه النجوم فرصة فريدة لفهم المراحل الأولى من تاريخ مجرتنا، وكيف تطورت عبر مليارات السنين.
الثقب الأسود الهائل في مركز المجرة
في قلب الانتفاخ المجري يقع أحد أكثر الأجرام إثارة في الكون، وهو الثقب الأسود الهائل المعروف باسم Sagittarius A* (القوس A*).
ويبلغ مقدار كتلته نحو 4.3 مليون مرة كتلة الشمس، ورغم ذلك فإنه لا يُرى مباشرة، لأن الثقب الأسود لا يصدر ضوءًا. لكن العلماء استطاعوا إثبات وجوده من خلال متابعة حركة النجوم التي تدور حوله بسرعات هائلة، وكأنها تدور حول جسم غير مرئي يمتلك جاذبية هائلة.[24]
وقد شكّل هذا الاكتشاف إنجازًا علميًا كبيرًا، تُوّج بمنح جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2020 للعالمين اللذين قادا الأبحاث الرصدية حول الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مركز مجرتنا.[25]
ومن المهم الإشارة إلى أن الصورة الجديدة التي التقطها «إقليدس» لا تُظهر الثقب الأسود نفسه، لكنها ترصد البيئة النجمية المحيطة به بدقة غير مسبوقة، وهو ما يساعد العلماء على دراسة تأثيره في النجوم والغاز المحيطين به.
أكثر من ستين مليون نجم… ماذا يعني هذا الرقم؟
قد يبدو رقم 60 مليون نجم مجرد إحصاء ضخم، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات علمية عميقة.
فكل نجم من هذه النجوم يمثل نظامًا فيزيائيًا مستقلًا، له كتلته، وحرارته، وعمره، وتركيبه الكيميائي، وقد يكون محاطًا بكواكب وأقمار كما هو الحال في نظامنا الشمسي.
وبذلك فإن الصورة لا توثق مجرد نقاط مضيئة، بل تقدم للعلماء قاعدة بيانات هائلة لدراسة:
- توزيع النجوم في مركز المجرة.
- أعمارها المختلفة.
- تطورها عبر الزمن.
- حركتها داخل المجال الجاذبي للمجرة.
- احتمالية احتضانها لكواكب خارجية.[26]
ولهذا ستُستخدم بيانات الصورة في مئات الدراسات خلال السنوات المقبلة، وربما لعقود.
هل كل هذه النجوم مرئية بالعين المجردة؟
الإجابة هي: لا.
فالإنسان يستطيع في أفضل الظروف رؤية نحو خمسة إلى ستة آلاف نجم فقط بالعين المجردة في السماء كلها، بينما تضم صورة إقليدس وحدها أكثر من ستين مليون نجم.
ويرجع ذلك إلى أن معظم هذه النجوم بعيدة جدًا أو خافتة جدًا، فلا يمكن رؤيتها إلا بواسطة أجهزة تصوير فائقة الحساسية، تستطيع جمع الضوء الضعيف القادم إليها عبر آلاف أو عشرات آلاف السنين الضوئية.[27]
كيف تساعد هذه الصورة في إعادة كتابة تاريخ المجرة؟
يشبّه بعض علماء الفلك النجوم بالأحفوريات في علم الجيولوجيا؛ فكما تكشف الأحافير تاريخ الحياة على الأرض، تكشف النجوم القديمة تاريخ المجرة.
ومن خلال تحليل ألوان النجوم ولمعانها وأطيافها، يستطيع الباحثون تقدير أعمارها وتركيبها الكيميائي، وبالتالي إعادة بناء المراحل التي مرت بها مجرة درب التبانة منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثة عشر مليار سنة.
ولهذا فإن الصورة الجديدة ليست مجرد إنجاز بصري، بل سجل تاريخي ضخم يساعد العلماء على فهم كيف تكوّنت المجرة، وكيف اندمجت مع مجرات أصغر، وكيف تطورت بنيتها الحالية.[28]
بل إن بعض الباحثين يرون أن البيانات التي جمعها «إقليدس» ستجبر علماء الفلك على مراجعة عدد من النماذج التقليدية الخاصة بتكوين الانتفاخ المجري، بعد أن أصبحت لديهم معلومات أكثر دقة واتساعًا من أي وقت مضى.
الفصل الثالث
كيف يستطيع تلسكوب «إقليدس» اكتشاف كواكب لا يراها أحد؟
من أكثر الجوانب إثارة في مهمة إقليدس أن هذا التلسكوب لم يُصمم أصلًا للبحث عن الكواكب، ومع ذلك يتوقع علماء الفلك أن يقود إلى اكتشاف آلاف الكواكب الجديدة، وربما يعثر على أنواع من العوالم لم تكن معروفة من قبل.
قد يبدو الأمر متناقضًا؛ فكيف يكتشف تلسكوب أجسامًا لا يستطيع رؤيتها مباشرة؟
الإجابة تكمن في واحدة من أجمل الظواهر التي تنبأت بها نظرية النسبية العامة للعالم ألبرت أينشتاين، وهي ظاهرة العدسة الجاذبية الدقيقة (Microlensing)، التي تُعد اليوم من أكثر الوسائل نجاحًا في اكتشاف الكواكب البعيدة جدًا عن الأرض.[29]
عندما تصبح الجاذبية عدسة
في حياتنا اليومية نستعمل العدسات الزجاجية لتكبير الأشياء، لكن في الفضاء تقوم الجاذبية بالمهمة نفسها.
فكل جسم يمتلك كتلة، سواء كان نجمًا أو كوكبًا أو مجرة، يسبب انحناءً في الزمكان المحيط به، وعندما يمر ضوء صادر من نجم بعيد بالقرب من هذا الجسم، فإنه لا يسير في خط مستقيم تمامًا، بل ينحني قليلًا بفعل الجاذبية.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى تضخيم ضوء النجم الخلفي مؤقتًا، وكأن الجسم الموجود في المقدمة أصبح عدسة طبيعية.
وقد تنبأ أينشتاين بهذه الظاهرة عام 1915 ضمن نظريته الشهيرة، ثم أثبتها الرصد الفلكي بعد سنوات، وأصبحت اليوم إحدى أهم أدوات علم الفلك الحديث.[30]
ماذا يحدث عندما يكون هناك كوكب؟
إذا كان الجسم الذي يمر أمام النجم البعيد مجرد نجم منفرد، فإن منحنى ازدياد الضوء يكون منتظمًا.
أما إذا كان لهذا النجم كوكب يدور حوله، فإن جاذبية الكوكب تضيف انحرافًا صغيرًا جدًا في منحنى الضوء.
ورغم أن هذا الانحراف قد لا يستمر إلا ساعات قليلة، فإنه يحمل معلومات هائلة يستطيع علماء الفلك استخراجها بواسطة الحاسبات العملاقة.
ومن خلال تحليل هذا التغير الدقيق يمكن معرفة:
- وجود كوكب.
- كتلته التقريبية.
- بعده عن نجمه.
- خصائص مداره.
كل ذلك دون رؤية الكوكب نفسه.[31]
لماذا اختار العلماء مركز المجرة؟
قد يتساءل القارئ: لماذا يوجه العلماء التلسكوب نحو قلب المجرة بدلًا من مناطق أخرى؟
السبب بسيط للغاية.
كلما ازداد عدد النجوم، ازدادت احتمالات حدوث ظاهرة العدسة الجاذبية.
وقلب مجرة درب التبانة يحتوي على أكبر كثافة نجمية في المجرة.
وهذا يعني أن ملايين النجوم تمر يوميًا أمام ملايين النجوم الأخرى من منظور الأرض.
وبالتالي ترتفع احتمالات ظهور العدسات الجاذبية الدقيقة بصورة كبيرة.
ولهذا يعد الانتفاخ المجري أفضل مختبر طبيعي في الكون لاكتشاف الكواكب بهذه الطريقة.[32]
لماذا احتاج العلماء إلى صورة تضم ستين مليون نجم؟
قد يبدو تصوير هذا العدد الهائل مجرد استعراض لقدرات التلسكوب، لكنه في الحقيقة ضرورة علمية.
فالعلماء لا يعرفون مسبقًا أي نجم سيشهد ظاهرة العدسة الجاذبية.
ولهذا يجب مراقبة ملايين النجوم في الوقت نفسه.
ولو راقب العلماء ألف نجم فقط فلن يعثروا إلا على عدد محدود جدًا من الظواهر.
أما عندما يراقبون ستين مليون نجم، فإن فرص الاكتشاف ترتفع بصورة هائلة.
ولهذا تُعد بيانات إقليدس ثروة علمية لا تُقدر بثمن.[33]
هل يمكن اكتشاف كوكب يشبه الأرض؟
هذا أحد أكثر الأسئلة التي تشغل علماء الفلك.
فالطرق التقليدية لاكتشاف الكواكب، مثل طريقة العبور الضوئي أو قياس السرعة الشعاعية، تكون أكثر نجاحًا مع الكواكب الكبيرة القريبة من نجومها.
أما العدسة الجاذبية الدقيقة فلها ميزة مختلفة.
إذ تستطيع اكتشاف:
- كواكب صغيرة بحجم الأرض.
- كواكب بعيدة جدًا عن نجومها.
- كواكب حرة لا تدور حول أي نجم.
- أنظمة كوكبية يصعب اكتشافها بالطرق الأخرى.[34]
ولهذا يعتقد العلماء أن السنوات القادمة قد تكشف عن أعداد كبيرة من الكواكب الشبيهة بالأرض، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أنها صالحة للحياة.
الكواكب التائهة… عوالم بلا شموس
من أغرب الأجرام التي قد تساعد بيانات إقليدس في اكتشافها ما يسمى الكواكب الحرة أو الكواكب التائهة (Rogue Planets).
وهذه كواكب لا تدور حول أي نجم.
ويرجح العلماء أنها كانت جزءًا من أنظمة كوكبية ثم قذفتها التفاعلات الجاذبية إلى الفضاء بين النجوم.
ولأنها لا تعكس ضوء نجم قريب، فإن رؤيتها تكاد تكون مستحيلة.
لكنها عندما تمر أمام نجم بعيد، تُحدث عدسة جاذبية دقيقة تكشف وجودها.[35]
ويعتقد بعض الباحثين أن مجرتنا قد تحتوي على مليارات من هذه الكواكب، وهو رقم قد يفوق عدد النجوم نفسها.
علاقة الاكتشاف بالمادة المظلمة
قد يتساءل القارئ:
إذا كانت الصورة تتحدث عن النجوم، فلماذا يربط العلماء بينها وبين المادة المظلمة؟
الإجابة أن توزيع النجوم داخل المجرة لا تحدده النجوم وحدها.
فالنجوم تتحرك داخل مجال جاذبي تساهم المادة المظلمة في تكوينه.
ومن خلال دراسة حركة ملايين النجوم يمكن بناء خرائط دقيقة لتوزيع الكتلة داخل المجرة.
وعندما يجد العلماء أن الكتلة المحسوبة أكبر بكثير من كتلة النجوم والغاز المرئي، فإنهم يستنتجون وجود المادة المظلمة.
ولهذا تُعد بيانات إقليدس إحدى أهم الوسائل الحديثة لتحسين النماذج الرياضية الخاصة بهذه المادة الغامضة.[36]
الطاقة المظلمة… اللغز الأكبر
إذا كانت المادة المظلمة تمثل أحد ألغاز الفيزياء، فإن الطاقة المظلمة تمثل اللغز الأكبر.
ففي عام 1998 اكتشف العلماء أن الكون لا يتباطأ في تمدده كما كان متوقعًا، بل إن سرعة تمدده تزداد مع مرور الزمن.
ولشرح هذه الظاهرة اقترح الفيزيائيون وجود نوع مجهول من الطاقة يملأ الكون، أطلقوا عليه اسم الطاقة المظلمة.
واليوم تشير أفضل القياسات إلى أنها تشكل نحو 68٪ من محتوى الكون.
وكان هذا هو الهدف الرئيس الذي صُمم من أجله تلسكوب إقليدس؛ إذ سيقيس مواقع أكثر من 1.5 مليار مجرة، ليحدد بدقة كيف تغير معدل تمدد الكون عبر مليارات السنين، وهو ما قد يقود إلى فهم أفضل للطاقة المظلمة.[37]
وبهذا المعنى، فإن الصورة المبهرة لقلب مجرة درب التبانة ليست سوى جانب واحد من مهمة أوسع بكثير، هدفها النهائي إعادة رسم خريطة الكون وفهم القوى التي تتحكم في تطوره.
إنجاز لا يخص أوروبا وحدها
ورغم أن وكالة الفضاء الأوروبية هي صاحبة المشروع، فإن مهمة إقليدس تمثل نموذجًا للتعاون العلمي الدولي.
فقد شاركت في تطوير الأجهزة والبرمجيات وتحليل البيانات جامعات ومراكز أبحاث من عشرات الدول، كما ستستفيد وكالة ناسا من هذه البيانات في مهمة تلسكوب نانسي غريس رومان المتوقع أن يبدأ مسحه الواسع للسماء خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد هذا التعاون أن دراسة الكون لم تعد مشروعًا وطنيًا، بل أصبحت جهدًا إنسانيًا مشتركًا تتضافر فيه الخبرات والتقنيات للوصول إلى فهم أعمق للكون الذي نعيش فيه.[38]
الفصل الرابع
المادة المظلمة والطاقة المظلمة… اللغزان اللذان يحاول «إقليدس» حلهما
قد تبدو الصورة التي التقطها تلسكوب «إقليدس» وكأنها مجرد لوحة سماوية مبهرة تضم ملايين النجوم، إلا أن الهدف الحقيقي للمهمة أعمق بكثير من تصوير المجرات أو رسم الخرائط النجمية.
فالمهمة الأساسية لهذا المرصد الفضائي تتمثل في محاولة الإجابة عن سؤال يعد من أعظم الأسئلة في الفيزياء الحديثة:
ممّ يتكون الكون حقًا؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن إجابته أربكت العلماء طوال العقود الثلاثة الماضية، لأن كل ما يراه الإنسان من نجوم ومجرات وكواكب وسدم لا يمثل سوى جزء ضئيل جدًا من الكون.
فوفق أحدث القياسات الكونية، تتوزع مكونات الكون على النحو الآتي:[39]
| مكونات الكون | النسبة التقريبية |
| المادة العادية (النجوم والكواكب والغاز…) | 4.9٪ |
| المادة المظلمة | 26.8٪ |
| الطاقة المظلمة | 68.3٪ |
أي أن أكثر من 95٪ من الكون يتكون من أشياء لا نستطيع رؤيتها مباشرة.
وهنا تبدأ قصة «إقليدس».
المادة التي لا يراها أحد
في ثلاثينيات القرن الماضي لاحظ عالم الفلك السويسري فريتز زفيكي أن المجرات داخل العناقيد المجرية تتحرك بسرعات كبيرة جدًا.
وبحسب قوانين نيوتن، كان ينبغي أن تتطاير هذه المجرات في الفضاء.
لكنها بقيت متماسكة.
ولم يجد زفيكي تفسيرًا لذلك سوى وجود كمية هائلة من المادة غير المرئية تولد جاذبية إضافية تمنع المجرات من الانفلات.
وأطلق على هذه المادة اسم المادة المظلمة.[40]
في البداية لم تلقَ فكرته اهتمامًا كبيرًا.
لكن بعد عقود، بدأت الأدلة تتراكم من مصادر مختلفة حتى أصبحت المادة المظلمة اليوم أحد أكثر المفاهيم قبولًا في علم الكونيات، رغم أن طبيعتها الفيزيائية ما تزال مجهولة.
كيف عرف العلماء أنها موجودة؟
قد يتساءل القارئ:
إذا كانت المادة المظلمة غير مرئية، فكيف عرف العلماء بوجودها؟
الإجابة تشبه الطريقة التي نكتشف بها وجود الرياح.
فنحن لا نرى الهواء، لكننا نرى أثره في حركة الأشجار.
وبالمثل، لا يرى العلماء المادة المظلمة نفسها، لكنهم يشاهدون تأثير جاذبيتها في الأجرام المحيطة بها.
ومن أبرز الأدلة على وجودها:
أولًا: دوران المجرات
عندما تدور الكواكب حول الشمس، تتحرك الكواكب البعيدة أبطأ من القريبة.
وكان العلماء يتوقعون أن تنطبق القاعدة نفسها على النجوم داخل المجرات.
لكن المفاجأة أن النجوم البعيدة عن مركز المجرة تدور بسرعات تكاد تساوي سرعات النجوم القريبة.
ولا يمكن تفسير ذلك إلا إذا كانت هناك كتلة ضخمة غير مرئية تحيط بالمجرة كلها.[41]
ثانيًا: العدسات الجاذبية
تسبب الكتل الكبيرة انحناء الضوء القادم من الأجرام البعيدة.
وعندما قاس العلماء مقدار هذا الانحناء وجدوا أن الكتلة اللازمة لإحداثه أكبر كثيرًا من كتلة النجوم والغاز المرئي.
وهذا يعني وجود مادة إضافية غير مرئية.[42]
ثالثًا: إشعاع الخلفية الكونية
بعد الانفجار العظيم امتلأ الكون بإشعاع لا يزال موجودًا حتى اليوم.
وقد أظهرت قياسات هذا الإشعاع أن المادة العادية لا تكفي لتفسير شكل الكون الحالي، وأن وجود المادة المظلمة ضروري لتكوين المجرات والعناقيد المجرية.[43]
لكن… ما هي المادة المظلمة؟
هنا يعترف العلماء بصراحة:
لا أحد يعرف حتى الآن.
فهناك عشرات الفرضيات.
منها أنها تتكون من جسيمات جديدة لم تُكتشف بعد.
ومنها أنها قد تكون مرتبطة بفيزياء تتجاوز النموذج القياسي للجسيمات.
لكن حتى الآن لم تُرصد مباشرة في أي مختبر على الأرض.[44]
ولهذا صُمم «إقليدس» ليكون أحد أهم الأدوات التي قد تساعد في كشف طبيعتها.
كيف سيبحث «إقليدس» عن المادة المظلمة؟
لن يحاول التلسكوب تصوير المادة المظلمة، لأنها لا تصدر ضوءًا.
بل سيراقب تأثيرها في المجرات.
وسيقوم بقياس أشكال أكثر من 1.5 مليار مجرة.
قد يبدو الرقم خياليًا، لكنه ضروري.
فالضوء القادم من هذه المجرات ينحني قليلًا أثناء مروره عبر تجمعات المادة المظلمة.
وكلما ازداد عدد المجرات المقاسة، أصبحت خريطة المادة المظلمة أكثر دقة.
ويشبه بعض العلماء هذه العملية بتصوير جبل مغطى بالضباب.
فنحن لا نرى الجبل نفسه، لكننا نستنتج شكله من الطريقة التي يتحرك بها الضباب حوله.[45]
الطاقة المظلمة… الاكتشاف الذي قلب الفيزياء
إذا كانت المادة المظلمة لغزًا كبيرًا، فإن الطاقة المظلمة تمثل لغزًا أكبر.
فحتى نهاية القرن العشرين كان الاعتقاد السائد أن تمدد الكون الناتج عن الانفجار العظيم يجب أن يتباطأ تدريجيًا بسبب الجاذبية.
لكن في عام 1998 توصل فريقان مستقلان من علماء الفلك إلى نتيجة صادمة.
لقد وجدوا أن الكون لا يتباطأ…
بل إن تمدده يتسارع.
وحصل مكتشفو هذه الظاهرة على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2011.[46]
ما المقصود بالطاقة المظلمة؟
لا يعرف العلماء طبيعتها حتى اليوم.
لكنهم يستخدمون هذا المصطلح لوصف القوة أو الخاصية التي تجعل الكون يتمدد بسرعة متزايدة.
وهناك عدة تفسيرات مقترحة، منها:
- أنها خاصية للفراغ نفسه.
- أو أنها نوع جديد من الطاقة.
- أو أن قوانين الجاذبية تحتاج إلى تعديل على المقاييس الكونية.
ولا تزال جميع هذه الاحتمالات قيد الدراسة.[47]
لماذا يحتاج العلماء إلى مليارات المجرات؟
لفهم سرعة تمدد الكون لا تكفي دراسة مجرة واحدة أو حتى ألف مجرة.
بل يجب رسم خريطة هائلة للكون في أزمنة مختلفة.
ولهذا سيقيس «إقليدس» مواقع وأشكال ومسافات ما يقارب 1.5 مليار مجرة.
وسيسمح ذلك بإعادة بناء تاريخ تمدد الكون خلال أكثر من عشرة مليارات سنة.
وهذه هي البيانات التي يأمل العلماء أن تكشف طبيعة الطاقة المظلمة لأول مرة.[48]
ماذا لو نجحت المهمة؟
إذا تمكن العلماء من تفسير المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة، فإن ذلك لن يكون مجرد اكتشاف فلكي.
بل قد يمثل أكبر ثورة في الفيزياء منذ نظرية النسبية وميكانيكا الكم.
وقد يغيّر فهمنا للجاذبية، ولنشأة الكون، ولمستقبله، وربما يقود إلى فيزياء جديدة لم تخطر على بال أحد.
ولهذا ينظر كثير من الباحثين إلى مهمة «إقليدس» بوصفها واحدة من أهم التجارب العلمية في القرن الحادي والعشرين، ليس لأنها التقطت صورة مذهلة لقلب مجرة درب التبانة، وإنما لأنها قد تساعد البشرية على فهم المكونات الخفية التي تشكل معظم الكون.
الفصل الخامس
«إقليدس» في مواجهة «هابل» و«جيمس ويب»… هل ظهر ملك جديد للتلسكوبات الفضائية؟
عندما أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية عن الصور الأولى التي التقطها تلسكوب «إقليدس»، سارعت وسائل الإعلام إلى مقارنته بتلسكوبي هابل وجيمس ويب، بل ذهب بعض المعلقين إلى وصفه بأنه “خليفة هابل”، في حين اعتبره آخرون منافسًا مباشرًا لجيمس ويب.
لكن علماء الفلك يرون أن هذه المقارنات، رغم انتشارها، ليست دقيقة من الناحية العلمية.
فالتلسكوبات الفضائية لا تُبنى لتتفوق على بعضها، وإنما تُصمم لتؤدي مهام مختلفة، بحيث يكمل كل منها الآخر، تمامًا كما تختلف وظائف المجهر والكاميرا والمنظار، رغم أنها جميعًا أدوات للرؤية.
ولهذا فإن فهم الدور الحقيقي لكل تلسكوب يساعد على إدراك قيمة الإنجاز الذي حققه «إقليدس» في سياقه الصحيح.[49]
أولًا: تلسكوب هابل… العين التي غيرت علم الفلك
عندما أطلقت وكالة ناسا بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية تلسكوب هابل عام 1990، لم يكن أحد يتوقع أن يصبح أحد أشهر الأجهزة العلمية في تاريخ البشرية.
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، غيّر هابل فهم العلماء للكون، والتقط آلاف الصور التي أصبحت أيقونات علمية، وأسهم في اكتشافات تتعلق بأعمار النجوم، وتكوّن المجرات، والثقوب السوداء، والكواكب خارج المجموعة الشمسية.[50]
ورغم أن قطر مرآته الرئيسية لا يتجاوز 2.4 متر، فإن موقعه خارج الغلاف الجوي للأرض مكّنه من تصوير الكون بدقة لم تكن ممكنة من المراصد الأرضية في ذلك الوقت.
ولا يزال هابل يعمل حتى اليوم، ويواصل تزويد العلماء ببيانات علمية قيّمة، رغم مرور أكثر من خمسة وثلاثين عامًا على إطلاقه.
ثانيًا: جيمس ويب… نافذة على فجر الكون
في الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2021 انطلق تلسكوب جيمس ويب، الذي يعد حتى الآن أكبر وأقوى مرصد فضائي بُني لدراسة الكون.
ويبلغ قطر مرآته الرئيسية 6.5 أمتار، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف قطر مرآة هابل، كما يعمل أساسًا في نطاق الأشعة تحت الحمراء، ما يسمح له بالنظر عبر الغبار الكوني ورؤية المجرات الأولى التي تشكلت بعد الانفجار العظيم بمئات الملايين من السنين فقط.[51]
وقد نجح بالفعل في التقاط صور غير مسبوقة للسدم، والكواكب الخارجية، وأقراص تشكل النجوم، كما بدأ بدراسة الأغلفة الجوية للكواكب البعيدة بحثًا عن مؤشرات كيميائية قد ترتبط بالحياة.
ومع ذلك، فإن جيمس ويب لا يستطيع مسح السماء كلها بسرعة، لأن فلسفة تصميمه تقوم على دراسة أهداف محددة بتفاصيل فائقة.
ثالثًا: إقليدس… رسام الخرائط الكونية
أما تلسكوب إقليدس، فقد صُمم لهدف مختلف تمامًا.
فهو لا يبحث عن أجمل الصور، ولا عن أقدم المجرات، وإنما عن الصورة الكاملة.
يمكن تشبيه مهمته بعمل المسّاح الذي يرسم خريطة لمدينة بأكملها، بينما يشبه جيمس ويب المهندس الذي يفحص مبنى واحدًا بكل تفاصيله.
ولهذا يمتلك إقليدس مجال رؤية واسعًا جدًا، يسمح له بمسح مساحات هائلة من السماء بسرعة وكفاءة، مع الاحتفاظ بدقة تكفي لإجراء القياسات العلمية المطلوبة.
إنه تلسكوب الإحصاءات الكونية، والخرائط ثلاثية الأبعاد، والقياسات الدقيقة التي تُبنى عليها النماذج الكونية الحديثة.[52]
لماذا لا يستطيع جيمس ويب القيام بمهمة إقليدس؟
قد يبدو غريبًا أن يكون تلسكوب أكبر وأقوى عاجزًا عن تنفيذ مهمة يقوم بها تلسكوب أصغر.
لكن السبب يعود إلى اختلاف التصميم.
فجيمس ويب يملك قدرة مذهلة على رؤية التفاصيل الدقيقة، لكنه يرى جزءًا صغيرًا من السماء في كل مرة.
أما إقليدس فيضحي بجزء من تلك القدرة مقابل توسيع مجال الرؤية إلى حد كبير.
ويشبه الأمر الفرق بين:
- مصور يستخدم عدسة مقربة جدًا لتصوير وجه شخص.
- وآخر يستخدم عدسة واسعة لتصوير مدينة كاملة.
كلاهما يقدم صورة ممتازة، لكن كل صورة تخدم غرضًا مختلفًا.
التعاون بدل المنافسة
من أبرز سمات علم الفلك الحديث أن المراصد الكبرى تعمل في شبكة متكاملة.
فعندما يكتشف إقليدس جسمًا أو ظاهرة مثيرة للاهتمام، يمكن لتلسكوب جيمس ويب أن يوجه أجهزته نحوها للحصول على تفاصيل دقيقة، بينما يستطيع هابل متابعتها في نطاقات ضوئية مختلفة.
وهذا التكامل هو ما يمنح العلماء صورة أكثر شمولًا للكون، إذ يجمع بين المسح الواسع والدراسة المتخصصة.
ولذلك أعلنت وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية أن بيانات إقليدس ستكون مرجعًا مهمًا لتحديد الأهداف التي ستُدرس لاحقًا بواسطة جيمس ويب وتلسكوب نانسي غريس رومان، المتوقع أن يلعب دورًا رئيسًا في دراسة العدسات الجاذبية والكواكب الخارجية خلال السنوات القادمة.[53]
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
يرى كثير من علماء الكونيات أن العقد الحالي سيشهد ثورة في فهم بنية الكون، ليس بفضل تلسكوب واحد، بل نتيجة التعاون بين عدة مراصد فضائية متخصصة.
فهابل يواصل تقديم بيانات طويلة الأمد، وجيمس ويب يكشف تفاصيل غير مسبوقة عن المجرات والكواكب، بينما يرسم إقليدس أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد للكون، ويجمع البيانات الإحصائية التي يحتاجها العلماء لاختبار النظريات الكونية.
ومن المرجح أن تؤدي هذه البيانات مجتمعة إلى إعادة النظر في بعض النماذج الحالية المتعلقة بالمادة المظلمة، والطاقة المظلمة، وتاريخ تشكل المجرات، وربما تكشف عن ظواهر لم تكن متوقعة.
ولهذا ينظر الباحثون إلى «إقليدس» بوصفه حجر الأساس لمرحلة جديدة من علم الكونيات، حيث تصبح الخرائط الكونية الدقيقة هي المدخل لفهم أعمق لأسرار الكون
الفصل السادس
ماذا بعد الاكتشاف؟ كيف سيغير «إقليدس» مستقبل علم الفلك؟
في تاريخ العلوم توجد اكتشافات تنتهي قيمتها بمجرد الإعلان عنها، وأخرى تصبح نقطة انطلاق لعشرات الاكتشافات اللاحقة. وينتمي تلسكوب «إقليدس» إلى الفئة الثانية؛ فالصورة التي كشف فيها عن قلب مجرة درب التبانة ليست نهاية المهمة، بل هي بداية مرحلة علمية قد تمتد لعقود.
ففي الأوساط الفلكية لا تُقاس أهمية المهمة بعدد الصور التي تلتقطها، وإنما بكمية المعرفة التي تنتج عنها. ولذلك ينظر العلماء إلى بيانات «إقليدس» على أنها أرشيف علمي مفتوح سيستفيد منه آلاف الباحثين حول العالم في مجالات متعددة، من فيزياء النجوم إلى علم الكونيات، ومن دراسة الكواكب الخارجية إلى فهم نشأة المجرات.[54]
أرشيف فلكي سيخدم أجيالًا من العلماء
اعتادت وكالات الفضاء الكبرى، مثل وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة ناسا، على إتاحة بيانات مهماتها العلمية للباحثين بعد انتهاء فترة الاستخدام الحصري لفريق المهمة.
ولهذا، فإن الصور والقياسات التي يجمعها «إقليدس» لن تبقى حكرًا على العلماء المشاركين في المشروع، بل ستصبح متاحة لمراكز الأبحاث والجامعات في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي سيؤدي إلى نشر آلاف الأوراق العلمية خلال السنوات المقبلة.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن قيمة هذه الأرشيفات تتزايد مع الزمن. فبيانات تلسكوب هابل، على سبيل المثال، ما زالت تُستخدم في أبحاث جديدة بعد أكثر من ثلاثة عقود من إطلاقه، ويتوقع العلماء أن يسلك «إقليدس» المسار نفسه، وربما يتجاوزه من حيث حجم البيانات واتساعها.[55]
البحث عن كواكب جديدة
من أبرز المجالات التي ستستفيد من بيانات «إقليدس» البحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية.
فحتى منتصف عام 2026 كان العلماء قد أكدوا اكتشاف أكثر من خمسة آلاف وخمسمائة كوكب خارجي، لكنهم يعتقدون أن هذا العدد لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا من الكواكب الموجودة في مجرتنا.[56]
وتتميز بيانات «إقليدس» بأنها تسمح بدراسة مناطق مزدحمة بالنجوم لم يكن من الممكن مراقبتها بهذه الكفاءة سابقًا، مما يزيد احتمالات اكتشاف كواكب ذات كتل صغيرة، أو كواكب تدور بعيدًا عن نجومها، أو حتى كواكب تائهة لا ترتبط بأي نجم.
وإذا تحققت التوقعات، فقد تضيف المهمة آلاف الكواكب الجديدة إلى السجل الفلكي خلال السنوات القادمة.
إعادة رسم خريطة درب التبانة
قبل إطلاق «إقليدس» كانت معظم الخرائط التفصيلية لمجرتنا تعتمد على دمج بيانات عدة مراصد مختلفة، وهو ما كان يفرض تحديات تتعلق بتوحيد القياسات ودقتها.
أما اليوم، فقد أصبح لدى العلماء مرجع بصري موحد وعالي الجودة لمنطقة تعد من أكثر مناطق المجرة تعقيدًا.
وسيساعد ذلك على:
- تحسين قياسات المسافات بين النجوم.
- دراسة توزيع الغبار الكوني.
- فهم حركة النجوم داخل الانتفاخ المجري.
- اكتشاف عناقيد نجمية جديدة.
- دراسة تطور النجوم القديمة والحديثة في بيئة واحدة.[57]
هل سيكشف «إقليدس» عن حياة خارج الأرض؟
من أكثر الأسئلة التي يطرحها الجمهور عند الإعلان عن أي اكتشاف فلكي: هل يقربنا هذا من العثور على حياة في الكون؟
الإجابة العلمية تتطلب قدرًا من الدقة.
فـ«إقليدس» ليس تلسكوبًا مخصصًا للبحث المباشر عن الكائنات الحية أو تحليل الأغلفة الجوية للكواكب، وهي مهمة يؤديها بصورة أفضل تلسكوب جيمس ويب وبعض المراصد المستقبلية.
إلا أن دوره يتمثل في توسيع قائمة الأهداف المحتملة؛ فكل كوكب جديد يُكتشف بفضل بياناته قد يصبح هدفًا لمراصد أخرى تبحث عن مؤشرات كيميائية مثل بخار الماء أو الأكسجين أو الميثان.
وبهذا المعنى، فإن «إقليدس» لا يبحث عن الحياة، لكنه يساعد في العثور على الأماكن التي تستحق البحث فيها.
تصحيح المفاهيم الخاطئة
رافقت الإعلان عن الصورة الجديدة موجة واسعة من المنشورات التي حملت عناوين مثيرة، من بينها:
- “اكتشاف 90 مليون جرم سماوي.”
- “تصوير كل نجوم مجرة درب التبانة.”
- “رؤية الثقب الأسود مباشرة.”
ورغم أن هذه العناوين جذبت اهتمام الجمهور، فإنها لا تعكس ما أعلنته الجهات العلمية بدقة.
فالمصادر الرسمية تؤكد أن:
- الصورة المنشورة تحتوي على أكثر من 60 مليون نجم، وليس إعلانًا رسميًا عن 90 مليون جرم.[58]
- مجرة درب التبانة تضم مئات المليارات من النجوم، وبالتالي فإن الصورة تمثل جزءًا مهمًا من قلب المجرة، لا المجرة بأكملها.
- الثقب الأسود المركزي لم يُصوَّر مباشرة بواسطة «إقليدس»، وإنما جرى تصوير البيئة النجمية المحيطة به.
وتبرز هنا أهمية العودة إلى المصادر العلمية الأصلية بدلًا من الاكتفاء بالعناوين المتداولة على شبكات التواصل.
بين الإثارة الإعلامية والدقة العلمية
لا شك أن الأخبار العلمية تحتاج إلى لغة تجذب القارئ، لكن المبالغة قد تؤدي إلى تشويه الحقيقة.
ولهذا حرصت وكالة الفضاء الأوروبية في بيانها الرسمي على استخدام تعبيرات دقيقة، مؤكدة أن المهمة ما زالت في مراحلها الأولى، وأن كثيرًا من النتائج العلمية سيظهر بعد تحليل البيانات التي يجمعها التلسكوب خلال السنوات القادمة.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للاكتشاف لا تكمن في رقم معين، بل في القدرة غير المسبوقة على جمع بيانات دقيقة ومنظمة عن قلب مجرتنا، وهو ما يفتح الباب أمام اكتشافات مستقبلية قد تكون أهم بكثير من الصورة الأولى نفسها.
رؤية مستقبلية
إذا سارت المهمة وفق الخطة الموضوعة، فمن المتوقع أن ينجز «إقليدس» بحلول نهاية العقد الحالي أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد للكون أُعدت حتى الآن، وأن يقيس مواقع وأشكال ما يقارب 1.5 مليار مجرة، إلى جانب مئات الملايين من النجوم داخل مجرة درب التبانة.
وسيكون لهذه البيانات أثر يتجاوز علم الفلك؛ إذ ستُستخدم في تطوير النماذج الرياضية، وتحسين برامج الذكاء الاصطناعي الخاصة بتحليل الصور الفلكية، وتدريب جيل جديد من الباحثين على التعامل مع قواعد بيانات تعد من الأكبر في تاريخ العلوم.
وقد وصف بعض علماء الكونيات مهمة «إقليدس» بأنها “المرجع القياسي لعلم الفلك خلال العقد القادم”، تمامًا كما أصبح تلسكوب هابل مرجعًا للأجيال السابقة.
الكون… كلما عرفناه اتسع أمامنا
تكشف قصة «إقليدس» حقيقة تتكرر في تاريخ العلم؛ فكل اكتشاف جديد لا يقلل عدد الأسئلة، بل يزيدها.
فالصورة التي تضم أكثر من ستين مليون نجم لا تمثل نهاية رحلة المعرفة، بل تذكرنا بأن ما نعرفه عن الكون لا يزال جزءًا يسيرًا مما لم نكتشفه بعد.
ولهذا تبقى مهمة «إقليدس» أكثر من مجرد مشروع فضائي؛ إنها دعوة مفتوحة إلى مواصلة الاستكشاف، وإلى الاعتراف بأن الكون ما زال يحتفظ بأسرار قد تغير فهمنا للطبيعة والزمان والمكان.
الفصل السابع
بين اتساع الكون وحدود المعرفة الإنسانية
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء لأول مرة، ظل يتساءل عما يختبئ خلف النجوم التي تزين الليل. ومع مرور آلاف السنين تطورت أدوات الرصد من العين المجردة إلى المراصد الأرضية، ثم إلى التلسكوبات الفضائية التي غادرت الغلاف الجوي لتمنح البشرية رؤية لم يكن يتخيلها أحد.
ويمثل تلسكوب «إقليدس» حلقة جديدة في هذه المسيرة الطويلة؛ فهو لا يكتفي بإنتاج صور مبهرة، بل يزود العلماء ببيانات دقيقة تساعدهم على اختبار النظريات الكونية، وإعادة رسم خرائط المجرات، وفهم القوى الخفية التي تتحكم في الكون.
إن الصورة التي كشفت أكثر من ستين مليون نجم في قلب مجرة درب التبانة ليست لوحة فنية فحسب، بل وثيقة علمية ستبقى مرجعًا للأبحاث خلال السنوات القادمة، وقد تصبح أساسًا لاكتشافات تغير فهمنا لنشأة المجرات، وتطور النجوم، وطبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
وربما يكون أجمل ما في هذا الإنجاز أنه يذكرنا بحقيقة كثيرًا ما أكدها تاريخ العلم: كلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة الأسئلة. فكل صورة جديدة لا تغلق بابًا من أبواب البحث، بل تفتح أبوابًا أخرى كانت مجهولة من قبل.
لقد نجح الإنسان في إرسال مرصد إلى نقطة تبعد مليونًا ونصف المليون كيلومتر عن الأرض، وجعله ينظر إلى أعماق الكون بدقة مذهلة، لكن هذا النجاح يكشف في الوقت نفسه مقدار ما لا يزال مجهولًا. فما نراه من نجوم ومجرات لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من محتوى الكون، بينما تبقى المادة المظلمة والطاقة المظلمة من أعظم ألغاز الفيزياء الحديثة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لمهمة «إقليدس» لا تقاس بعدد الصور التي سيرسلها، ولا بعدد النجوم التي سيرصدها، وإنما بما ستضيفه من فهم جديد لمكان الإنسان في هذا الكون الفسيح، وبما ستتركه من إرث علمي تستفيد منه الأجيال القادمة.
الكون في الميزان القرآني
حين يتأمل الإنسان هذا الاتساع الهائل للكون، وما يحمله من مجرات لا تُحصى ونجوم لا يكاد العقل يستوعب أعدادها، يدرك أن التقدم العلمي لا يتعارض مع الإيمان، بل يدعو إلى مزيد من التأمل في عظمة الخلق.
وقد تكرر في القرآن الكريم الحث على النظر في السماوات والأرض، لا باعتباره نظرًا عابرًا، بل وسيلة لاكتشاف سنن الله في الكون، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
(سورة آل عمران: 190).
وقال سبحانه:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
(سورة فصلت: 53).
ولا يصح أن تُحمَّل هذه الآيات تفاصيل علمية لم ترد فيها، لكن من المشروع أن تُستحضر بوصفها دعوة دائمة إلى التأمل في الكون، وإدراك أن كل تقدم علمي يكشف جانبًا جديدًا من النظام البديع الذي يسير وفق قوانين دقيقة.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
هل اكتشف تلسكوب إقليدس 90 مليون جرم سماوي؟
لا. وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة الفضاء الأوروبية في يونيو 2026، فإن الصورة المنشورة كشفت أكثر من 60 مليون نجم في قلب مجرة درب التبانة، بينما لم يصدر إعلان رسمي يؤكد رقم 90 مليون جرم.
ما الهدف الأساسي من مهمة إقليدس؟
دراسة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، ورسم أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد للكون من خلال قياس مواقع وأشكال مليارات المجرات.
هل يستطيع إقليدس تصوير الثقوب السوداء؟
لا يصور الثقب الأسود نفسه، لأن الثقب الأسود لا يصدر ضوءًا، لكنه يستطيع تصوير النجوم والغازات المحيطة به، ودراسة تأثير جاذبيته فيها.
ما الفرق بين إقليدس وجيمس ويب؟
يركز جيمس ويب على دراسة أجسام محددة بتفاصيل فائقة، بينما يختص إقليدس بمسح مناطق واسعة من السماء ورسم الخرائط الكونية ودراسة البنية واسعة النطاق للكون.
كم ستستمر مهمة إقليدس؟
من المخطط أن تستمر المهمة الأساسية حتى عام 2030، مع احتمال تمديدها إذا بقيت الأجهزة في حالة تشغيل جيدة.
هل يمكن أن يكتشف إقليدس حياة خارج الأرض؟
ليس بشكل مباشر، لكنه قد يكتشف كواكب جديدة تصبح أهدافًا لمهمات أخرى متخصصة في دراسة الأغلفة الجوية والبحث عن المؤشرات الحيوية.
خلاصة التقرير
يمكن تلخيص نتائج هذا الإنجاز العلمي في النقاط الآتية:
- نجح تلسكوب «إقليدس» في إنتاج أوسع صورة عالية الدقة لقلب مجرة درب التبانة حتى الآن.
- كشفت الصورة عن أكثر من 60 مليون نجم في منطقة واحدة من السماء.
- ستساعد البيانات في اكتشاف كواكب جديدة وفهم تطور النجوم وبنية المجرة.
- تشكل المهمة أحد أهم المشاريع العالمية لدراسة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
- تمثل البيانات التي يجمعها التلسكوب مرجعًا علميًا سيخدم الباحثين لعقود مقبلة.

